إنهاء اتفاقية أوسلو من منظور القانون الدولي-عبدالعزيز موسي شهاب

رسالة ماجستير-بقلم-عبدالعزيز موسي شهاب

 

المبحث الثالث

إنهاء اتفاقية أوسلو من منظور القانون الدولي

                    سنقوم بتقسيم هذا المبحث إلى مطلبين مستقلين, نتناول في المطلب الأول موضوع إنهاء الاتفاقية بالطرق القانونية, وذلك باستعراض نماذج وصور لمعاهدات تم إثارة موضوع إنهائها من قبل الفقه والقضاء الدوليين بناءً على الأسباب التي سقناها سابقاً, والتي تصلح كأسباب قانونية للانسحاب من اتفاقية أوسلو وهي:      (انتهاء المدة, والإخلال الجوهري بأحكام الاتفاقية, والتغير الجوهري في الظروف, وقيام الحرب), أما المطلب الثاني فسنتحدث فيه عن الإجراءات القانونية الواجبة الإتباع حسب القانون الدولي في حال تم اتخاذ القرار بإنهاء الاتفاقية, والآثار القانونية المترتبة على هذا الإنهاء, والتي نصت عليها اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات لعام 1969.

المطلب الأول

إنهاء الاتفاقية بالطرق القانونية

                    سنتعرض في هذا المطلب لإمكانية إنهاء اتفاقية أوسلو بالطرق القانونية, ولما كان موضوع اتفاقية أوسلو وإنهائها لم يتم الخوض فيه من قبل الفقه الدولي ولم يتم التعرض له من قبل القضاء الدولي, فسنبين رأي الفقه والقضاء في ذلك بناءً على الحالات المشابهة التي تعرض لها الفقه والقضاء الدوليين في مثل هذه الحالات, ولنفس الأسباب القانونية التي ذكرناها سابقاً والتي تصلح كونها أسباباً قانونية يمكن أن نؤسس عليها إنهاء اتفاقية أوسلو. وبناءً على  ذلك سنقسم هذا المطلب لأربعة فروع مستقلة, الفرع الأول نتكلم فيه عن إنهاء الاتفاقية بناءً على انتهاء الأجل, والفرع الثاني نتحدث فيه عن إنهاء الاتفاقية بناءً على الإخلال بأحكام الاتفاقية, والفرع الثالث سنتعرض فيه لإنهاء الاتفاقية بناءً على تغير الظروف, وأخيراً سنخصص الفرع الرابع لإنهاء الاتفاقية بناءً على قيام الحرب, كما سيأتي:

الفرع الأول

إنهاء المعاهدة بناءً على انتهاء الأجل

                    سبق أن تناولنا أن أية معاهدة دولية يمكن أن تكون مدة نفاذها مفتوحة, أو أن يقترن سريانها  وفق أحد نصوصها بأجل محدد, وفي مثل هذه الحالة فإن المعاهدة تنقضي بانقضاء ذلك الأجل( أي تلقائياً ) ما لم يكن هناك نص آخر يجيز تجديدها بناءً على رغبة أحد أطرافها أو جميعهم, ولم يتم إبداء مثل تلك الرغبة. () وهذه الحالة هي الوسيلة الطبيعية لانقضاء المعاهدات، فكثيراً ما تعقـد المعاهدات لأجل معين وبحلول هذا الأجل تنقضي وتزول المعاهـدة مـالم يجددها أطرافها, وقد يدرج في نص المعاهدة صراحة على اعتبار المعاهدة متجددة مـن تلقاء نفسها مالم يصدر أي تغيير أو إعلان من أحد أطراف المعاهدة للتعبير عن عدم الرغبة في تجديد      المعاهدة. ()

                    وقد جرى العرف المتواتر بين الدول على تحديد أجل معين لكل معاهدة, مع ذكر إمكان تجديدها قبل حلول هذا الأجل فإن حل الأجل ولم تلجأ الدول إلى التجديد, أحدث الأجل أثره القانوني, وقد ينص في المعاهدة على أنه قبل حلول الأجل بمدة معلومة يجب على الطرف الذي يرغب في إنهاء المعاهدة عند حلول الأجل أن يخطر غيره من الأطراف بعدم الرغبة في تجديد المعاهدة, وإلا فإن المعاهدة تجدد من تلقاء ذاتها, وقد جاء في المادة السابعة من مشروع معاهدة صدقي – بيفن المنعقدة بين كلاً من مصـــر والمملكة المتحدة (بريــطانيا) عام 1946على أن مدة المعاهدة عشرون سنة, وهي تجدد من تلقاء نفسها لمدة مماثلة إن لم يعلن أحد طرفيها الطرف الآخر برغبته فــــي إنهائها قبل حلول أجلها بمدة سنة, كمـــــا جاء بمعاهدة الجلاء التي كانت قائمة بين مصر والمملكة المتحدة أن مدتها سبــــع سنوات. ()

