ارادوا الحكم حصراً فازاحهم الشعب قسراً..لماذا فشل الإخوان؟

 

ارادوا الحكم حصراً فازاحهم الشعب قسراً..لماذا فشل الإخوان؟

 

مركز راشيل كوري- ارادوا الحكم حصراً فازاحهم الشعب قسراً: الإخوان فضلوا التبعية لقطر، والتقارب مع السلفيين، والتماهي مع حماس، وأنجوا خطاباً مزدوجاً تجاه واشنطن واسرائيل، ولم يفهموا أن نسبة نجاحهم في الانتخابات لا تؤهلهم للاستحواذ الكامل على السلطة.

 

 

 

بقلم: د. محمد رياض

 

في الحقيقة اعترف أني أسأت التقدير والحساب، فلقد توقعت في السابق أن يتحرك الشارع المصري ضد حكومة الإخوان بعد مرور سنتين إلى ثلاث في حكمهم لمصر، فجاء التحرك بعد مرور سنة واحدة بسرعة أدهشتني.

المهم، بغض النظر عن مسألة التوقيت، كان ما حدث متوقعاً جداً، فقيادة جماعة الإخوان المسلمين التي تتسم بغباء سياسي مطلق ارتكبت اخطاء فادحة كثيرة كان بإستطاعة أي سياسي مبتدئ ان يتجنبها، لعل أهمها:

1. لم يستوعب الإخوان أن من يحكم دولة بحجم مصر لا يجوز أن يتبع دولة مثل قطر!

ظهرت القيادة المصرية الإخوانية بمظهر التابع والمنفذ لسياسات شبه جزيرة قطر وأميرها الأمي، مما أضر بصورة ومكانة مصر كأكبر دولة في المنطقة، وربما لعب القرضاوي بما له من نفوذ داخل الجماعة دوراً في تجيير الموقف الإخواني المصري لصالح تنفيذ المشاريع القطرية في المنطقة، بحيث كان واضحاً أن السياسة المصرية باتت تردد بصورة ببَّغائية مواقف الخارجية القطرية بخصوص مجمل القضايا الإقليمية بدءاً من القضية الفلسطينية ومروراً بالمسألة السورية.

ناهيك عن تدخل قطر السياسي والمالي في الشأن المصري الداخلي، فالتسهيلات غير العادية التي منحت للأموال القطرية في السوق المالية ومناقصات قناة السويس والتنقيب عن الغاز وغير ذلك من الإستثمارات الحيوية، اثارت حفيظة معظم الكتاب والمثقفين والسياسين المصريين حتى المحسوبين منهم تقليدياً على التيار الإسلامي.

ولو ثبتت صحة السند المالي الذي وجده المتظاهرون المقتحمون للمقر العام للإخوان والتي تشير إلى إستلام قيادات إخوانية رفيعة منح مالية منتظمة من امير قطر، فإن ذلك سيضيف بعداً أخر لما أقول.

2. لم يستوعب الإخوان أن تملقهم وتقربهم من السلفيين أضر بصورتهم، واظهرهم وكانهم ينتمون لثقافة مغايرة، فمصر ليست السعودية!

غلب على معظم قيادات الصف الأول الإخواني الانتماء للتوجه السلفي المعروف بتشدده، وذلك بعد إستطاعة التيار المتشدد بين الأعوام 2005 -2010م إزاحة التيار الإخواني المعتدل والأقرب لنبض وثقافة الشارع المصري الوسطية. هذا التشدد الديني والمظهري والسلوكي لم يتقبله الشارع المصري بأريحية. كذلك ساهم وجود أصوات مغالية في تشددها الديني ضمن الإخوان وحلفائهم السلفيين في تخويف قطاع عريض من أبناء الشعب المصري ورسم صورة قاتمة للمستقبل، بحيث لم يستطع هؤلاء إقناع الشباب المصري غير المتحزب أنهم سيحافظون على هامش الحريات الشخصية والسياسية الموجودة.

طبعاً لاحظ أن المظهر الخارجي من ناحية سيكولوجية مهم، لان السياسي عليه أن يشبه في مظهره الخارجي معظم أفراد شعبه، لذلك لم يظهر أصحاب اللحى الطويلة والأثواب الخليجية القصيرة وكأنهم جزء من المجتمع المحيط بهم، مما ساهم في تكوين صورة نمطية عند رجل الشارع البسيط أن الإخوان والسلفيين شيء والمصريين شيء آخر.

