الخروقات التي تتعلق بالملف الأمني واستخدام القوة القاتلة

رسالة ماجستير-بقلم-عبدالعزيز موسي شهاب

المطلب الخامس

الخروقات التي تتعلق بالملف الأمني واستخدام القوة القاتلة

                   سنخصص هذا المطلب لدراسة الملف الأمني وكيف عالجته اتفاقية أوسلو, ونبين الخروقات الإسرائيلية في هذا الجانب, كما سنبين الانتهاكات المتعلقة باستخدام إسرائيل للقوة الفتاكة المحرمة دولياً, تجاه الفلسطينيين, والمخالفة للقوانين الدولية وميثاق جنيف, ولاتفاقية أوسلو نفسها. مقسمين هذا المطلب إلى فرعين مستقلين, نتكلم في الفرع الأول عن الخروقات المتعلقة بالملف الأمني, ونتعرض في الفرع الثاني للخروقات المتعلقة باستخدام القوة الفتاكة, كما سيأتي:

الفرع الأول

الخروقات المتعلقة بالملف الأمني

                     لقد تم تشكيل الأجهزة الأمنية الفلسطينية بناءً على اتفاق إعلان المبادئ عام1993, واتفاق القاهرة عام1994, ومن ثم اتفاقية أوسلو عام1995، حيث نصت المادة(8) من اتفاق إعلان المبادئ على أن: " من أجل ضمان النظام العام والأمن الداخلي للفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة سينشئ المجلس قوة شرطة قوية، بينما ستستمر إسرائيل في الاضطلاع بمسؤولية الدفاع ضد التهديدات الخارجية وكذلك بمسؤولية الأمن الإجمالي للإسرائيليين بغرض حماية أمنهم الداخلي والنظام العام ". () كما ونص اتفاقية القاهرة ( أوسلو2 ) لعام1994 في البند السابع على ما يأتي: " أ- من أجل ضمان النظام العام والأمن الداخلي للفلسطينيين في قطاع غزة ومنطقة أريحا، تشكل السلطة الفلسطينية قوة شرطة قوية كما هو مبين في (البند8) أدناه, وستستمر إسرائيل في القيام بمسؤولية الدفاع ضد التهديدات الخارجية، وتشمل: المسؤولية عن حماية الحدود المصرية والخط الأردني، والدفاع ضد التهديدات الخارجية من البحر ومن الجو، وكذلك المسؤولية عن الأمن الشامل للإسرائيليين والمستوطنات، لغرض تأمين أمنهم الداخلي والنظام العام لهم، وسيكون لها كل الصلاحيات لاتخاذ الخطوات الضرورية لتحقيق هذه المسؤولية. ب- الترتيبات الأمنية المتفق عليها وآليات التنسيق محددة في الملحق رقم"1". ج- يتم إنشاء لجنة مشتركة للتنسيق والتعاون بشأن أغراض الأمن المتبادل ( من الآن فصاعداً "مكاتب تنسيق المنطقة ) (DCOS) "كما هو محدد في الملحق رقم"1". د- يمكن إعادة النظر في ترتيبات الأمن المقدمة في هذا الاتفاق بناءً على طلب أي من الطرفين. وقد تعدل عن طريق اتفاق متبادل من الطرفين، ترتيبات محددة لإعادة النظر متضمنة في الملحق"1" ". في حين نصت الاتفاقية ذاتها في البند الثامن على: " أ- تنشئ السلطة الفلسطينية قوة شرطية قوية ( المديرية العامة لقوى الشرطة الفلسطينية ) ( من الآن فصاعداً "الشرطة الفلسطينية" )، والواجبات والوظائف والهيكل والانتشار والتشكيل للشرطة الفلسطينية مع المواد المتعلقة بمعداتها وعملياتها كلها مبينة في الملحق رقم"1" مادة"3" وقواعد التصرف المنظمة لأنشطة الشرطة الفلسطينية محددة في الملحق رقم"1". ب- فيما عدا الشرطة الفلسطينية، والقوات الإسرائيلية لا تنشأ أو تعمل أي قوة مسلحة أخرى في قطاع غزة أو منطقة أريحا. ج- فيما عدا الأسلحة والذخائر والمعدات الخاصة بالشرطة الفلسطينية الموصوفة في الملحق رقم"1" مادة"3" وتلك الخاصة بالقوات العسكرية الإسرائيلية، لن يسمح لأي منظمة أو فرد في قطاع غزة ومنطقة أريحا بتصنيع أو بيع أو الحصول على أو تملك أو استيراد أو إدخال أي أسلحة نارية أو ذخائر أو أسلحة أو مفرقعات أو بارود أو أي معدات من هذا النوع إلى قطاع غزة أو منطقة أريحا، ما لم يرد ذلك في الملحق رقم"1". ()

                    وكان الهدف من تشكيل هذه الأجهزة هو تأمين الحماية وفرض النظام في مناطق السلطة الفلسطينية، حيث كان من المقرر وفقاً لهذه الاتفاقيات تشكيل6 أجهزة أمن مختلفة، وتم تشكيل هذه الأجهزة من عناصر وقادة جيش التحرير الفلسطيني التابع لمنظمة التحرير بدعم مالي دولي، وبقي هذا الأمر حتى اندلاع الانتفاضة الثانية عام2000 قررت إسرائيل بشكل أحادي عدم التعاون مع السلطة الفلسطينية في الشئون الأمنية. وتجاهلت إسرائيل الدعوات المتكررة من قبل السلطة الفلسطينية لاستئناف التعاون الأمني.

                    كما ونصت اتفاقية أوسلو المؤقتة لعام1995 على تقسيم الأراضي الفلسطينية إلى ثلاث مناطق وهي: مناطقA : وهي المناطق التي تخضع للسيطرة الفلسطينية الكاملة (أمنيًا وإداريًا) وتبلغ مساحتها1,005 أي ما نسبته18% من مساحة الضفة الغربية الإجمالية. ومناطقB: وهي المناطق التي تقع فيها المسؤولية عن النظام العام على عاتق السلطة الفلسطينية، وتبقى لإسرائيل السلطة الكاملة على الأمور الأمنية، وتبلغ مساحتها 1,035، أي ما نسبته18.3% من مساحة الضفة الغربية الإجمالية. ومناطقC: وهي المناطق التي تقع تحت السيطرة الكاملة للحكومة الإسرائيلية، وتشكل61% من المساحة الكلية للضفة الغربية. ()

                     ومن الواضح أن إسرائيل لم تلتزم بتلك الاتفاقيات ودأبت مراراً على الانتهاك الواضح لبنود هذه الاتفاقيات, حيث مارست إسرائيل صلاحياتها الأمنية خارج نطاقها المحدد لها, وعملت على فرض السيطرة الأمنية على كافة المناطق الفلسطينية بما فيها المناطق الخاضعة أمنياً لولاية السلطة الفلسطينية, ومازالت تدخل وتخرج وتقتحم كما شاءت ومتى أرادت بدون أي رادع, وتقوم بفرض الطوق الأمني والإغلاق على تلك المناطق بحجة الدواعي الأمنية.

