“نيويوركر” تكشف فصولاً مثيرة عن مؤامرة ترامب والثنائي الخليجي وإسرائيل على القضية الفلسطينية

يتحدث آدم إنتوس في مقالته المطولة التي نشرتها مجلة “نيويوركر” عن النظام الجديد في المنطقة ومواجهة إيران وتهميش الفلسطينيين بالتحالف بين إسرائيل ودول خليجية عن الدور الذي لعبه الملياردير شيلدون أدلسون في أخذ وعد من فريق ترامب لنقل السفارة الأمريكية ومحاولات كل من جيمس ماتيس، وزير الدفاع وريكس تيلرسون، وزير الخارجية السابق تأجيل القرار. وأثبت ترامب بقراره أنه “ليس موال لإسرائيل بل ولليكود الإسرائيلي بشكل منح نتنياهو ما يريد بشأن المسألة الفلسطينية”. وقرر ترامب تعيين كوشنر مسؤولا عن الملف دون سؤاله مقدما. وقال مسؤول إن قراره منطقي لأن ملكيات الخليج تدير شؤون البلاد كعائلة. ويقول إن ترامب قدم نفسه كمحايد في المسألة لكن فريقه الموكل بالشرق الأوسط- كوشنر وغرينبلات وفريدمان أعطى صورة غير ذلك. وقبل توليه منصب السفير قدمت الخارجية لفريدمان عرضا للوضع الإنساني في غزة. وقال في نهايته “لا أفهم، الناس الذين يعيشون هناك هم مصريون فلماذا لا تتولى مصر شأنهم” وهو ما ينكر فريدمان قوله. وكمستشار بارز درس كوشنر كل الإتفاقيات السابقة وأوسلو عام 1993 الذي قال إنه قدم القليل من الأمورالواضحة. وقال لمساعديه إن أوباما “حاول مواجهة الإسرائيليين ومنح كل شيء للفلسطينيين”. وبالمقابل فقد كان فريق ترامب يريد من الفلسطينيين أن يروا أن رصيدهم في تراجع وهذا هو موقف نتنياهو وديرمر. وكان الهدف هو دفعهم للموافقة على مقترحات “واقعية” غير التي عرضها عليهم إيهود باراك، 2000 وإيهود أولمرت 2008.

عزلة عباس

تقو ل المخابرات الإسرائيلية إن محمود عباس يشعر بالعزلة وفقد الدعم العربي الذي كان يساعده في السابق على مواجهة الضغوط الامريكية والإسرائيلية. وقللت الإدارات الامريكية من قدرته على مواجهة الضغط الخارجي. وقال صديق للرئيس الفلسطيني إنه يفضل الموت على الإستسلام. ويبدو فريق ترامب غير منزعج من الوضع الذي يعيشه الفلسطينيون بل على العكس يرى كوشنر أن قرارات الرئيس تجميد معونات الأونرا كانت مفيدة وقال إن “هدفنا هو عدم الحفاظ على الوضع مستقرا كما هو بل تحسينها وإن اقتضى المخاطرة استراتيجيا التدمير لنصل إلى هناك”. ويشير إلى ان الفلسطينيين كانوا يعانون قبل وصول ترامب، فهم منقسمون ومتعبون ولا يثقون بنتنياهو. ويشير إلى أن صائب عريقات سافر إلى واشنطن أثناء الفترة الإنتقالية والتقى سوزان رايس، مستشارة الأمن القومي التي سألته إن كان قد اتصل بأي من فريق ترامب فرد بالنفي لأنه لا يعرف كيفية الإتصال بهم ولا أرقام أي أحد منهم ولا من يدله عليهم. فردت عليه “أنت هنا ولن تقابل احدا منهم” وقبل مغادرته البيت الأبيض علقت رايس “ستتفتقدونا”.