                    ولا يوجد أي خلاف لدى الفقهاء حول مشروعية هذا السبب القانوني والطبيعي لإنهاء المعاهدات, حيث يشكل عامل الزمن الوضع المعتاد لنهاية المعاهدات، وتنعقد بعض المعاهدات كتلك المنشئة للمنظمات الدولية لمدة غير محــدودة، أي بـــدون تحديد مدة سريانهــا بأجل معين ويفترض سريانها في هذه الحالة بصفة دائمة، غير أن المعاهدة تنص عادة على توقيت سريانها بأجل معيــن، بحيــــث ينتهـــــي الالتـــزام بأحكامها حكماً بحلول الأجل، والأجل يمكن أن يتحدد بتاريخ معين.

                    ومثـــال ذلـــك المـــادة(2) مـــن معاهـــدة قنـــاة بنمـــا لعـــام1977 والتـــي حـــددت أجـــل انقضـــاء المعاهدة بتاريخ 31/12/1999.  كذلك اتفاقية التعاون الثقافي بين الجزائر وسيراليون الموقعة في22 أبريل1980 والتي حددت سريان الاتفاقية بثلاث سنوات قابلة للتجديد تلقائياً ما لم يتفق الأطراف على إنهائها. وكذلك هو الشأن بالنسبة لاتفاقية التعاون العلمي والاقتصادي والتقني الموقعة بين الجزائر واليونان في13 مايو1982، والتي حددت مدة سريانها بخمس سنوات تجدد تلقائياً ما لم يتفق الأطراف على إنهائها بإخطار كتابي قبل ستة أشهر من تاريخ انتهاء أجلها, والغالــب أن معظــم المعاهــدات تحدد مدة سريانها بعدد معين من السنــوات ســواء5 سنوات أو99 سنة كمعاهدات استئجار الأقاليم، ومعاهدات توريد المحاصيل. ()

                   وإذا نظرنا لاتفاقية أوسلو التي هي عنوان بحثنا نجد أن هذه الاتفاقية هي اتفاقية انتقالية مرحلية محددة المدة, وقد ذكرت المدة المحددة في الاتفاقية وهي خمس سنوات, ولم يتم النص على تجديدها, ولم يتفق الطرفان الفلسطيني والإسرائيلي فيما بعد على تجديدها, وكل ما في الأمر أن الطرف الفلسطيني والإسرائيلي استمرا في مفاوضات الوضع النهائي والحل الدائم إلى يومنا هذا بشكل متقطع, ودون جدوى, فالأصل أن الاتفاقية تعتبر منتهية بحكم القانون بسبب انتهاء أجلها ومدتها القانونية دون قيام الطرفين بتجديدها مرة أخرى.

الفرع الثاني

إنهاء المعاهدة بناءً على الإخلال بأحكامها

                     إن القاعدة العامة في حال إنهاء المعاهدة من قبل أحد أطرافها بإرادته المنفردة, يتأسس على ما نصت عليه أحكام المادة(43) من اتفاقية فيينا, والتي نصت بقولها: " لا يجوز إنهاء معاهدة أو إلغائها أو الانسحاب منها من جانب أحد الأطراف إلا تطبيقاً لنصوصها, أو نصوص هذه الاتفاقية فقط ". وتنطبق هذه القاعدة على وقف العمل بالمعاهدة, وهذا يكفل الاستقرار والاحترام للمعاهدات وتحول دون تحلل أي من الأطراف من التزاماته دون مبرر جدي في إطار الأحكام التي وضعتها المعاهدة. ()

                     وإذا كان المبدأ هو عدم جواز إلغاء المعاهدة بالإرادة المنفردة إلا أن قانون المعاهدات لعام 1969 أجاز طلب إلغاء المعاهدة بالإرادة المنفردة في حال إخلال الطرف الآخر بأحكام المعاهدة إخلالاً جوهرياً وذلك وفقاً لأحكام المادة(60) من الاتفاقية والتي سبق الإشارة إليها في الفصل الأول من هذا البحث, ويعتبر إخلالاً جوهرياً بالمعاهدة انتهاك حكم أساسي لتحقيق هدف أو موضوع المعاهدة. ()