الفرع الثاني

استخدام إسرائيل للقوة الفتاكة

                    يمكن القول أن اتفاقية أوسلو التي وقعتها منظمة التحرير مع إسرائيل نصت على قوانين واضحة, تمنع استخدام القوة القاتلة, ومن ذلك النص على عدم التدخل من قبل الجنود الإسرائيليين، واستخدام الأسلحة النارية لن يكون مسموحاً به إلا كملجأ بعد فشل كل محاولات السيطرة على الحدث أو الواقعة مثل تحذير المعتدي أو إطلاق النار في الهواء، أو عندما تصبح هذه المحاولات غير مجدية ولا يتوقع منها تحقيق النتيجة المطلوبة، ويجب أن يهدف استخدام الأسلحة النارية الى ردع المعتدي أو اعتقاله وليس قتله، ويجب أن يتوقف استخدام السلاح الناري عندما يزول الخطر. ()

                   وبالرغم من هذا البند, لم يتوقف الإرهاب الصهيوني على الشعب الفلسطيني منذ تأسيس إسرائيل في العام1948م وحتى يومنا هذا, كما اعتاد الجنود الإسرائيليون على الاستهداف والقتل المتعمد لمحتجين فلسطينيون ولم يستخدم الذخيرة الحية كملجأ أخير, وبعد إجراء تحقيق في الممارسات الاسرائيلية خلال الانتفاضة الحالية استنتج أطباء من أجل حقوق الإنسان من الولايات المتحدة أن جنود الجيش الاسرائيلي لا يطلقون النار فقط في المواقف المهددة لحياتهم ولكنهم يطلقون النار على الرؤوس والأفخاذ بهدف الإصابة والقتل وليس لتجنب فقدان الحياة أو الأذى، وحتى المظاهرات الخالية من العنف بما في ذلك تلك التي لا يستخدم فيها ألقاء حجارة واجهت بدورها أفعال عنيفة من قبل قوات الاحتلال الاسرائيلي. ()

                كما وتمارس إسرائيل إرهاب دولة، وتقتل وتعتقل فلسطينيين أبرياء كل يوم, حتى أنها تشرع قوانين تحرض اليهود على حمل السلاح، وقتل الفلسطينيين، وهذا ما نشاهده ونسمع عنه في مختلف المناطق التي تحتلها يومياً. فإسرائيل لا تحاكم المستوطنين اليهود على جرائمهم اليومية التي يرتكبونها ضد الفلسطينيين وممتلكاتهم, بل ولم تحاكم إسرائيل أياً من هؤلاء المستوطنين على جرائمهم الإرهابية، بل تقدم الحماية لهؤلاء المجرمين, هذا إلى جانب لجوئهم لشتى وسائل القع لإخماد الانتفاضات الفلسطينية المتعاقبة، وعدم ترددهم باستخدام القوة العسكرية المفرطة في حربهم ضد الشعب الفلسطيني في غزة خلال حروب، 2008، 2012, 2014. ()

                  ومنذ أوسلو، ومروراً بكل الاتفاقات والتفاهمات واللقاءات والتصريحات والمباحثات التي استغرقت أكثر من ثلاثة وعشرين عاماً، لا تزال القضية تراوح مكانها، وما زال الاحتلال يلتهم الأراضي الفلسطينية من كل أطرافها، والعدوان والتنكيل والحصار والاغتيالات في تصاعد مستمر، والقدس تسقط تدريجياً في مخطط التهويد والتدنيس. وتتعرض يومياً وبشكل متكرر للاقتحام من قبل قوات الجيش الإسرائيلي وقطعان المستوطنين, كما وتستمر إسرائيل بمواصلة الحفريات تحت المسجد الأقصى, وتقوم بتغيير معالمه وتخريب الأماكن الدينية والمقابر الإسلامية في القدس.

                 ولا بد أخيراً أن نشير إلى بعض الخروقات الإسرائيلية لاتفاقية أوسلو, والتي لا حصر لها ولا يتسع المجال لذكرها, ومن الأمثلة عليها: استمرار السيطرة على مصادر المياه, واحتجاز عائدات الضرائب الفلسطينية وعدم تحويلها أولاً بأول للفلسطينيين, ومنع مظاهر السيادة الفلسطينية, ومنع إصدار نقد فلسطيني, وإقامة مناطق عازلة بمحاذاة الحدود مع قطاع غزة ومنع المزارعين من دخول أراضيهم, والتعرض للصيادين في بحر غزة وقتلهم واعتقالهم وقصف مراكبهم, وغير ذلك.

                 كان لكل هذه الخروقات بالغ الأثر على تنفيذ اتفاقية أوسلو, الأمر الذي ينبغي لنا كفلسطينيين إعادة النظر في هذه الاتفاقية, وإنهائها بكل تبعاتها, أو على الأقل المطالبة بتعديلها على نحو يلبي مطالب وطموحات الشعب الفلسطيني, وينهي احتلاله القائم منذ عام1948.

                    كنا قد تعرضنا في الفصل السابق لاتفاقية أوسلو وطبيعتها القانونية, وللظروف التي أدت لإبرامها, والأسباب القانونية التي يمكن الاحتجاج بها لإنهائها وفقاً للقانون الدولي, كما تناولنا أشكال وصور الخروقات الإسرائيلية للاتفاقية وبينا أن هذه الخروقات هي خروقات جوهرية تبيح إمكانية إنهاء الاتفاقية قانوناً, هذا وسنتناول في الفصل القادم من هذا البحث مواضيع عدة, حيث سنتعرض لإمكانية إنهاء الاتفاقية وفقاً القانون الدولي أو على الأقل تعديلها في حالة إحجام الطرف الفلسطيني عن الإنهاء لسبب أو لآخر, وكما سنبين من هي السلطة المختصة بإبرام وإنهاء المعاهدات حسب النظام القانوني الفلسطيني, وأخيراً سنبين رأي الفقه والقضاء في إنهاء الاتفاقية كما سيأتي.

الفصل الثالث

الآفاق القانونية لاتفاقية أوسلو

                   سنتعرض في هذا الفصل الثالث والأخير من هذا البحث للآفاق القانونية لاتفاقية أوسلو, ففي المبحث الأول سنتكلم عن إبرام وإنهاء المعاهدات وفقاً للنظام القانوني الفلسطيني, ومن هي السلطة المخولة قانوناً بإبرام وإنهاء المعاهدات حسب القوانين الفلسطينية, وفي المبحث الثاني سنتكلم عن واقع الاتفاقية وعن إمكانية تعديلها على الأقل في حال عدم قيام الجانب الفلسطيني بإنهائها لسبب أو لآخر, أما المبحث الثالث فسبين فيه رأي الفقه والقضاء الدوليين في إنهاء الاتفاقية بناءً على الأسباب التي ذكرناها آنفاً, كما سيأتي:

المبحث الأول

إبرام وإنهاء المعاهدات وفقاً للنظام القانوني الفلسطيني

                   سنتكلم في هذا المبحث عن موضوع إبرام وإنهاء المعاهدات الدولية وفقاً للنظام القانوني الفلسطيني, حيث سنقسم هذا المبحث إلى مطلبين مستقلين, المطلب الأول نتناول فيه موضوع إبرام المعاهدات الدولية حسب القوانين الفلسطينية ومن هي الجهة المخولة بالتوقيع والتصديق على المعاهدات, وفي المطلب الثاني سنتعرض لموضوع إنهاء المعاهدات الدولية حسب القانون الفلسطيني ومن هي السلطة المخولة بالإنهاء, كما        سيأتي:

المطلب الأول

إبرام المعاهدات الدولية حسب القوانين الفلسطينية

                  ينبغي قبل الخوض في هذا الموضوع التمييز بين الجهة التي تتولى إبرام المعاهدات قبل قيام السلطة الوطنية الفلسطينية ( مرحلة ما قبل أوسلو ), وفي هذه المرحلة كانت تتولي القيام بهذه المهمة منظمة التحرير الفلسطينية وهي الممثل الشرعي والوحيد للشعب العربي الفلسطيني, والمرحلــــة الثانيـــــــة وهي مرحلــــــة مــا بعد توقيع اتفاقية أوسلو عام1993 وقيام السلطة الفلسطينية ( سلطة الحكم الذاتي ), حيث سنقسم هذا المطلب إلى فرعين مستقلين بناءً على هذه التفرقة كما سيأتي:

الفرع الأول

السلطة المختصة بإبرام المعاهدات قبل توقيع اتفاقية أوسلو

                دعا مؤتمر القمة العربي المنعقد بتاريخ13/1/1964 لإنشاء كيان فلسطيني يعبر عن إرادة شعب فلسطين  لتمكينه من تحرير وطنه وتقرير مصيره, هذا الكيان عرف فيما بعد بمنظمة التحرير الفلسطينية والتي تعتبر الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني, وكلف المؤتمر أحمد الشقيري ممثل فلسطين في جامعة الدول العربية الاتصال بأبناء فلسطين لهذه الغاية والعودة بنتيجة اتصالاته إلى مؤتمر القمة العربي الثاني, ووضع أحمد الشقيري أثناء هذه الجولة مشروعا الميثاق والنظام الأساسي لمنظمة التحرير الفلسطينية ( الميثاق القومي الفلسطيني عام1964).