ترامب انتظر شهرين 

ومقارنة مع أوباما الذي اتصل مباشرة بعد تنصيبه مع عباس انتظر ترامب شهرين أي 10 آذار (مارس) 2017 حيث وضع مسؤول الإتصالات الرئيس مع عباس وكانت المكالمة غريبة تحدث فيها ترامب مثل مندوب مبيعات. وبدأها “ماذا تعتقد؟” “هل يمكننا تحقيق السلام؟” فرد عباس بالتأكيد على النتائج الديمقراطية ليقاطعه ترامب “أوكي” متعللا أن الخط ليس جيدا “نحن نتحدث عن تسوية تاريخية” و”ماذا تعتقد؟” فرد عباس إنه من خلال المفاوضات يمكن تحقيق تسوية مع الإسرائيليين وأنه مستعد للحديث مع نتنياهو لاستئناف المحادثات “هذا جيد” رد ترامب مفاجئا عباس: “هل تعتقد أن بيبي يريد تسوية؟ ما هو رأيك؟” فرد عباس “هو رئيس الوزراء الإسرائيلي ونحن مستعدون للعمل معه، وليس أمامنا خيار” “لا خيار لديك” رد ترامب مضيفا أن هناك فرصة للسلام “بسببي”ووعد بأنه”سيعطيه جهودا بنسبة 100%” و “ستحدث” فرد عباس″نعول عليك” و “نعرف أنها ستحدث”. وكان التحدي الأكبر هي زيارة عباس في 3 أيار (مايو) 2017 لكن اللقاء اتسم بالخلاف عندما سأل ترامب عباس عن مساعدة السجناء الفلسطينيين وعائلات الإرهابيين. فأجاب عباس إن الفلسطينيين خاضوا كفاحا طويلا مع الإسرائيليين ولهذا يعتنون بعائلات الشهداء. ورفض بانون حضور حفلة الغداء التي أقامها ترامب على شرف عباس قائلا إنه “لن يأكل مع شخص يداه ملوثتان بدم الأبرياء اليهود”. بعد شهر سافر ترامب إلى الرياض ومنها إلى إسرائيل حيث قدم نتنياهو له شريط فيديو فيه مقتطفات من خطابات عباس وترجمة الحكومة الإسرائيلية لها. وعندما سافر ترامب لزيارة بيت لحم واجه ترامب عباس غاضبا واتهمه بخداعه بأنه رجل سلام. وعندما رد عباس قائلا إن نتنياهو يريد عرقلة السلام، غير ترامب الموضوع. ونقل الكاتب عن عريقات قوله إن نتنياهو استخدم كل ما لديه لتصوير عباس بالرجل الذي لا يوثق به. وكانت مقابلات عريقات مع كوشنر صدامية. ففي مرة اشتكى له من عدم قدرة الطرف الفلسطيني على ترتيب لقاءات مع الإسرائيليين فرد عليه كوشنر:” طلبنا منهم عدم مقابلتكم في الوقت الحالي”ـ وعندما علق عريقات أن هذا لا معنى له رد كوشنر “من الأفضل لنا مقابلة الإسرائيليين وأنتم لن تصنعوا السلام لنا”. وشعر كوشنر ان الفلسطينيين يلقنونه دروسا في التاريخ مؤكدا أن “كل هذا في الماضي وقدموا لي شيئا يمكن ان تعيشوا معه”. وفي مواجهة كلامية قال عريقات إنه يشعر أنه يتحدث مع “سمسار عقارات” فرد كوشنر: “صائب، لم تصنع سلاما مع سياسيين وربما كنت بحاجة لسمسار عقارات”. وفي مواجهة أخرى بينهما في تشرين الثاني (نوفمبر) حذر فيها عريقات كوشنر من أن نقل السفارة يعني خروج أمريكا كعراب شريف فرد كوشنر: “نحن دولة ذات سيادة ولا تهددنا”. فقال عريقات إنه كان يحذر من تدمير حل الدولتين.