                     فالمعاهدة هي اتفاق بين أطرافها يرتب التزامات على عاتق كل منهم, ومن ثم فإن قيام أحد أطراف المعاهدة بعدم تنفيذ التزاماته يجعل الطرف الآخر في حل من الوفاء بالتزاماته, ومع ذلك يشترط في الاخلال بالالتزام الذي يستدعي هذا الإلغاء أو الإيقاف أن يكون إخلالاً جسيماً وجوهرياً, واشتراط ذلك يجد تبريره في محاولة الوقوف ضد ادعاءات الدول عن وقوع انتهاكات من جانب الطرف الأخر في المعاهدة كذريعة لإعلان إلغاء المعاهدة, أو إيقاف العمل بها. ()

                     وهذا ما أكده القضاء الدولي خاصة في الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية الصادر عام 1971 بشأن ناميبيا حيث قررت أن المبدأ القانوني القاضي بحق أحد أطراف المعاهدة في إنهائها لانتهاك الطرف الآخر لأحكام هذه المعاهدة قائم بالنسبة لجميع المعاهدات حتى ولو لم تتضمن المعاهدة النص عليه. وانطلاقاً من هذا قررت المحكمة أن للجمعية العامة للأمم المتحدة كامل الحق في إلغاء انتداب جنوب أفريقيا على إقليم ناميبيا لإخلال حكومة جنوب افريقيا إخلالاً جوهرياً بالتزاماتها. ()

                  وقد استندت مصر لهذا السبب لإلغاء معاهدة الصداقة والتعاون التي أبرمت بينها وبين الاتحاد السوفيتي في27 مايو سنة1971, حيث قالت مصر – من بين ما قالت –: إن الاتحاد السوفيتي لم ينفذ الالتزامات العسكرية التي تفرضها المعاهدة عليه, وهي الالتزامات التي تفرضها عليه المادة8 والتي تقول: " تعزيزاً للقدرة الدفاعية للجمهورية العربية المتحدة سيواصل الطرفان المتعاقدان الساميان تطوير التعاون في المجال العسكري على أساس الاتفاقيات السياسية فيما بينهما ويشمل هذا التعاون بشكل خاص العون في تدريب أفراد القوات المسلحة للجمهورية العربية المتحدة من أجل تقوية قدرتها على إزالة آثار العدوان وكذلك تقوية قدرتها على مواجهة العدوان          عموماً ". ()

                  وتجدر الإشارة إلى أن فسخ المعاهدة بحجة الإخلال بها يجب أن يتم أو يطالب به على أثر حدوث الإخلال, فإن تباطأت الدولة التي حصل الإخلال إضراراً بها في الفسخ أو سكتت عن الإخلال وقتاً من الزمن استمرت فيه بالرغم منه بالقيام بتعهداتها, عد ذلك بمثابة تسامح منها ولا يجوز لها أن تعود فيما بعد إلى المطالبة في الفسخ استناداً إلى الإخلال السابق, ما لم يستمر هذا الإخلال أو يتكرر, ولا يقوم الاحتجاج على الإخلال وقت حدوثه مقام طلب الفسخ, لأن مجرد الاحتجاج لا يعني الرغبة في إنهاء المعاهدة, إن لم يكن يحمل معنى الرغبة في التمسك بتنفيذها تنفيذاً صحيحاً. ()

                  ويلاحظ هنا أن الفقه غير مستقر في شأن إنهاء المعاهدات بناءً على الإخلال بأحكامها. إذ يذهب بعض الفقهاء - وبحق - إلى أنه دفع مشروع إذا كان الانتهاك منصباً على أحكام أساسية في المعاهدة. ويذهب البعض الآخر إلى أنه غير مشروع, وذلك لأنه لا يجوز القياس بين الأحكام التي تجري على العقود بين الأفراد والأحكام التي تجري على المعاهدات بين الدول. ()

                  كما ويفرق بعض الفقهاء الأنجلوسكسون بين الإخلال بالأحكام الأساسية والإخلال بالأحكام غير الأساسية في المعاهدة, ويجيزون نقض المعاهدة أو الانسحاب منها في الحالة الأولى دون الثانية, ويفرق آخرون بين المعاهدات العقدية التي تنقضي نتيجة لعدم تنفيذها, والمعاهدات الشارعة التي تستمر في النفاذ بالرغم من عدم التنفيذ. وفي العمل كثيراً ما تحتج الدول بالإخلال بالمعاهدة لنقضها أو الانسحاب منها, فقد سبق لألمانيا النازية أن احتجت بهذا الإخلال حين ألغت في عام1935 من جانب واحد القسم الخامس من معاهدة فرساي الذي يحرمها من التسلح, وألغت إيران بذات الأسلوب معاهدة الحدود المعقودة بينها وبين العراق في عام1937 والبروتوكول المعقود بينهما في نفس التاريخ بشأن شط العرب, وذلك على أساس عدم احترام العراق لهذا الاتفاق. ()