             وأعلن المؤتمر العربي الفلسطيني الأول الذي عقد لهذا الغرض في القدس في28 أغسطس/آب 1964 قيام منظمة التحرير الفلسطينية، وصادق على الميثاق القومي للمنظمة وعلى نظامها الأساسي، وانتخب الشقيري رئيساً للجنتها التنفيذية التي كلف باختيار أعضائها ورئيس المجلس الوطني الفلسطيني, كما وأنشأت المنظمة عدة دوائر لتوزيع المسؤوليات والإشراف على تنفيذها، وقد تنوعت هذه الدوائر بحسب اختصاصاتها فمنها السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وبعضها لم يعد له وجود بتغير الظروف السياسية وبعضها الآخر لا يزال يعمل على الساحة الفلسطينية, وكان من بين هذه الدوائر التي أنشئت الدائرة السياسية والتي تقوم مقام وزارة الشؤون الخارجية, حيث كلفت بإدارة الأنشطة السياسية التي تقوم بها المنظمة على مختلف الصعد سواءً مع الدول أو الأحزاب أو المنظمات العربية والأجنبية, وهي المسؤولة أيضاً عن نشاطات المنظمة في هيئة الأمم المتحدة، وشتى وكالاتها المتخصصة. ()

                وقد اكتسبت منظمة التحرير الفلسطينية الشخصية القانونية الدولية بصفتها حركة تحرر وطني بناءً على حق تقرير المصير, وأصبحت تملك التمثيل القانوني بالاشتراك في مفاوضات إبرام المعاهدات الدولية والحصول على صفة طرف فيها, حيث أصبحت عضواً في الجماعة الدولية, ونالت على اعتراف الدول والمنظمات الدولية والإقليمية بها كممثل شرعي ووحيد للشعب الفلسطيني, وذلك بعد الاعتراف بها من قبل الجمعية العامة للأمم المتحدة عام1974 ومنحها صفة عضو مراقب.

               والذي يهمنا في هذا المقام هو أن من بين المهام التي كلفت بها الدائرة السياسية لمنظمة التحرير, مهمة عقد الاتفاقيات التي تنظم علاقات المنظمة بمختلف دول العالم, وتتكون الدائرة من رئيس وهو عضو في اللجنة التنفيذية للمنظمة, ومدير عام ومدير, وقد تولّى رئاسة الدائرة نمر المصري، في فبراير1967، ثم تولاها خالد الحسن، مدة أربع سنوات، من عام1969 حتى استقالته في يناير1973، وخلفه محمد يوسف النجار (أبو يوسف)، من الدورة الحادية عشرة، يناير1973 حتى اغتياله، في عملية فردان، في10 أبريل1973، حين وُكلت إلى فاروق القدومي (أبو اللطف), إلى أن قام الرئيس محمود عباس بتنحيته عام2009 وتولى الرئيس الدائرة السياسية بنفسه. ()

                مما سبق تجدر الإشارة إلى أن النظام الأساسي والميثاق الوطني لمنظمة التحرير قد خلا من النص على موضوع إبرام المعاهدات الدولية وتنفيذها, لذلك أوكلت مهمة عقد المعاهدات الدولية للدائرة السياسية لمنظمة التحرير, والتي من المفترض أن يتولى رئيس الدائرة مهمة إبرام المعاهدات, ولكننا عملياً نرى أن الأمر كان يتم خلاف ذلك, حيث كان رئيس منظمة التحرير السيد الرئيس الراحل ياسر عرفات في الغالب هو من يتولى مهمة إبرام المعاهدات والتوقيع عليها.

               وكان من بين المعاهدات التي وقعتها المنظمة المعاهدات الخاصة بتنظيم تواجد المنظمة ومؤسساتها وقواتها في الخارج, وهذا ما فعلته منظمة التحرير الفلسطينية في توقيع الاتفاقيات مع حكومات لبنان في الأعوام 1969, 1970, 1973, ومع المملكة الأردنية الهاشمية عام1970 ومع الدولة التونسية عام1982 بعد خروجها من بيروت, كما شاركت منظمة التحرير الفلسطينية في وضع المعاهدات والاتفاقيات والبروتوكولات المكونة للمنظمات الدولية حيث انضمت في العام1983 إلى اتفاقية الرياض للتعاون القضائي, كما وقعت منظمة التحرير الفلسطينية علي المعاهدات الثنائية الخاصة بالتمثيل الدبلوماسي والتعاون الاقتصادي, كما وقعت منظمة التحرير الفلسطينية علي الاتفاقيات في العام1981 مع الاتحاد السوفيتي وتشيكو سلوفاكيا, إضافة الي عدد من الدول الأفريقية مثل الكونغو وأثيوبيا وغينيا بيساو والسنغال وغيرها, وكان آخر ما وقعت عليه هو ما عرف باتفاقيات السلام الفلسطينية الإسرائيلية ( أوسلو ) وما لحقها من اتفاقيات وبروتوكولات متفرعة عنها, والتي وقعها الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات عام1993وعام1994. ()

الفرع الثاني

إبرام المعاهدات بعد أوسلو

                من الواضح أن النظام القانوني الفلسطيني في هذه المرحلة يفتقد إلى القواعد الدستورية الواضحة التي تحدد الجهة المختصة بالتوقيع على المعاهدات الدولية, يضاف إلى ذلك أن المرحلة الانتقالية الحالية تشهد تشابك الأوضاع السياسية بالأبعاد القانونية, فالصلاحيات المنقولة للسلطة الفلسطينية بموجب اتفاقيات السلام مع إسرائيل لا تشمل العلاقات الدولية وعقد المعاهدات, أو على الأقل تقيدها بحدود اتفاقيات القروض والمعاهدات التي لا تتصل بالسياسة الخارجية أو الاقتصاد الإقليمي, كما أن طبيعة المرحلة تلقي بظلالها على علاقة السلطة الوطنية بمنظمة التحرير, والخلاف الذي نشأ بين رئيس السلطة الوطنية الفلسطينية والمجلس التشريعي بشأن المصادقة على اتفاق الخليل الذي عقد مع الحكومة الإسرائيلية في كانون الثاني1997 خير دليل على ذلك, فقد رفض رئيس السلطة الفلسطينية عرض الاتفاق على المجلس التشريعي للمصادقة عليه, وذلك بحجة أن ذلك ليس من اختصاص المجلس التشريعي؛ لأن الجهة الموقعة على الاتفاق هي منظمة التحرير وليس السلطة الوطنية الفلسطينية, كما أن القانون الأساسي الفلسطيني المعدل لسنة2003 لا يتضمن أي مواد حول المعاهدات, لكنه في ذات الوقت أشار إلى اتفاقيات القروض, ومنح المجلس التشريعي دوراً هاماً في المصادقة عليها. ()  حيث نصت المادة(92) من ذات القانون على أنه " تعقد القروض العامة بقانون، ولا يجوز الارتباط بأي مشروع يترتب عليه إنفاق مبالغ من الخزينة العامة لفترة مقبلة إلا بموافقة المجلس التشريعي ". ()

                 ومن الملاحظ أن الدساتير المختلفة للدول قد توزعت في تحديدها للسلطة المختصة بالتصديق بين أربعة اتجاهات, اتجاه أسند هذه المهمة لرئيس الدولة, وآخر أناطها بالسلطة التشريعية, وثالث أشرك فيها السلطة التشريعية ورئيس الدولة, والاتجاه الأخير تركها للشعب تعبيراً عن الديمقراطية الشعبية أو نظراً لأهميتها وخطورتها كونها تتعلق في بعض الأحيان بتحديد مصير الدولة أو تتصل بإحدى الشؤون الهامة. ()

                 ولكن هنا يبدو أن المشرع الدستوري الفلسطيني في مشروع دستور فلسطين قد انتهج نهج مؤداه أن التصديق على المعاهدات تمارسه أكثر من جهة كرئيس الدولة والسلطة التشريعية حسب طبيعة المعاهدة, فإن كانت ميزت بعض الدساتير بين المعاهدات من حيث السلطة المختصة بتصديقها, ففي الوقت الذي أفردت الرئيس بتصديق بعض المعاهدات خصت السلطة التشريعية بالمعاهدات الأكثر أهمية, ومن بين الدساتير التي تبنت هذا الاتجاه, الدستور الموريتاني الملغي لسنة1991, والدستور المغربي لسنة1996, والدستور الجزائري لسنة1996, والدستور اللبناني لسنة1926. ()