آخر مكالمة

كانت آخر مكالمة بين ترامب وعباس قبل إعلانه عن نقل السفارة. وظل الخط ينقطع بشكل أحبط ترامب الذي كان يعرف أن عباس سيغضب مما سيسمعه منه. وعندما عاد الخط تحدث ترامب 15 دقيقة عن وعوده الإنتخابية وان الفلسطينيين سيحصلون على صفقة احسن من فترة أوباما. وبعدما انتهى سأل عباس عن رأيه فلم يتلق إلا الصمت. وفي 6 كانون الاول (ديسمبر) أعلن ترامب نقل السفارة فرد عباس بوقف المحادثات. وكان الرد هادئا من العواصم العربية، لكن دول الخليج أخبرت كوشنر بهدوء أن القرار ستكون له أثار عكسية. فقبل قرار القدس قالوا له إنهم كانوا مستعدين للضغط على عباس للقبول بما سيعرضه ترامب على الفلسطينيين أما الآن فلا يستطيعون بسبب المعارضة الشعبية. وبشكل مدهش انتقد محمد بن سلمان عباس في لقاء مع قادة المنظمات اليهودية في نيويورك وقال: “في العقود الماضية.. ضيع الفلسطينيون الفرصة تلو الفرصة ورفضوا كل مقترحات السلام التي قدمت لهم. وحان الوقت لكي يوافقوا على الجلوس على طاولة المفاوضات أو الصمت والتوقف عن الشكوى”. حاول ترامب التواصل مرة أخرى مع عباس عقب مقال نشره مايكل غودوين في نيويورك بوست “عباس كاره اليهود” وعلق على خطاب لعباس انتقد فيه التاريخ اليهودي. ووقع ترامب على نسخة من المقال “محمود، هل هذا صحيح؟” و “تمنياتي، دونالد ترامب” وطلب من القنصل الأمريكي العام إيصال الرسالة إلى رام الله. فضحك عباس على المقال ورد “لا هذا ليس أنا”.

الشرق الأوسط الجديد

في عام 1993 كتب شمعون بيرس “عن الشرق الأوسط الجديد” وذلك في أعقاب أوسلو. وتخيل فيه شرقا أوسطا بدون مشاكل ومجتمعا أوروبيا في الصحراء. وكان هذا قبل غزو العراق ولا حرب سوريا واليمن وفشل العملية السلمية ولا النزاع السني- الشيعي ومواجهة إيران.

وتريد إسرائيل من إدارة ترامب تشكيل شرق أوسط جديد. فبعد أقل من شهر على انتخاب دونالد ترامب التقى مع نتنياهو في مكتبه البيضاوي. وبعد اللقاء أصدرا بيانا مشتركا أكدا فيه على ديمومة العلاقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل و” شددا على العلاقة الخاصة”. ودعيا إلى تشكيل مجموعات عمل لتوسيع التعاون الأمني. وكان المتحمسون في مجلس الأمن القومي المعادون لإيران، يريدون مساعدة إسرائيل التحضير لنزاع مستقبلي مع وكلاء إيران في لبنان وسوريا. لكن جهود هؤلاء واجهت مقاومة من العناصر الحذرة داخل مؤسسة الأمن القومي الذين خشوا أن تبدأ إسرائيل حربا وتطلب من أمريكا نهايتها. وفي الصراع على السلطة بين الصقور المعادين لإيران والإعلام اليميني من جهة ومعارضيهم داخل مجلس الأمن القومي الذين اتهموا بأنهم من جماعة أوباما. وبصيف عام 2017 ركزوا نظرهم على مجلس الأمن القومي واتهموا مستشار الأمن أتش أر ماكمستر بمعاداة إسرائيل بشكل أخرجوه من منصبه وعين مكانه في آذار (مارس) 2018 جون بولتون المعادي للفلسطينيين والداعي لتغيير النظام في إيران. وبدا كل هذا واضحا من قرار نقل السفارة في أيار (مايو) والخروج من الإتفاقية النووية رغم التحذيرات من الآثار السلبية. وبدا هذا واضحا في حفل السفارة وقتل الفلسطيين على حدود غزة. وفي طريقه لحفل السفارة علم كوشنر أن تعديلا في خطابه تم وأضيف له: ” من يحرضون على العنف هم جزء من المشكلة لا الحل”. واعتبر نتنياهو القرار شجاع وتاريخي. وجلس شيلدون ادلسون وزوجته مريام في الصف الأول إلى جانب كوشنر وزوجته إيفانكا بشكل يؤكد الدور الذي لعبوه وراء الستار لنقل السفارة. وفي حفل لتحالف اليهود الجمهوريين قال أدلسون مازحا إنه أقصر شخص في الغرفة باستثناء عندما يقف على محفظة أمواله. ويشير إنتوس لرد فعل إدارة أوباما عام 2014 على قصف الطيران الإسرائيلي مدرسة تابعة للأونروا في غزة، حيث قالت المتحدثة باسم الخارجية جين بساكي “أشعر بالرعب” فرد ديرمر عليها ساخر “أنا مرعوب لأنك مرعوبة”. وبالمقارنة شكر ديرمر نائب المتحدثة باسم الأبيض الأبيض راج شاه الذي اتهم حماس بالتحريض على القتل في غزة أثناء التظاهرات الأخيرة. وقال في زيارة للبيت الأبيض “هذا رد مختلف عن الذي حصلنا عليه عام 2014″. وفي مناسبة بواشنطن للإحتفال بذكرى سبعين عاما على تأسيس إسرائيل، كانت السفارة تخطط لإصدار كتاب لتثمين دور الأمريكيين الذين ساهموا في قوة إسرائيل خاصة هاري ترومان الذي اعترف بإسرائيل عام 1948 لكنه قرر أضافا أمريكيا ثانيا وهو دونالد ترامب وقراره الجريء بنقل السفارة. وأرسل ديرمر نسخا للبيت الأبيض حتى يرى ترامب اسمه مطبوعا إلى جانب ترومان وألبرت أينشتاين. ورغم اللهجة الشاجبة لاحداث غزة من الدول العربية إلا أنها بلغة مملة بشكل أعطى نتنياهو فكرة أنها مجرد كلام وان التيار انحرف نحو المواجهة مع إيران. وهو ما كان يهدف إليه إلى جانب بن سلمان وبن زايد وهو الإنتقال من الإحتواء والإستيعاب إلى مواجهة إيران بالمنطقة. وقرر ترامب الخروج من الإتفاقية النووية في 8 أيار (مايو) بعد أيام من حفلة نقل السفارة وهو ما اعتبره ديرمر “أفضل الأيام” وقال “كنا نسير بسرعة نحو الهاوية وأدار ترامب المقود”. واتفق كوشنر مع ديرمر أن أوباما قوى إيران على حساب إسرائيل ودول الخليج. وقال لمساعديه “إذا أردنا مواجهة إيران فعلينا أن نعمل معا”. وبدأ بولتون والصقور مباحثات مع الإسرائيليين لإعادة فرض العقوبات على إيران من جديد. ودعا نتنياهو لزيادة الضغط لتعجيل انهيار النظام في طهران. وقال “إيران في نزاع معنا وهي في مواجهة مع الولايات المتحدة وكل دولة عربية في الشرق الأوسط”.