                    كما ويرى البعض أن مسألة فسخ المعاهدات بمقتضى الإرادة الانفرادية تنتهي آخر الأمر إلى الخروج من دائرة القانون إلى دائرة السياسة والواقع, وتؤدي في غالبية الأحيان إلى تغلب من له القوة المادية. ويؤيد أصحاب هذا الرأي قوله بما أصدره مجلس عصبة الأمم في18 إبريل عام1935 حيث أصدر قراراً جماعياً جاء فيه: " إن احترام الالتزامات المترتبة على المعاهدات احتراماً كلياً يعد قاعدة أساسية للحياة الدولية وشرطاً أولياً للمحافظة على السلم الدولي, وإنَه من المبادئ الأساسية في القانون الدولي أنه لا يجوز لأية دولة التحلل من التزاماتها التعاهدية أو تعديل أحكامها إلا بالتراضي مع أطراف المعاهدة الآخرين. وإن فسخ المعاهدة بعمل انفرادي لا يمكن أن ينشئ حقاً أو يرتب أثراً في القانون, بل يعد عاملاً من عوامل الاضطراب في الحياة الدولية, ويهدد بفناء عصبة الأمم بوصفها مؤسسة دولية وظيفتها المحافظة على استتباب السلم والأمن الدولي ". ()  

                    وينبغي هنا التنويه إلا أنه يجب كي يطبق شرط الإخلال بأحكام المعاهدة كسبب لانقضائها أو إيقاف العمل بها بقدر كبير من الحذر, وإلا أدى ذلك إلى فوضى وعدم استقرار في العلاقات فيما بين الدول, وقد استقر القضاء الدولي على قبول هذا المبدأ منذ زمن طويل, ففي قضية سحب المياه من نهر الموز بررت بلجيكيا وقف العمل بأحكام المعاهدة المعقودة بينها وبين هولندا في عام1863, على أساس انتهاك هذه الأخيرة لها, ولم تبين المحكمة الدائمة للعدل الدولي موقفها من وجهة النظر البلجيكية لأنها لم تؤيد الإخلال المزعوم بالمعاهدة من جانب هولندا, ولكن القاضي الكبير أنزيلوتي أكد في رأيه المخالف أن المبدأ الذي استندت إليه بلجيكيا هو مبدأ معترف به عالمياً. ()

                     وأخيراً نجد أن المادة(60) قد وضعت استثنائين على المبدأ السابق: فمن جهة نجد أن انقضاء المعاهدة أو إيقاف العمل بها لا ينطبق على نصوص المعاهدة التي وضعت خصيصاً لكي تسري عند الإخلال بأحكامها, وهذا الاستثناء طبيعي, وقد أكدته محكمة العدل الدولية في قرارها الصادر في24 أيار/ مايو1980 بشأن موظفي الولايات المتحدة الدبلوماسيين والقنصليين في طهران, فقد خلصت المحكمة إلى أنه: " لا يترتب على الإخلال بالمعاهدة من جانب أحد أطرافها حرمان هذا الطرف من التمسك بأحكام المعاهدة الخاصة بالتسوية السلمية للمنازعات ". ومن جهة أخرى لا ينطبق جزاء انقضاء المعاهدة أو إيقاف العمل بها على الأحكام المتعلقة بحماية الأشخاص المنصوص عليها في المعاهدات ذات الطابع الإنساني, وبخاصة الأحكام التي تحظر أي شكل من أشكال الانتقام من الأشخاص المحميين بموجب هذه المعاهدات. ()

                     مما سبق, وبالرجوع إلى نصوص اتفاقية أوسلو, والتي بينا أوجه الانتهاكات والخروقات التي قامت بها إسرائيل للاتفاقية في الفصل الثاني من هذا البحث, نرى بأن إسرائيل أخلت إخلالاً واضحاً جوهرياً بأحكام وبنود الاتفاقية منذ التوقيع عليها وحتى يومنا هذا, ونكلت عن وعودها التي وعدت بها ووقعت عليها, مما يبيح للفلسطينيين إنهاء هذه الاتفاقية بكل تبعاتها, وذلك بالطرق القانونية ووفقاً للقانون الدولي واتفاقية فيينا.