                أما القانون الفلسطيني فقد نصت المادة(79) من مشروع المسودة الثالثة لدستور دولة فلسطين لسنة 2003 على أن: " يقر مجلسي الوزراء الاتفاقيات والمعاهدات الدولية التي يبرمها أعضاء الحكومة بموجب الصلاحيات المفوضين بها، ويلزم لسريانها تصديق رئيس الدولة عليها ونشرها في الجريدة الرسمية, أما الاتفاقيات والمعاهدات التي تُحمل خزانة الدولة نفقات غير واردة في الموازنة أو تُحمل المواطنين أو الدولة التزامات خلافاً للقوانين السارية فتستوجب أيضاً موافقة أغلبية مجموع أعضاء المجلس النيابي لإنفاذها, ويناقش المجلس النيابي المعاهدات التي يترتب عليها مساس باستقلال الدولة أو سلامة أراضيها، توطئة لقيام الحكومة بطرحها على الاستفتاء الشعبي العام، ويلزم لنفاذها موافقة أغلبية المشاركين في هذا الاستفتاء ". كما ونصت المادة(123) من مشروع دستور فلسطين على أن: " يتولى رئيس مجلس الوزراء أو من يفوضه من الوزراء المفاوضة في عقد المعاهدات الدوليـــة ويطلع رئيس الدولة على سيـــــر المفاوضات، على أن يقترن عقد المعاهدات الدولية بموافقة مجلس الوزراء، وتصديـــق الرئيس، طبقا لأحكام المادة(79) مـــــن هذا الدستور ". () كما ونصت المادة(182) من مشروع المسودة الثالثة لدستور دولة فلسطين لسنة2003 على خضوع المعاهدات الدولية لرقابة المحكمة الدستورية, حيث نصت بقولها: " تفصل المحكمة الدستورية بناءً على طلب من رئيس الدولة، أو من رئيس مجلس الوزراء، أو من رئيس المجلس النيابي، أو من عشرة أعضاء من المجلس النيابي أو من محاكم الاستئناف والنقض والعدل العليا أو من النائب العام، في: " دستورية عقد المعاهدات الدولية والانضمام إليها وإجراءات تنفيذها، وتقرير بطلان القانون أو بعض مواده، إذا تعارض مع الدستور أو مع معاهدة دولية ". ()

               ولكننا مع الافتقار الدستوري الفلسطيني لموضوع المعاهدات الدولية وآلية نفاذها والجهة المخولة بإبرامها يمكننا القول بأننا بين ثلاث فرضيات في هذا الخصوص وهما: ()

أولاً: الفرضية الأولى: القول بأنه في ظل غياب أساس قانوني لإبرام المعاهدات وآلية إنفاذها في القانون الداخلي يمكن طرح فكرة أن الدستور الأردني الصادر سنة1952 والمعدل سنة1958 والذي كان سارياً في الضفة الغربية, كأساس قانوني يمكن الركون إليه فيما يتعلق بعملية إبرام المعاهدات الدولية وآلية إنفاذها في النظام القانوني الداخلي على النحو الذي تناولته المادة(33) منه والتي تنص بقولها: "1. الملك هو الذي يعلن الحرب ويعقد الصلح ويبرم المعاهدات والاتفاقات. 2. المعاهدات والاتفاقات التي يترتب عليها تحميل خزانة الدولة شيئاً من النفقات أو مساس في حقوق الأردنيين العامة أو الخاصة لا تكون نافذة إلا إذا وافق عليها مجلس الأمة, ولا يجوز في أي حال أن تكون الشروط السرية في معاهدة أو اتفاق ما مناقضة للشروط العلنية. " () خصوصاً أن القانون الأساسي المعدل لم ينص صراحةً على إلغاء الدستور الأردني أو أياً من تعديلاته, الأمر الذي يوحي باستمرار سريان أحكامه في النظام الفلسطيني إلى الحد الذي لا تتعارض مع القانون الأساسي المعدل سنداً لقرار رئيس السلطة الوطنية الفلسطينية رقم(1) لسنة1994 والمعدل بالقانون رقم(5) لسنة1995 بشأن نقل السلطات والصلاحيات, وأن المادة(33) من الدستور الأردني لا تتعارض مع القانون الأساسي المعدل, ذلك أنه لا يوجد نص ينظم المسائل التي تتناولها تلك المادة بالتنظيم, ولا يمنع ذلك القول بأن الدستور الأردني طُبق في الضفة الغربية وأن المعاهدة تطبق على جميع أجزاء إقليم الدولة الفلسطينية.

ثانياً: الفرضية الثانية: هي أن نظام الحكم في فلسطين هو نظام يخلو من قواعد دستورية تفيد غير ذلك, كما أن الإشارات القانونية الواردة في القانون الأساسي تفيد بأن القانون يحث على الانضمام للاتفاقيات الدولية وتطبيقها, ومثال ذلك ما ورد في المادة(10) من القانون الأساسي المعدل والتي تنص على أن: " 1- حقوق الإنسان وحرياته الأساسية ملزمة وواجبة الاحترام. 2- تعمل السلطة الوطنية الفلسطينية دون إبطاء على الانضمام إلى الإعلانات والمواثيق الإقليمية والدولية التي تحمي حقوق الإنسان. " () وبالتالي فإن الاتفاقيات الدولية قابلة للتطبيق ذاتياً دون حاجة إلى إقرارها بقانون. بمعنى آخر: إنَ نفاذ المعاهدات في النظام واكتسابها لقوة القانون, يكون بمجرد إبرامها دون الحاجة في ذلك إلى القيام بعمل تشريعي يضفي على المعاهدة صفة الإلزام, وبالتالي يلتزم القاضي الوطني بتطبيقها من تلقاء نفسه بصرف النظر عن طلب الخصوم هذا التطبيق من عدمه, ويمكن القول بأن عدم قيام السلطة الوطنية الفلسطينية بأي عمل قانوني داخلي لإنفاذ بعض الاتفاقيات قد يصب في تدعيم هذا الموقف على الرغم من أن الكلمة الحاسمة ستكون عند القضاء الفلسطيني الذي سيؤسس لتحديد معالم هذا النظام.

ثالثاً: الفرضية الثالثة: وهي أن الرئيس يمكن اعتباره في الواقع الفلسطيني بأنه الجهة المختصة بإبرام المعاهدات الدولية, وذلك استناداً على القياس, ذلك أن القانون الأساسي الفلسطيني قد أناط به صلاحية اعتماد سفراء فلسطين في الخارج, ولدى المنظمات الدولية وبالعكس. حيث نصت المادة(40) من القانون الأساسي المعدل لسنة2003 على: " يعين رئيس السلطة الوطنية ممثلي السلطة الوطنية لدى الدول والمنظمات الدولية والهيئات الأجنبية وينهي مهامهم, كما يعتمد ممثلي هذه الجهات لدى السلطة الوطنية الفلسطينية ". ()  

              من خلال ما سبق يتضح لنا خلو القانون الأساسي الفلسطيني المعدل لسنة2003 - والذي يقوم مقام الدستور - من النص على إجراءات إبرام ونفاذ المعاهدات الدولية, الأمر الذي تداركه مشروع المسودة الثالثة لدستور دولة فلسطين لسنة2003 والذي لم يطبق حتى الآن وظل مشروعاً ينتظر الإصدار, حيث نص هذا المشروع على أن إبرام المعاهدات الدولية هو من اختصاص السلطة التنفيذية ممثلة برئيس السلطة الوطنية الفلسطينية, أو رئيس مجلس الوزراء, أو من يفوضه من الوزراء, مع حق الرئيس في الاطلاع على سير المفاوضات, كما ويمر إبرام المعاهدات حسب هذا المشروع بأربع مراحل, المرحلة الأولى هي مرحلة المفاوضات التي يقوم بها أعضاء الحكومة من الوزراء والممثلين, والمرحلة الثانية هي مرحلة إقرار الحكومة ممثلة بمجلس الوزراء للمعاهدات التي يبرمها الأعضاء, والمرحلة الثالثة هي مرحلة تصديق الرئيس على المعاهدة وتصديق هذا الأخير هو شرط لنفاذ المعاهدة, والمرحلة الرابعة هي نشر المعاهدة في الجريدة الرسمية.