خطة ترامب

يخطط كوشنر الإعلان عن خطة السلام في الشرق الأوسط في الأشهر المقبلة ورسالته للفلسطينيين “إذا أرادتم العمل معنا اعملوا معنا وإن لم تريدوا فلن نجري وراءكم”. ويعرف نتنياهو إن كوشنر بحاجة لأن يقنع دول الخليج فلو لم تحتو الخطة على عاصمة للفلسطينيين في القدس الشرقية فلن يكون امام القادة العرب إلا رفضها. ووصف مسؤول بارز في الإدارة الخطة بانها “عادلة” و”ستركز على تحسين حياة الإسرائيليين والفلسطينيين”. ويعول نتنياهو على رفض عباس الخطة، خاصة أنه انتظر طويلا تسوية شاملة، مما سيضع الكرة في مرمى بن سلمان وبن زايد، وإن كان سيتبعان عباس أم يسيران في طريق مختلف. ويأمل نتنياهو برفض دول الخليج العرض الأمريكي والتركيز على مواجهة إيران. ويقول الكاتب إن التعاون الإسرائيلي مع دول الخليج قد توسع إلى سيناء حيث نشر بن زايد قواته لتدريب القوات المصرية التي تواجه المتطرفين وبغطاء جوي من الطيران الإسرائيلي. وقامت القوات الإماراتية في بعض المرات بمهام لمكافحة الإرهاب في سيناء. ويرغب نتنياهو بالكشف عن العلاقات الجديدة لكنه لا يريد تعريض بن سلمان وبن زايد للخطر. ويأمل أن يعترفا بإسرائيل وهي خطوة يمقتها الفلسطينيون في وضعهم الحالي. وفي النهاية سيخسر الفلسطينيون على أكبر احتمال في النظام الجديد للشرق الأوسط. و”بتسوية وبدونها فهذا يحدث” حسب مسؤول عربي. وإيران هي السبب وراء كل هذا حسب مسؤول في إدارة ترامب.


الرد السريع
كاتب المشاركة :
الموضوع :
النص : *