                     فالقيادة الفلسطينية لم تكف يوماً من الأيام عن مطالبة إسرائيل بتنفيذ وعودها وتطبيق الاتفاقية, كما دأبت على مطالبة الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي والعالم أجمع بالضغط على دولة الاحتلال في جميع المحافل والمؤتمرات والمناسبات الدولية, أملاً في محاولة إقناع إسرائيل بتصحيح مسارها الذي بدأته بالتوقيع على اتفاقية أوسلو, والسير قدماً في تنفيذ أحكام الاتفاقية بشكل صحيح وسليم, إلا أن إسرائيل ضربت بعرض الحائط كل المحاولات الفلسطينية والدولية لرأب الصدع وتسوية الأزمة والعودة للمفاوضات وتطبيق بنود الاتفاقية, وتنكرت للمطالب الفلسطينية, واستمرت إسرائيل بإخلالها وانتهاكها الصارخ للاتفاقية؛ مما دفع القيادة الفلسطينية للتلويح مراراً وتكراراً بعدم تنفيذ الالتزامات الملقاة على عاتقها بموجب الاتفاقية, والتهديد بالانسحاب من الاتفاقية في عدة مناسبات دولية كان آخرها في هيئة الأمم المتحدة.

الفرع الثالث

إنهاء المعاهدة بناءً على تغير الظروف

                 علمنا سابقاً أنه من الثابت أن المعاهدات تبقى قائمة نافذة ما بقيت الظروف التي عقدت في ظلها على حالها, أما إذا تغيرت الظروف تغيراً يؤدي إلى قيام نوع من التعارض بين نصوص المعاهدة وبين الواقع الذي تحكمه فإن المعاهدة تفقد سببها, وفي هذه الحالة لا بد من إجراء تعديل للقواعد القانونية المنظمة لمثل هذه المعاهدة. وقد جرى الفقه واستقرت الممارسة الدولية على أن المعاهدة تعقد تحت شرط ضمني, هو بقاء الأمور على حالها, فإذا حصل تغيير جوهري في الظروف, كان للدولة المعنية أن تطالب بإبطال أو تعديل المعاهدة لجعلها ملائمة للظروف الجديدة. ()

                 وقد وجدت هذه النظرية في فقه القانون الدولي منذ زمن بعيد, ولا يماري فيها غالبية الشراح, ولكن يحتدم الخلاف بينهم عند النظر في تكييفها القانوني, حيث يرى بعضهم بأن الأمر يتعلق بشرط فاسخ ضمني تبرم جميع الاتفاقات الدولية تحته وتخضع له. خصوصاً إذا كان الاتفاق الدولي قد أبرم لمدة غير محددة, ويرى فريق آخر من الشراح أن التغير الجوهري في الظروف التي عقد فيها الاتفاق الدولي يكون بمثابة ظرف طارئ غير متوقع من أطراف الاتفاق وقت إبرامه. ()

                   ويترتب على الاختلاف السابق في تحديد الطبيعة القانونية للتغيير الجوهري في الظروف التي عقد فيها الاتفاق الدولي, اختلاف آخر في تحديد الأثر الذي يترتب على حدوث التغيير الجوهري في الظروف التي عقدت فيها الاتفاقية الدولية, فالشراح الذين يأخذون بفكرة الشرط الفاسخ الضمني, يرون فيه شرطاً فاسخاً يعطي لكل من أطراف الاتفاق الحق في أن يلغيه بإرادته المنفردة, والشراح الذين يعتنقون الرأي الثاني يرون أن أثر التغيير الجوهري يقتصر على نشوء حق كل من أطرافه في أن يطلب من الطرف أو الأطراف الآخرين إعادة النظر في الاتفاق الدولي الذي لم يعد متمشياً مع حالة وظروف العلاقات الخاصة بكل من أطرافه, ولكنهم يرون عدم مشروعية قيام أي من أطراف الاتفاق الدولي بإلغائه بإرادته المنفردة. ()

                   ويرى الأستاذ شارل روسو, أن الرأي الثاني هو الراجح في فقه القانون الدولي, ويؤيد رأيه هذا بما في بروتوكول لندن بتاريخ17 يناير1871, ويرى أن ذلك أدى إلى قيام قاعدة عرفية في القانون الدولي العام تجعل الطريق الوحيد الذي يمكن أن ينتهي بإعادة النظر في الاتفاق الدولي في هذا الفرض, هو التفاوض أو عرض الموضوع على القاضي الدولي, وقد ذهب الدكتور عبدالعزيز سرحان – وبحق – إلى أن رأي الأستاذ روسو السابق محل نظر, ذلك لأن ما استند عليه من بروتوكول لندن السابق لا يمكن أن يكون حجة ضد مبدأ هام وأساسي في القانون الدولي العام, ثم إن رأيه لا يتفق مع ما جرى عليه العمل في العلاقات الدولية بين الدول من تطبيق هذا المبدأ, ويضيف الدكتور سرحان إلى أنه إذا سلمنا بما يقوله الأستاذ روسو من الالتجاء للقضاء, فكيف يكون المخرج إذا امتنع الطرف الآخر عن الدخول في المفاوضات؟ كما أن الطبيعة الحالية للوظيفة القضائية اختيارية وليست إجبارية. ()