               ولكن هناك ثمة معاهدات من نوع خاص لا يكفي تصديق الرئيس عليها, وتستوجب تصويت أغلبية أعضاء البرلمان عليها ولا تصبح نافذة إلا بعد التصديق عليها, وقد نص مشروع الدستور عليها وهي الاتفاقيات والمعاهدات التي تُحمل خزانة الدولة نفقات غير واردة في الموازنة أو تُحمل المواطنين أو الدولة التزامات خلافاً للقوانين السارية, كما وأن هناك نوع آخر من المعاهدات تستلزم مناقشتها في البرلمان, ومن ثم قيام الحكومة بطرحها على الاستفتاء الشعبي نظراً لأهميتها وخطورتها, ولا تصبح نافذة إلا بموافقة أغلبية المشاركين في الاستفتاء, وهذه المعاهدات هي التي يترتب عليها مساس باستقلال الدولة أو سلامة أراضيها, والأهم من ذلك هو تضمين مشروع الدستور الفلسطيني لمبادئ ديمقراطية هامة, قلما توجد هذه المبادئ في دساتير الدول, وخاصة دول العالم الثالث, ألا وهي خضوع المعاهدات الدولية لرقابة المحكمة الدستورية, الأمر الذي يغل يد كلاً من الحكومة والبرلمان عن الإسراف في المصادقة على أية معاهدة غير قانونية وتتعارض مع دستور الدولة, أو تمس المصالح العليا للبلاد.

                ولكن ورغم كل ذلك فإن المتتبع للواقع الفلسطيني يلاحظ عملياً قيام الرئاسة الفلسطينية في الغالب بإبرام وتوقيع المعاهدات والاتفاقيات الدولية, وفي بعض الأحيان يضطلع وزير الخارجية بتلك المهمة, مما يؤدي إلى تهميش دور البرلمان والحكومة, ولوحظ ذلك مؤخراً عندما تقدمت دولة فلسطين بطلبات الانضمام إلى15 اتفاقية ومعاهدات دولية تشمل معاهدات واتفاقيات الأمم المتحدة، واتفاقيات جنيف الأربعة واتفاقية لاهاي الرابعة المتعلقة بقوانين وأعراف الحرب, حيث وقع الرئيس الفلسطيني محمود عباس طلبات الانضمام في الأول من إبريل         عام 2014.





المطلب الثاني

إنهاء المعاهدات الدولية حسب القوانين الفلسطينية

                تطرقنا فيما سبق إلى أن القوانين الدستورية الفلسطينية سواءً القانون الأساسي المعدل لسنة2003, وهو القانون المطبق حالياً في الأراضي الفلسطينية, أو حتى النظام الأساسي لمنظمة التحرير الفلسطينية, لم ينص أياً منهما بشكل واضح ودقيق على المعاهدات الدولية وكيفية إبرامها وتنفيذها حسب القانون الداخلي, ولم توضح هذه القوانين السلطة المخولة بإبرام وإنهاء المعاهدات الدولية.

                كما وبينا أن المشرع الدستوري الفلسطيني أحسن عندما تدارك هذا النقص ونص في مشروع المسودة الثالثة لدستور دولة فلسطين لسنة2003 في المواد (79), (123), (182) على إبرام المعاهدات وتنفيذها والجهات المخولة بالتصديق والتوقيع والرقابة عليها, ولكن هذا المشروع لم يبين من هي السلطة التي تملك إنهاء المعاهدات الدولية, كما أن هذا المشروع ظل حبراً على ورق ولم تتح له فرصة إصداره حتى الآن.  

                ولكننا ومع عدم نص المشروع سالف الذكر على الجهة المختصة بإنهاء المعاهدات, فإننا نرجح بأن المشرع لم يترك النص على ذلك عبثاً, وإنما قرر ضمنياً القاعدة القانونية المعروفة ( من يملك الإنشاء يملك الإلغاء ), حيث إنَ مؤدى هذه النظرية أن من يملك إبرام المعاهدات والتصديق عليها هو نفسه من يملك إلغاءها, فحسب هذا المشروع كما قلنا سابقاً أن كلاً من السلطة التنفيذية والسلطة التشريعية والسلطة القضائية والشعب, يشتركون في المصادقة على المعاهدات الدولية بحسب نوع المعاهدة, فالمعاهدات التي تحمل خزينة الدولة نفقات مالية باهظة تستوجب مصادقة البرلمان عليها بعد إقرارها من الحكومة, والمعاهدات التي تمس المصالح العليا والمصيرية للبلاد تستوجب عرضها على الشعب للاستفتاء العام عليها, وفي المحصلة جميع المعاهدات تخضع حسب هذا المشروع لرقابة المحكمة الدستورية.

                وبنفس الطريقة يمر إنهاء المعاهدات بالمراحل التي يتم فيها إبرام المعاهدات, ففي البداية يقوم أعضاء الحكومة بالمفاوضة والتشاور ودراسة الجوانب القانونية لإنهاء المعاهدة, ومن ثم تقر الحكومة ما تم الاتفاق عليه, ويطلع الرئيس على سير المشاورات, ويتخذ الرئيس قرار الإنهاء, كما ويصادق الرئيس على الإنهاء, وفي حال كان إنهاء المعاهدة مما يعرض أمن البلاد ومصالحها الاستراتيجية للخطر فيستوجب عندئذٍ عرض المعاهدة على البرلمان للتصويت على إنهائها, وإذا ازداد الأمر خطورة وأهمية يتم عرض المعاهدة على الشعب عن طريق الاستفتاء العام ليقول كلمته, ويصوت على إنهاء المعاهدة, وفي جميع الأحوال يخضع كل ذلك لرقابة المحكمة الدستورية, والتي تراقب بدورها موضوع دستورية إنهاء المعاهدة. وتجدر الإشارة هنا إلى أن موضوع إنهاء المعاهدات يخضع للقانون الدولي العام ولاتفاقية فيينا لسنة1969, وذلك بشأن الإجراءات الشكلية المتبعة في الإنهاء.

              وينبغي في هذا المقام أن نذكر مثالين أحدهما قديم والآخر حديث لقيام بعض الدول بعرض المعاهدات على السلطة التشريعية والبرلمان واستفتاء الشعب بهدف إنهائها, فالمثال الأول هو ما قامت به الحكومة المصرية حين تقدمت إلى مجلس البرلمان المصري في8 من أكتوبر سنة1951 بمشروع قانون إلغاء معاهدة سنة1936 ووفاقي19 يناير و10 يوليو سنة1899. وقد وافق مجلسا البرلمان المصري في15 من أكتوبر سنة1951 على هذا الإلغاء.() والمثال الثاني هو ما قامت به المملكة المتحدة ( بريطانيا ) بشأن الاستفتاء على بقاءها ضمن الإتحاد الأوروبي عام2016, أو ما يعرف باسم استفتاء الإتحاد الأوروبي الذي أُجري في23حزيران/ يونيو2016 في كل من المملكة المتحدة وجبل طارق. ()     











المبحث الثاني

بدائل إنهاء اتفاقية أوسلو

                 سنقسم هذا المبحث إلى مطلبين مستقلين, بحيث نتعرض في المطلب الأول لواقع اتفاقية أوسلو في الوقت الحاضر, ومدى فعاليتها وقابليتها للتطبيق, وفي المطلب الثاني سنتكلم عن إمكانية تعديل الاتفاقية في حالة إحجام القيادة الفلسطينية عن إنهاء المعاهدة لسبب أو لآخر, وعن النصوص والمواد التي يمكن أن نقترح تعديلها سواءً بالإضافة أو بالحذف أو بالتغيير, كما سيأتي:

