الجزيرة تستضيف الناطق باسم الجيش الاسرائيلي...سقطة مقصودة لاختراق عقولنا العربية

لا يمكن اعتبار استضافة الناطق باسم جيش اسرائيل، افيخاي ادرعي، في برنامج "الاتجاه المعاكس"، الا سقطة أخلاقية وسياسية مدوية للبرنامج المثير للجدل، بوصفه فتح منبراً دعائياً لجيش اسرائيل على العالم العربي، تسرّب منه الى البيوت العربية لقول ما تقتضيه الدعاية الاسرائيلية، وليواجه المشاهد بابتسامة صفراء، وتحاول تثبيت التفوق العسكري الاسرائيلي.
 
والسقوط هنا، لا يترك مجالاً للبحث في خلفيات، أو تقصي تبريرات دفعت لاستضافة أدرعي. وهو ليس مغامرة اعلامية، بطبيعة الحال. فالبحث عن الاسباب، يفتح الباب للتكهنات بخلفيات مقيتة، لا تحصر في التفكير بأن البرنامج "يجسّ نبض" الشارع العربي تجاه مقتضيات الدعاية الاسرائيلية، وأنه في أسوأ الاحوال، يفتح منبراً لتقدم تل ابيب ما تجده مناسباً من تبرير لقتل فلسطينيين، أو قضم ممتلكاتهم، أو قفز فوق كل النداءات الدولية الداعية لوقف سياسة الاستيطان والتمدد. وإذا كان بعض المغردين وجدوا في الاطلالة اتهاماً بالتطبيع، فان ذلك ينم عن قصر نظر، ذلك ان مجرد اطلالته، هي باب لتبني خطاب، حتى لو تمت مواجهته ومحاججته.

وأدرعي، هو منفَذ اسرائيل الى العالم العربي. يدرك القاسم ذلك، كما يدرك أن محاججته ومواجهته وكيل الاتهامات له، لا يعادل بتاتاً الفوائد المترتبة على ظهوره في منصة اعلامية عربية، هي الاوسع انتشاراً، والأكثر تأثيراً على المستوى الدولي. ومع علم أدرعي ان الاطلالة ستثير له الشتائم والاتهامات في السوشيال ميديا، الا انه احتفى بها، بوصفها أول اطلالة رسمية في برنامج حواري عربي، تستدعي رفع الأنخاب. 

ومناقشة هذه الاطلالة، لا تستعيد اطلالات اخبارية له، في نشرات الاخبار العربية التي تجد في اطلالته إعلاناً عن موقف مستجد، يقيده المدى الزمني للاطلالة ويحصرها بتقديم المعلومة التي يريد جيش اسرائيل قولها. فالنقاش هنا، ينطلق من أن الحوار يستدعي تقديم موقف ورأي، وبالتالي نقل الاتهامات للفلسطينيين أو لقوى أخرى في المنطقة، الى اطار أكثر عمومية، يتجاوز امكانياته المحدودة المرتبطة بصفحات الكترونية في مواقع التواصل، تثير ردوداً مباشرة يقرؤها ويعلّق عليها احياناً. 

ودرجت "الجزيرة" على البحث عن شخصيات وقضايا مثيرة للجدل، استطاعت من خلالها حصد شعبية كبيرة، ليس أولها ظهور زعيم "جبهة النصرة" ابو محمد الجولاني في المحطة، في اولى اطلالاته الاعلامية. قد يكون لذلك قيمة خبرية، بصرف النظر عن طريقة تقديمه التي انزلق اليها محاوره احمد منصور، علماً أن هناك انقساماً على "النصرة" بين من يعتبرها ارهابية، وبين من يراها "ذراعاً جهادية" في سوريا لا تستوجب الجلد. 

غير أن اطلالة أدرعي، لا تمثل أقلّ من استفزاز لتاريخ عربي، واحتلال، ومعاناة فلسطينية مستمرة وحقوق مسلوبة، وعشرات آلاف الشهداء الذين قتلوا في صراع متواصل منذ 70 عاماً. ويتبادر الى الذهن ما يسأله هؤلاء المهجرون في ركام غزة، عن كيفية استقبال ادرعي على شاشة يفترض أنها تتبنى قضيتهم؟ 

لكن لا مجال للشك بأن أدرعي يتمتع بدهاء، فهو لم يقارب تلك الملفات الا تلميحاً، وصب مواقفه باتجاه قضية اشكالية تعتري العلاقة العربية – الايرانية، حين عرض على صورة تظهر ايران "اكبر قوة احتلال في العالم التي تحتل ٤ عواصم عربية من صنعاء وحتى بيروت"، بحسب وصفه، كما اوحى بالحرص على أهل غزة، حيث "حذر من الرغبة الإيرانية في احتلال غزة أيضاً حيث دعا سكان القطاع لان يستيقظوا ويبعدوا هذا الخطر عنهم". 

واستثمر أدرعي في الانقسام حول سوريا برئاسة بشار الاسد ونظامه. إذ وظّف اطلالته في قضايا تحتمل انقساماً عربياً، فكان له المنبر الذي قال فيه ان "على مدى سنوات والعرب يستخدمون أحلامهم بالنصر على اسرائيل فنحن نقرأ عناوين صحيفة "تشرين" السورية ونضحك. الفرق بين إسرائيل والاعداء اننا نعتمد على الأفعال بينما هم على الأقوال والأحلام". 

بعد اطلالة أدرعي في "الاتجاه المعاكس"، وقبلها مسؤولون اسرائيليون في "ايلاف "، لن يبقى في الذاكرة العربية الا ابتسامة ساخرة طبعها أدرعي في عينيّ مشاهديه الغاضبين، تقول ان ما حققته اسرائيل اليوم هو انتصار جديد، اعلامي الطابع، رغم أنوف المقاطعين. 

الرد السريع
كاتب المشاركة :
الموضوع :
النص : *