                  ويؤيد الدكتور طلعت الغنيمي الرأي الثاني, حيث يرى أن فكرة تغير الظروف لا ينبغي أن تنهي العمل بالمعاهدة وإنما تجعلها محل مراجعة, وعلى العكس من ذلك يعبر الدكتور إسماعيل الحديثي – وبحق - عن وجهة نظر الدول النامية للتحلل من التزاماتها التعاهدية التي فرضت عليها وقت الاستعمار استناداً لنظرية تغير الظروف قائلاً: ( إنه غالباً ما عقدت المعاهدات غير المتكافئة بين دول استعمارية كبرى وبين دول ضعيفة تابعة لها أو خاضعة لحمايتها أو واقعة تحت نفوذها, وفي ظل هذه الظروف فقد عكست تلك المعاهدات طبيعة العلاقات القانونية التي تمخضت عنها المعاهدات, بما كرسته من وضع التبعية والاستغلال في وقت كانت فيه هذه الدول ضعيفة مسلوبة الإرادة مغلوبة على أمرها, ولذا فهي عندما رضخت لمعاهدات جائرة وغير متكافئة, إنما قبلت ذلك تحت وطأة ظروف تغيرت فيما بعد تغيراً جوهرياً عندما نالت استقلالها وامتلكت زمام إرادتها ). وهكذا فعلى الدول النامية أن تتحلل من التزاماتها التعاقدية الجائرة استناداً إلى تغير الظروف, لأن الإبقاء على هذه المعاهدات يلحق أضراراً سياسية واقتصادية بها. ()

                   وفي نفس المضمون علل الدكتور فؤاد رياض هذه الوضعية قائلاً: ( إنَ هذه القاعدة لا تعد أمراً مستحدثاً على المجتمع الدولي, حيث سبق لمحكمة التحكيم في القضية بين روسيا وتركيا, في11 نوفمبر1912 أن أكدت على ضرورة أن يتكيف القانون الدولي مع الضرورات السياسية, ولذا يجب أن تتحلل الدولة من تنفيذ المعاهدات إذا تهدد وجودها من جراء هذا التنفيذ ). وانطلاقاً من هذه الرؤية تمسكت ليبيا بنظرية تغير الظروف من أجل وضع حــــد للمعاهدة التي تربطها مع بريطانيا منوهة بـــــــأن ( معاهدة الصداقة والتحالف ) قـــــــد زالت بقيام ثورة الفاتح في سبتمبــــر عــــــام 1969. ()

                    ويلاحظ أن الحكومة المصرية قد التزمت الرأي الذي يقرر أن تغير الظروف من شأنه أن يخول أطراف المعاهدة الحق في طلب تعديلها, حتى قبل حلول الأجل المنصوص عليه في المعاهدة لإجراء هذا التعديل, ففي20 من ديسمبر سنة1945 أرسلت الحكومة المصرية مذكرة إلى وزير خارجية المملكة المتحدة تطلب فيها فتح باب التفاوض بين الدولتين لتعديل معاهدة1936 وقد جاء في المذكرة ما يلي: ( وإذا كانت مصر قد قبلت المعاهدة بكل ما انطوت عليه من قيود تحد من استقلالها فلأنها كانت تعرف أنها قيود أملتها ظروف وأحداث وقتية تزول بزوال هذه الظروف والأحداث التي قضت بقبولها ), كما جاء فيها أيضاً: ( لذلك كان لزاماً أن يعاد النظر في معاهدة سنة1936 بعد أن تغيرت الظروف التي فرضت عليها طابعاً خاصاً لكي تكون متمشية مع المرحلة الدولية الجديدة, فإن أحكامها التي تمس باستقلال مصر وكرامتها لم تعد تساير الوضع الحالي ), وقد أجابت الحكومة البريطانية في26 من يناير سنة1946 بالموافقة على هذا الطلب ثم قامت المفاوضات بين ممثلي الدولتين لإجراء هذا التعديل, ولكنها لم تسفر عن نتيجة إيجابية, فلم تعمد الحكومة المصرية عن ذاك إلى إلغاء المعاهدة بإرادتها المنفردة بل عرضت الأمر على هيئة تحكيم دولية هي مجلس الأمن, ولم يستطع المجلس اتخاذ قرار في هذا الشأن. ودخلت الحكومة المصرية في محادثات جديدة مع حكومة المملكة المتحدة بقصد التوصل إلى فض الخلاف القائم بينهما وكان ذلك في مارس سنة1950 ودامت هذه المحادثات18 شهراً, غير أنها لم تسفر عن أية نتيجة إيجابية. وعندئذ تقدمت الحكومة المصرية إلى مجلس البرلمان المصري في8 من أكتوبر سنة1951 بمشروع قانون إلغاء معاهدة سنة1936 ووفاقي19 يناير و10 يوليو سنة1899. وقد وافق مجلسا البرلمان المصري في15 من أكتوبر سنة1951 على هذا الإلغاء. ()