المطلب الأول

الواقع الحالي لاتفاقية أوسلو من حيث التطبيق

                  كنا قد تعرضنا في الفصل السابق من هذا البحث لواقع اتفاقية أوسلو من حيث وجودها وفعاليتها وصلاحيتها للتطبيق, وتوصلنا إلى انقسام الرأي في ذلك إلى اتجاهين مختلفين لكلٍ منهما أدلته ومبرراته التي تؤيد وجهة نظره, حيث رأى جانب من الباحثين والمحللين والسياسيين الفلسطينيين أن اتفاقية أوسلو قد انتهت بانتهاء مدتها القانونية, وهي الفترة الانتقالية التي مدتها(5) سنوات, كما وذهب أنصار هذا الرأي إلى أبعد من ذلك حين قرروا أن الاتفاقية قد انتهت منذ ولادتها ومنذ التوقيع عليها, وذلك نظراً لعدم تنفيذها من جانب إسرائيل, ونظراً للإخلال الجوهري لأحكامها وبنودها, وبخلاف هذا الرأي فقد رأى البعض أن الاتفاقية ما زالت قائمة وموجودة ومطبقة حتى الآن, ولم يتم إلغاؤها من أي جانب من أطرافها بشكل رسمي. ()

                   وبمناقشة الآراء السابقة توصلنا إلى أن اتفاقية أوسلو من حيث الفعالية والواقعية قد انتهت, ولم تعد صالحة للتطبيق, وذلك نظراً للتعنت والتعسف الإسرائيلي, والإخلال الجوهري لأحكامها وبنودها, إضافة إلى أن الاتفاقية لم تجدد ولم يحل محلها اتفاق دائم ونهائي كما كان مفترض, ولكن الاتفاقية كما ذكرنا سابقاً من الناحية القانونية ما زالت قائمة ومعمول بها حتى الآن ولم تُلغَ, والسبب في ذلك أن كلاً من الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي لم يقوما باتخاذ موقف رسمي وواضح من الاتفاقية, ولم يقوما بالتصريح الرسمي بإنهائها واتخاذ الإجراءات القانونية المتبعة في ذلك حسب القانون الدولي وبناءً على أحكام اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات لعام1969, حتى ينتج هذا الإنهاء أثره تجاه أطراف المعاهدة, وذلك على الرغم من التهديد والتلويح الضمني والصريح في مناسبات متكررة من قبل الجانبين بإنهاء الاتفاقية والتهديد بذلك, دون اتخاذ أي إجراء رسمي بهذا الخصوص.

                 يتضح مما سبق أن الموقف الرسمي للجانبين الفلسطيني والإسرائيلي من الاتفاقية قد اتسم بعدم وجود موقف صريح منذ إبرام اتفاقية أوسلو وحتى يومنا هذا, كما أن القيادة الفلسطينية امتازت بالتردد والتأني في الإقدام على إنهاء المعاهدة, ربما لأسباب لها وجاهتها ولها ما يبررها كالخشية من صعوبة النتائج والعواقب, ومحاولة الضغط على المجتمع الدولي والمنظمات الدولية والإقليمية لثني إسرائيل عن ممارساتها المجحفة تجاه الشعب الفلسطيني, وإجبارها على الخضوع لتنفيذ أحكام الاتفاقية وعدم الإخلال بها, وتنفيذ الالتزامات القانونية الملقاة على عاتقها.

                  ولكن ما هو الحل إذا أحجمت القيادة الفلسطينية عن اتخاذ الموقف الرسمي بإنهاء هذه الاتفاقية التي أضحت لا تستجيب للمطالب والحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني, عندها يجب ألا تترك الأمور تسير بعشوائية, ويجب أن يقف الفلسطينيون جنباً إلى جنب قيادة وشعباً وأحزاباً للمطالبة على الأقل بتعديل هذه الاتفاقية بالشكل الذي يتناسب ويحقق طموحات وتطلعات الشعب الفلسطيني وحقوقه العادلة, وهذا ما سنبحثه في المطلب الثاني من هذا المبحث كما سيأتي.  

 

                     




المطلب الثاني

إمكانية تعديل اتفاقية أوسلو

                    سنقسم هذا المطلب إلى فرعين مستقلين, نتناول في الفرع الأول الإجراءات القانونية المتبعة في التعديل حسب اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات لعام1969, أما الفرع الثاني فسنتعرض فيه لبعض المواد الواردة في اتفاقية أوسلو والتي هي بحاجة إلى تعديل حسب رأي الباحث.

الفرع الأول

إجراءات تعديل المعاهدات حسب اتفاقية فيينا

                 كما تبين سابقاً أنه في حالة إحجام القيادة الفلسطينية عن إنهاء اتفاقية أوسلو, فليس هناك ما يمنع من أن يتم طرح خيار مطالبة السلطة الفلسطينية إسرائيل بتعديل بنود اتفاقية أوسلو كبديل للإنهاء فيما يتوافق مع مصلحة الطرفيين حيث إنَ القانون الدولي ومبادئ المعاهدات الدولية تسمح للحكومات بالمطالبة بتعديل الاتفاقيات الدولية. فاتفاقية فيينا لقانون المعاهدات تنص في الجزء الرابع منها في المادة رقم(39) تحت عنوان القاعدة العامة بشأن تعديل المعاهدات " أنه يجوز أن تعدل المعاهدة باتفاق أطرافها، وتسري على هذا الاتفاق القواعد الواردة في الجزء الثاني ما لم تنص المعاهدة على غير ذلك ", وقد نصت أيضاً اتفاقية فينا في المادة رقم(40) تحت عنوان تعديل المعاهدات الجماعية على: ()

1- ما لم تنص المعاهدة على خلاف ذلك، تسري على تعديل المعاهدات الجماعية الفقرات التالية.

2- يجب إخطار كل الدول المتعاقدة بأي اقتراح يستهدف تعديل المعاهدة الجماعية فيما بين الأطراف جميعاً، ويكون لكل من هذه الدول أن تشارك فيما يأتي:

(أ) القرار الخاص بالإجراء الواجب اتخاذه بشأن هذا الاقتراح.

(ب) المفاوضة وعقد أي اتفاق لتعديل المعاهدة.

3- لكل دولة من حقها أن تصبح طرفاً في المعاهدة أن تصبح طرفاً فيها بعد تعديلها. فالتعديل لا يمنع الدول التي كان يسمح لها بالانضمام للمعاهدة ولم تنضم قبل التعديل من أن تنضم إلى المعاهدة بعد التعديل.

4- لا يلزم الاتفاق المعدل أية دولة تكون طرفاً في المعاهـدة ولا تصبح طرفاً في الاتفاق المعدل، وتطبق المادة30 (4) (ب) بالنسبة إلى هذه الدولة, فالدولة لها الخيار بالاستمرار في المعاهدة, أو الانسحاب منها بعد التعديل, فقد يصبح التعديل مرهقاً لدولة ما, فبالتالي لا تجبر الدولة المتضررة على الاستمرار في المعاهدة.

                  كما نصت المادة(41) تحت عنوان " الاتفاقيات الخاصة بتعديل المعاهدات الجماعية " على إمكانية تعديل المعاهدة باتفاق طرفين أو أكثر دون لزوم موافقة جميع الأطراف, وذلك بشرط: أولاً: أن تكون إمكانية التعديل منصوص عليها في المعاهدة. ثانياً: ألا يكون التعديل محظوراً بحيث يضر بالأطراف الأخرى, أو بالمعاهدة نفسها, وهذا في حالة عدم النص على التعديل في المعاهدة. ثالثاً: أن يتم إخطار الأطراف قبل القيام بالتعديل. حيث تنص المادة(41) على: ()

1- يجوز لطرفين أو أكثر في معاهدة جماعية عقد اتفاق بتعديل المعاهدة فيما بينها فقط وذلك:

أ. إذا كانت إمكانية هذا التعديل منصوصاً عليها في المعاهدة.

ب. إذا كان هذا التعديل غير محظور في المعاهدة وكان:

– لا يؤثر في تمتع الأطراف الأخرى بحقوقها أو في قيامها بالتزامها بموجب المعاهدة.

– لا يتعلق بنص يكون الإخلال به غير متسق مع التنفيذ الفعال لموضوع المعاهدة والغرض منها ككل.

2) ما لم تنص المعاهدة على خلاف ذلك في الحالة التي تخضع لحكم الفقرة( أ ) فإن على الأطراف المعنية إخطار الأطراف الأخرى بنيتها في عقد الاتفاق وبالتعديل الذي ينص عليه هذا الاتفاق.