3. لم يستوعب الإخوان أن الرئاسة غير النقابات واتحادات الطلبة، لذلك فنسبة 50% وكسور لا تؤهلم للاستحواذ الكامل على السلطة.

بما ان الإخوان وجماهيرهم جديدون على ممارسة اللعبة الديمقراطية، فإنهم لم يستوعبوا أن نسبة 50% وكسور التي حصل عليها مرسي لا تؤهله للإستحواذ على كامل مقاليد السلطة في البلاد، لأن رئاسة الدولة تختلف عن الفوز في اتحادات الطلبة والنقابات المهنية، فرئيس الدولة يجب أن يراعي حجم وثقل معارضيه في الشارع، لذلك وحتى يضمن فترة مستقرة لحكمه، إذا علم أن شعبيته في أحسن حالاتها لم تتعدَّ النصف، عليه أن يظهر بمظهر الأب الراعي للجميع ويضمن مشاركة مقنعة للأطياف الأخرى في المجتمع في إدارة شؤون البلاد وفي تقلد المناصب العامة.

4. الانبطاح للسياسة والأوامر الأميركية والليونة الشديدة مع إسرائيل لا أقنعت أميركا ولا استوعبها الشعب المصري وصورت الإخوان أمام الإدارة الأميركية كأنهم منافقون يظهرون غير ما يبطنون وأظهرتهم أمام الشعب وكأنهم كذبوا على جماهيرهم التي عودوها على خطاب معاداة الغرب.

لطالما شتم خطباء الإخوان أميركا وإسرائيل طوال العقود الماضية، ولطالموا وعدوا الشعب بالرخاء والإستقلال والتحرر من التبعية بمجرد أن يصل الإسلام إلى الحكم، ولطالما هتفوا للقدس وللمقاومة.

ولكن ما أن وصلوا للسلطة حتى سارعوا بسحب السفير المصري من سوريا وتعيين آخر على وجه السرعة في إسرائيل، لتطير رسائل المودة والمحبة باسم الشعب المصري لصديق الرئيس المخلص بيرس ولشعبه "حسب وصف مرسي نفسه".

كذلك وقع مرسي في فخ سهل لا يقع فيه إلا السذج والمغفلون وضعه له اردوغان، حيث أقنعه بممارسة نفوذه على حركة حماس، التي لا تقل قيادتها السياسة غباءً وحمقاً عن نظيرتها المصرية، لتدخل في التزام مضمون بضمانة مصرية تركية لوقف الاعتداءات على إسرائيل ووقف أية أعمال عدوانية على الشريط الحدودي مقابل لا شيء عملياً سوى وقف الاجتياحات الإسرائيلية التي لم تكن إسرائيل بحاجة لها لو يكن هناك "اعتداءات فلسطينية"!

لم تفهم قيادة حماس الغبية طبيعة الفخ، فأوقفت المقاومة وحولت كتائبها لحراس حدود على طول الشريط الحدودي لضمان عدم الاعتداء من الجانب "الفلسطيني" وفي المقابل لم يجرؤ مرسي بفعل الضغوط الأميركية على رفع الحصار عن قطاع غزة، بينما رجع أردوغان إلى دياره تتملكه السخرية من سذاجة العرب.

وهناك الكثير من الأسباب تحتاج إلى كتاب لسردها، لكن في الحقيقة يبدو أن الله تدخل بلطفه لوقف هذه المهزلة في مصر، لكي لا يصل الأمر بالشعب المصري لأن يخرجوا من دين الله أفواجاً لو استمر حكم الإسلاميين لهم بهذه الطريقة لفترة أطول.

وكما قلت في مداخلة سابقة: الإخوان ارادوا الحكم حصراً فازاحهم الشعب قسراً.

درس يجب علينا جميعاً أن نتعلمه، لأن الواقع على الأرض في كل الدول العربية يشير إلى تنوع ألوان الطيف بوضوح، لذلك لن يطغى لون على بقية الألوان إلا ان يكون احمر فاقعاً جداً، المطلوب الآن وجود سياسيين يتقنون ممارسة الفن التشكيلي ليتمكنوا من التعامل مع كل هذه الألوان بطريقة منسقة.

 

د. محمد رياض

 


الرد السريع
كاتب المشاركة :
الموضوع :
النص : *