                  ويرى الباحث أن هذه الآراء كلها كانت قبل إبرام اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات لعام1969, فالنظرية حسب تصرف الحكومة المصرية كانت تعمل على إعادة النظر في الاتفاقية وتعديلها, وفي حالة عدم التوصل للاتفاق على التعديل من خلال المفاوضات, عندها يتم اللجوء لإنهاء الاتفاقية بناءً على تغير الظروف. أي أن أثر النظرية في إنهاء المعاهدات هو أثر غير مباشر, وهذا يعكس التفاوت في موازين القوى وإملاءات الطرف الأقوى في المعاهدة, وخشية الدول النامية من عواقب إنهاء المعاهدة مع الدول الاستعمارية. ولكن بعد ذلك تغير الأمر, وأصبحت النظرية قانونية وفقاً للقانون الدولي.

                  وقد اعترفت اتفاقية فيينا بهذه النظرية وأخذت بها, كما واشترطت حتى يعتد بهذه النظرية حسب المادة(62) توافر شرطين أحدهما موضوعي ويتمثل في أن يكون التغير في الظروف التي أبرمت المعاهدة في ظلها جوهرياً, أي أنه من شأنه أن يعدل بصورة جذرية في مدى الالتزامات التي ما زال من الواجب القيام بها بموجب المعاهدة ( نظرية التوازن العقدي ), أما الشرط الثاني فهو شخصي أو ذاتي ويتمثل في عدم توقع أطراف المعاهدة للتغير في الظروف وأن يكون وجود هذه الظروف سبباً رئيسياً لرضا الأطراف الالتزام بالمعاهدة. وبمعنى آخر لا بد من أن يتوقع أطراف المعاهدة استمرار الظروف التي كانت سائدة عند عقدها وأن تكون تلك الظروف أساساً هاماً دافعاً لعقدها, بحيث يثبت أن الأطراف ما كانوا ليعقدوها لو كانت الظروف الجديدة متوقعة منهم وقت عقدها, وإذا ما توفر الشرطان السابقان يمكن الاحتجاج بنظرية التغير الجوهري في الظروف, بصرف النظر عن استحالة تنفيذ المعاهدة, أو عما إذا كان تنفيذ الالتزامات المنصوص عليها في المعاهدة قد أصبح مرهقاً للطرف الذي يحتج بالنظرية, كما لا يشترط للاحتجاج بالتغير في الظروف أن تكون المعاهدة مؤبدة أو غير محدودة المدة كما يرى أنصار البند الضمني. ()

                   وخير مثال على ذلك، قضية المناطق الحرة، حينما ادعت فرنسا بأن الظروف التي أنشئت في ظلها المناطق الحرة لصالح سويسرا عام1815 قد تغيرت تغيرًا جوهريًا بإنشاء الاتحاد السويسري, وقد ردت المحكمة الدائمة للعدل الدولي بأن أطراف المعاهدة كانوا قد توقعوا تغير الظروف وأنها كانت عنصرًا لازمًا لإبرام المعاهدة. () وهذا ما قررته محكمة العدل الدولية في2 فبراير1973 في قضية المصايد الآيسلندية, حيث رأت أن التغيير الجوهري هو الذي يهدد بالخطر وجود أحد أطراف المعاهدة أو يمس مصالحه الحيوية. ()

                   وشرط أن يكون التغيير جوهرياً له ما يبرره, حيث يرى البعض أن تعبير( تغير الظروف ) ينطوي على أخطار ظاهرة, إذ هو قد يستعمل ستاراً يخفي نية مخالفة مبدأ قدسية المعاهدات. أو وسيلة لإسدال المشروعية القانونية على ما هو في الحق مخالفة دولية. وكثيراً ما تحتج به الدول للخروج من نطاق الالتزامات التي سبق لها أن أخذتها على نفسها في وقت ضعف سياسي أو عسكري متى استردت قوتها وزال ضعفها وبدا لها أن تنفيذ هذه الالتزامات قد صار ثقيلاً أو مفضولاً أو غير مرغوب فيه, وهذا ما أثبته العمل الدولي. ()