                 لذلك نستطيع أن نفهم من مواد اتفاقية فينا لقانون المعاهدات الدولية بأن إمكانية تعديل أي اتفاقية أو معاهدة دولية ليس بالأمر المستحيل مادام أنه لا يوجد نص صريح في الاتفاقية المبرمة يحظر امكانية التعديل وبالاطلاع على بنود اتفاقية أوسلو نلاحظ أنه لا يوجد أي بند صريح يحظر إمكانية تعديلها.

 

الفرع الثاني

أهم البنود التي تحتاج للتعديل في اتفاقية أوسلو

                  قبل التفكير في المطالبة بتعديل بنود اتفاقية أوسلو مع إسرائيل، يجب أن يتم أولا التعرف على البنود التي تحتاج إلي تعديل أو التي سيتم إضافتها إلي الاتفاقية من أجل حماية حقوق الفلسطينيين، لذلك يطرح الباحث هنا أمثلة ونماذج لعدة بنود تعتبر من أهم البنود التي يجب أن تطالب قيادة السلطة الفلسطينية بتعديلها نظراً لأهميتها, ولأنها قضايا مصيرية وحساسة , وتعالج قضايا الوضع النهائي, وهذه البنود هي:

أولاً: البنود التي تتعلق بمفاوضات الوضع النهائي, حيث تنص المادة(5) من اتفاقية إعلان المبادئ (أوسلو) تحت عنوان " الفترة الانتقالية ومفاوضات الوضع النهائي " على ما يلي: ()

1. ستبدأ مرحلة الخمس سنوات الانتقالية حال الانسحاب من قطاع غزة ومنطقة أريحا.

2. ستنطلق مفاوضات الوضع النهائي في أقرب وقت ممكن على ألا يتعدى ذلك بداية السنة الثالثة للفترة الانتقالية بين حكومة إسرائيل وممثلي الشعب الفلسطيني.

3. من المفهوم أن هذه المفاوضات ستغطي قضايا متبقية تشمل القدس واللاجئين والمستوطنات والترتيبات الأمنية والحدود والعلاقات والتعاون مع جيران آخرين وقضايا أخرى ذات أهمية مشتركة.

4. يتفق الطرفان على أن نتيجة مفاوضات الوضع النهائي لن تكون محكومة ومتأثرة باتفاقات تم التوصل إليها للمرحلة الانتقالية.

                وبالتركيز في نصوص المادة السابقة نلاحظ أنه في البند الثاني لا يوجد تحديد لمدة زمنية معينة لإنهاء مفاوضات الوضع النهائي, حيث تم تحديد فقط بداية انطلاقها بدون نهاية, وكأن الهدف من المفاوضات أن تعقد إلي ما لا نهاية, ولقد تم التأكيد على بداية مفاوضات الوضع النهائي وليس نهايتها أيضا في فقرة الجدول الزمني, وخاصةً في نص العبارة التالية التي كتبت بأسلوب غامض: ( تبدأ المفاوضات حول الوضع النهائي للأراضي المحتلة في أسرع وقت ممكن وكحد أقصى في بداية العام الثالث من المرحلة الانتقالية ).

                 ونلاحظ أيضا في نفس المادة التي تتعلق بمفاوضات الوضع النهائي وخصوصاً في البند الرابع, أنه تم كتابة عباراته بأسلوب مرن ومثير للشك حيث يفهم منه عدم ضرورة التزام الطرف الإسرائيلي في مفاوضات الوضع النهائي بأية صفقات أو تفاهمات تم التوصل اليها مع الطرف الفلسطيني أثناء مفاوضات الوضع الانتقالي، فعلى سبيل المثال إذا حصل المفاوض الفلسطيني في مفاوضات الوضع الانتقالي على تعهد إسرائيلي بعدم بناء مستوطنات جديدة فإن ذلك ليس ملزماً للطرف الإسرائيلي بتطبيقه في مفاوضات الوضع النهائي وهذه العبارة بالطبع تنسف جهود المفاوض الفلسطيني وتعيده الي نقطة الصفر. ()

                  لذلك بناءً على ما تم توضيحه حول بند مفاوضات الوضع النهائي, فإنه يجب أن يكون من أولويات منظمة التحرير الفلسطينية المطالبة بتعديل ذلك البند الذي كتب بأسلوب عائم, حيث يجب تحديد سقف زمنى معين لإنهاء مفاوضات الوضع النهائي بحيث لا تتجاوز مدة العشر سنوات كحد أقصى.

ثانياً: المادة(13) والتي تنص على إعادة تموضع القوات الإسرائيلية حيث تنص بقولها:

1. بعد دخول إعلان المبادئ هذا حيز التنفيذ، وفي وقت لا يتجاوز عشية انتخابات المجلس، سيتم إعادة تموضع القوات العسكرية الإسرائيلية في الضفة الغربية وقطاع غزة، بالإضافة إلى انسحاب القوات الإسرائيلية الذي تم تنفيذه وفقاً للمادة( 14 ).

2. عند إعادة موضعة قواتها العسكرية، ستسترشد إسرائيل بمبدأ وجوب إعادة تموضع قواتها العسكرية خارج المناطق المأهولة بالسكان.

3. سيتم تنفيذ تدريجي للمزيد من إعادة التموضع في مواقع محددة بالتناسب مع تولي المسؤولية عن النظام العام والأمن الداخلي من قبل قوة الشرطة الفلسطينية وفقا للمادة( 8 ) أعلاه.

              فهذه المادة تحتاج إلي دراسة معمقة, خاصة في البند الذي ينص على إعادة انتشار القوات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية دون تحديد نطاق جغرافي معين لها, بل تركت الأمور معلقة لكي تحدد بناءً على مصلحة الأمن الإسرائيلي.

ثالثاً: قضايا الحدود, فمن يقرأ أيضاً بنود اتفاقية أوسلو بإمعان أكثر يلاحظ بشدة عدم وجود عنصر التحديد والحسم في معظم نصوصها, فقد تم كتابتها باستخدام عبارات ذات نهاية مفتوحة ومعلَقة, وهي تشمل احتمالية انهاء الأمور أو ابقائها معلقة لأجل غير مسمى, وهذا ما جعل تلك الاتفاقية معرضة للنقد أكثر من غيرها من الاتفاقيات الدولية السابقة, فعلى سبيل المثال اتفاقية كامب ديفيد السلام بين إسرائيل ومصر، ذكر فيها بوضوح بند الحدود النهائية بين إسرائيل ومصر وهذا ما تفتقده بوضوح اتفاقية أوسلو حيث لم يتم تحديد نص صريح يوضح فرضية تحديد الحدود النهائية بين الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي، بل تم الاكتفاء فقط بذكر قرار مجلس الامن رقم242 الخاص بالانسحاب من الأراضي الفلسطينية والذي إذا دققنا بنصوصه نجد أنه لا يوجد تحديد دقيق لحدود الدولة الفلسطينية بشكل نهائي بل تم كتابة عبارة " الانسحاب من الأراضي التي احتلتها في النزاع الأخير " ويقصد هنا بكلمة النزاع الأخير بحرب 67 ولكن كتابة كلمة النزاع منفردة بدون إلحاقها بتاريخ النزاع يجعل هناك مجال للتلاعب بها من قبل أي طرف. ()

رابعاً: قضية اللاجئين, حيث نلاحظ أيضاً أنه لم يتم ذكر أي نص بخصوص تطبيق قرار مجلس الأمن رقم194 الخاص باللاجئين الفلسطينيين, وتركت قضية اللاجئين معلقة في مفاوضات التسويات النهائية, فقط تم الحديث عن أن مشاركة النازحين في أية انتخابات غير فلسطينية لا تنتقص من وضعهم التفاوضي, كما أنه لم يتم التفريق بين مصطلح (نازحين) و (لاجئين) ولم يتم تحديد من هم اللاجئين. هل هم لاجئي نكبة فلسطين عام 48, أم النازحين الذين نزحوا عام67, كما لم يتم تحديد وضع عرب فلسطين الذي لم يخرجوا من أراضيهم عام48, والذين يعرفوا بعرب ال (48), كل هذه القضايا تحتاج إلى إعادة النظر فيها وتعديلها, على الشكل الذي يحفظ حقوق الفلسطينيين في الداخل والشتات.

