محاكمة غائبة

بلّغ الرئيس الفلسطيني، محمود عباس، الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، الاثنين، أنه لم يعد في وسعه قبول دور الولايات المتحدة وسيطا في المحادثات مع إسرائيل بسبب أفعال واشنطن أخيرا، لا سيما اعترافها بالقدس عاصمة لدولة الاحتلال. وقال عباس إنه يريد آلية وساطة جديدة موسعة، يمكن أن تتألف على سبيل المثال من الرباعية الدولية ودول أخرى، على غرار النموذج الذي استخدم لإبرام الاتفاق النووي مع إيران. 

قد لا يكون أمر تقييم الوسيط والآلية كافيًا إذا لم يقترن بإجراء محاكمة فلسطينية عامة لكل ما تسمى العملية السياسية. ولعل الأكيد أنه في حال حدوث محاكمةٍ كهذه، لن يعدم الفلسطينيون الأدوات المطلوبة، سواء للتشخيص أو للاستحصال، وهي منثورة هنا وهناك في بطن جبل شاهق من الدراسات والمقالات وأوراق تقدير الموقف... إلخ. 

إذا ما بدأنا بمحطة النقد الذاتيّ، فالمطلوب مثلًا هو الوقوف أمام خطأ وقعت فيه قيادة منظمة التحرير الفلسطينية لدى توقيع اتفاق أوسلو، ويعتبره عالم الاجتماع الفلسطيني، جميل هلال، بحقّ بمثابة الخطأ الأكبر، وهو قبولها تقسيم أرض فلسطين التاريخية بين الشعب الفلسطيني (ساكن الأرض الأصلاني) والحركة الصهيونيةممثلة بإسرائيل (بما هي دولة مستعمرين تولوا تهجير معظم سكان البلد الأصلانيين وسلب أرضهم). وبرأي هلال، اعتراف منظمة التحرير بإسرائيل برّأها من كونها دولة استعمارية استيطانية، وبرّأ الصهيونية من سمة العنصرية، وشرّع لها مجال تقديم نفسها عالميًا "حركة تحرّر". وعلى خلفية هذه الإنجازات للحركة الصهيونية، تطالب إسرائيل الفلسطينيين الآن بالاعتراف بها دولة يهودية، أي تطالبهم بالتخلي عن الرواية التاريخية الفلسطينية لصالح الرواية الصهيونية. وتشتط في دولة الاحتلال هذه الأيام دعاوى انطلقت منذ نحو عقد تلّح على أن يستند الخطاب السياسي الإسرائيلي العام حيال القضية الفلسطينية إلى الحقوق التاريخية لليهود في فلسطين، أكثر من الاستناد إلى حاجات إسرائيل الأمنية. 

ومن ناحية إسرائيل، قدمت الوثيقة التلخيصية لمؤتمر معهد أبحاث الأمن القومي الذي عقد أخيرا في جامعة تل أبيب، إشارات قوية إلى ماهية التفكير السائد فيها الآن، من طريق إشارتها إلى أن ممثلي الحكومة الإسرائيلية الذين تحدثوا في المؤتمر، عرضوا أجندة واضحة مفادها بأن "التقدم السياسي في الموضوع الفلسطيني ليس مطروحًا اليوم على جدول الأعمال"، وأنه "لا فائدة من أي خطوةٍ مهمةٍ في ظل عدم وجود شريك لدى الطرف الثاني". ومن وجهة نظر هؤلاء، يُعتبر عباس رئيسًا ضعيفًا، وكمن انتهى دوره، فكم بالحري بعد أن عارض حق قيام دولة اليهود في الخطاب الذي ألقاه في اجتماع المجلس المركزي الفلسطيني. 
ومن موقع المتابع، يمكن القول إن الرائج في دولة الاحتلال إزاء المسألة الفلسطينية في الوقت الحالي موقفان: 
الأول، موقف أحزاب الائتلاف الحكومي الذي يطالب بانتهاز فرصة وجود إدارة أميركية داعمة إلى أبعد الحدود مثل الحالية، وضم مناطق ج في الضفة الغربية، التي تبلغ 60% من مساحتها، إلى إسرائيل، علمًا أن فرض وقائع على الأرض تخدم هذا الضم لم يتوقف يومًا. 

الثاني، موقف يرى أن "الصراع الإسرائيلي- الفلسطيني" هو المشكلة الأخطر حاليًا. ولذا يجب اتخاذ خطوات فورية لمواجهتها، وخصوصًا للمحافظة على إسرائيل "دولة يهودية وديمقراطية". ويعتقد أصحاب هذا الموقف، وهم من أحزاب المعارضة، أنه ليس فقط لا يمكن التوصل إلى نظام إقليمي جديد، يتم إشهاره على رؤوس الأشهاد (تقف في صلبه علاقات سياسية علنية مع دول عربية سنّية، تبحث عن تعاون مع إسرائيل ضد تهديدات مشتركة وخصوصًا إيران) من دون حدوث تقدّم في الموضوع الفلسطيني، بل سيجعل عدم اتخاذ قرار إسرائيل تتدهور نحو واقع الدولة الواحدة بين نهر الأردن والبحر المتوسط أيضًا. وفي رأي هؤلاء، يُعتبر الانفصال عن الفلسطينيين أمرًا حتميًا، باتفاق أو عبر خطوات مستقلة، من خلال المحافظة على مصالح إسرائيل الأمنية الحيوية. 
الموقفان يتقاسمان إذًا قاعدة مشتركة، هي تجاهل الفلسطينيين وحقوقهم. وتحتاج مواجهتهما إرادة وطنية أكثر من حاجتها وسيطا نزيها أو غير نزيه.

بقلم: أنطوان شلحت


الرد السريع
كاتب المشاركة :
الموضوع :
النص : *