خامساً: البنود التي تتعلق بالاعتراف المتبادل, حيث كان هذا الاعتراف حسب اتفاقية أوسلو بين دولة إسرائيل ومنظمة التحرير كممثل شرعي ووحيد للشعب الفلسطيني فقط، فيما كان يُفترض أن يكون الاعتراف بإسرائيل بعد نهاية المفاوضات مقابل اعتراف إسرائيل بدولة فلسطينية مستقلة على حدود1967 وليس بمنظمة التحرير فقط.

سادساً: القبول بدخول عملية التسوية على أساس قراري مجلس الأمن242 و338 فقط وتجاهل بقية قرارات الشرعية الدولية، كقرار التقسيم181 وقرار حق العودة194 والعديد من القرارات التي تتحدث عن حق تقرير المصير للشعب الفلسطيني وحقه بمقاومة الاحتلال إلخ. وهذا يتعارض مع إعلان قيام الدولة في الجزائر1988 الذي قَبِل الدخول بعملية التسوية على أساس كل قرارات الشرعية الدولية. مما يستوجب تعديل الاتفاقية وإدراج قرارات الشرعية الدولية كاملةً كأساس لعملية التسوية.

سابعاً: التزمت منظمة التحرير الفلسطينية بحق دولة إسرائيل في العيش في سلام وأمن، والوصول إلى حل لكل القضايا الأساسية المتعلقة بالأوضاع الدائمة من خلال المفاوضات, كما بدأ إعلان المبادئ حقبة خالية من العنف، وطبقًا لذلك فإن منظمة التحرير أدانت استخدام الإرهاب وأعمال العنف الأخرى، وقامت بوضع مشروع لتعديل بنود الميثاق الوطني للتماشي مع هذا التغيير، كما أخذت على عاتقها إلزام كل عناصر أفراد منظمة التحرير بها ومنع انتهاك هذه الحالة وضبط المنتهكين, ولم تحتفظ المنظمة لنفسها على الأقل بحق رد الاعتداء والدفاع عن النفس في حالة قيام إسرائيل بشن اعتداءاتها المتكررة على الشعب الفلسطيني, مما يستدعي تعديل هذه البنود لتعطي للفلسطينيين حق الدفاع عن نفسهم في الحالات التي لا تنصاع فيها إسرائيل للمفاوضات وللطرق السلمية وقرارات الأمم المتحدة والشرعية الدولية لإنهاء عدوانها.

ثامناً: طول المدة الزمنية بالنسبة لبدء مفاوضات قضايا الحل النهائي, فقد نصت الوثيقة على البدء في تلك المرحلة بعد انقضاء ما لا يزيد عن ثلاث سنوات, والتي تهدف إلى بحث القضايا العالقة مثل: القدس، والمستوطنات، واللاجئين، والترتيبات الأمنية، والحدود، إضافة إلى التعاون مع الجيران وما يجده الطرفان من قضايا أخرى ذات اهتمام مشترك، حيث تم تأجيل بحث هذه القضايا والتي تعتبر القضايا الأكثر حساسية وأهمية, والتي تستدعي معالجتها في المراحل الأولى من تطبيق الاتفاقية, لذا ينبغي تعديل هذه البنود بما يحقق الدخول الفوري في مفاوضات لتسوية هذه القضايا في أسرع وقت ممكن.   

                  كانت المواد السابقة التي اقترحنا تعديلها بعضاً يسيراً من البنود والمواد التي بحاجة إلى التعديل, حيث إنَ هذه المواد التي تناولناها هي بعض مواد الاتفاقية الأساسية ( وثيقة إعلان المبادئ " أوسلو " ) لسنة1993, ولم نتطرق لملحقات هذه الاتفاقية نظراً لتعلق البحث بالتركيز على اتفاقية أوسلو المرحلية, علماً بأن هذه الملحقات تعتبر جزءاً لا يتجزأ من الاتفاقية الأصلية, وفي حالة تم إلغاء الاتفاقية, فإن الإلغاء سيشمل جميع هذه الملحقات, وفي حالة التعديل أيضاً سيجري التعديل على كل المواد التي بحاجة للتعديل في الاتفاقية بكل ملحقاتها, فهناك الكثير من بنود هذه الملحقات تحتاج للتعديل, بل هناك بعض الملحقات التي بحاجة لإعادة النظر فيها بمجملها كبرتوكول باريس الاقتصادي.                  

                  هذا البروتوكول الذي ربط الاقتصاد الفلسطيني بالاقتصاد الإسرائيلي بغلاف جمركي واحد, وبالتالي سلب السلطة الفلسطينية القدرة على التحكم بمعدلات الضريبة المضافة والرسوم الجمركية لمعظم السلع والخدمات, وقارب بين مستويات أسعارها بالسوقين بالرغم من التفاوت والتباين بين مستويات الأجور والدخول, كذلك وظيفة جباية الجمارك والقيمة المضافة على الواردات للفلسطينيين بقيت بيد إسرائيل التي أخضعت تحويلاتها لخزينة السلطة لاعتبارات أمنية وسياسية, وأعطى بروتوكول باريس أيضاً صلاحيات لإسرائيل للتدخل والتحكم في طبيعة المشاريع وتمويلها. ()

                 أيضاً بموجب برتوكول باريس تتحكم إسرائيل بمنسوب تدفق العمالة الفلسطينية إليها بما يخدم مصالحها الاقتصادية، واعتباراتها الأمنية، حيث منعت إسرائيل ما يقارب120 ألف عامل كانوا يعملون لديها منذ انتفاضة الأقصى، كما ومارست إسرائيل عقوبات جماعية بحقهم ومنعت العاملين من قطاع غزة من العمل داخل إسرائيل.

                 كذلك الملحق الرابع، الذي يتضمن البروتوكول المتعلق بالشؤون القانونية, حيث نص الملحق في المادة(1/1/أ) تحت عنوان( الولاية الجنائية ) على أن: " تغطي ولاية السلطة الفلسطينية الجنائية جميع الجرائم التي يرتكبها الفلسطينيون وغير الإسرائيليين في إقليمها. ويعرف هذا الإقليم على أنه: " الضفة الغربية باستثناء المنطقة (ج) " و" إقليم قطاع غزة باستثناء المستوطنات ومنطقة المنشآت العسكرية ". كما ونص الملحق على منع محاكمة المستوطنين الإسرائيليين الذين يقطنون في المستوطنات المقامة على أراضي الضفة الغربية, فهم مستبعدين من اختصاص السلطة الوطنية الفلسطينية نتيجة لما جاء من أحكام في اتفاقيات أوسلو, ولذلك لا يملك النظام القانوني الفلسطيني اختصاص جنائي على أي مواطن إسرائيلي, وهكذا تحتفظ إسرائيل بموجب اتفاقيات أوسلو بالاختصاص الشخصي الحصري في الأمور الجنائية على الإسرائيليين، بما في ذلك الجرائم التي يرتكبونها في المناطق(أ) و(ب) و(ج). ()         

                 وتؤكد المادة(17/1/ج) على أن: " تنطبق الولاية الإقليمية والوظيفية للمجلس على جميع الأشخاص، عدا الإسرائيليين ما لم ينص في هذا الاتفاق على خلاف ذلك ".

                 فهذه المواد والبنود تعطي الغطاء للمستوطنين الإسرائيليين لارتكاب أبشع الجرائم ضد الفلسطينيين دون أي رادع, ودون إمكانية عرضهم على المحاكم الفلسطينية, خاصة أن قوات الاحتلال توفر لهم الغطاء الكامل وتمتنع عن محاسبتهم وتقديمهم للعدالة والقضاء الإسرائيلي المكلف بالولاية القضائية عليهم حسب اتفاقية أوسلو.

                 لكل ذلك لا بد من إعادة النظر في هذه الملحقات وتعديلها على نحو يكفل امتداد ولاية السلطة الفلسطينية قضائياً لتشمل جميع سكان الإقليم الفلسطيني فلسطينيين كانوا أو أجانب, وبسط يدها على مرتكبي الجرائم داخل الإقليم الجغرافي الفلسطيني باعتباره وحدة إقليمية واحدة غير قابلة للتجزئة, والتي تشمل غزة والضفة, والتي نصت علي ذلك اتفاقية أوسلو نفسها.     

 

 


الرد السريع
كاتب المشاركة :
الموضوع :
النص : *