                  والظروف التي قد تؤثر على تطبيق المعاهدة قد تكون ظروفاً سياسية أو اقتصادية أو قانونية. والأمثلة التاريخية على ذلك عديدة, فقد تمسكت روسيا بشرط بقاء الشيء على حالة عام1871 عندما أعلنت تحللها من الالتزامات التي قررتها معاهدة باريس عام1856 الخاصة بحياد البحر الأسود و على أساس تغير الظروف. وقد تمسكت مصر بمبدأ التغير الجوهري بالظروف عندما أعلنت في أول يناير1957 إلغاء المعاهدة البريطانية المصرية المعقودة في19 أكتوبر1954 على أساس عدم بقاء الشيء على حاله, بل وتدبير إنجلترا واشتراكها في العدوان الثلاثي على مصر في نوفمبر عام 1956. ()

                  وأخيراً نشير إلى ما قررته الفقرة(2) من المادة(62) من اتفاقية فيينا, والتي نصت على عدم جواز الاحتجاج بنظرية تغيير الظروف كأساس لانقضاء المعاهدة أو الانسحاب منها في الحالات الآتية وهي: ()

(أ) إذا كانت المعاهدة تنشئ حدوداً.

(ب) إذا كان التغيير الجوهري في الظروف نـاتجاً عن إخلال الطرف الذي يتمسك به إما بالتزام يقع عليه في ظل المعاهدة أو بأي التزام دولي آخر مستحق لطرف آخر في المعاهدة.  

                  وبناءً على ما سبق يمكن القول أنه ومنذ التوقيع على اتفاقية أوسلو عام1993 وحتى يومنا هذا, قد حدثت هناك تحولات ومتغيرات مفصلية, وأحداث ذات أهمية حدثت خلال هذه الفترة, أثرت بشكل أو بآخر على الاتفاقية وإمكانية تنفيذها سواءً على مستوى الطرف الفلسطيني أو حتى الإسرائيلي. من شأن هذه المتغيرات أن تعتبر تغيراً جوهرياً في الظروف يبيح للقيادة الفلسطينية إنهاء الاتفاقية بناءً عليها, بحيث أثرت هذه الظروف تأثيراً سلبياً وإيجابياً في آن واحد على أطراف الاتفاقية, وخاصة على الطرف الفلسطيني, وعلى مصالحه الحيوية, وعلى استمراره في تنفيذ الاتفاقية, كما وأدت إلى تغير في موازين القوى بين الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي لصالح الطرف الفلسطيني بالمقارنة مع وضعه قبيل توقيع اتفاقية أوسلو, وخاصة على الصعيد السياسي والدبلوماسي, وتمثل ذلك من خلال زيادة التمثيل الدولي لدولة فلسطين, والانضمام للمنظمات والاتفاقيات والمواثيق الدولية, ولو وجدت هذه الظروف والمتغيرات قبل توقيع الاتفاقية لربما أثرت بشكل أو بآخر على مجريات المفاوضات ونتائج الاتفاقية. ()

                  ويرى الباحث من خلال ما سبق أن الشروط القانونية التي وضعتها اتفاقية فيينا لإمكانية التذرع بها لإنهاء المعاهدات تبدو متحققة وموجودة في اتفاقية أوسلو, فالظروف التي تتعلق بالوضع الفلسطيني تكاد تكون جوهرية إلى حد كبير, ولو كانت هذه الظروف متوفرة إبان توقيع الاتفاقية لغيرت من وضع الأطراف فيها, ولأثرت بشكل أو بآخر على مراكز الطرفين في الاتفاقية. والأمر الآخر أن هذه الظروف لم تكن متوقعة لدى الطرفان أثناء إبرامهما للاتفاقية. مما يبيح للطرف الفلسطيني إنهاء هذه الاتفاقية بناءً على نظرية التغير الجوهري في الظروف.  

الفرع الرابع

إنهاء المعاهدة بناءً على قيام الحرب

                  لم تتعرض اتفاقية فيينا لأثر الحرب على المعاهدات, ولكن اجتهادات الفقه والقضاء الدوليين قد استقرت كما تناولنا سابقاً إلى أن القاعدة العامة لدى غالبية الفقه, هي أن قيام الحرب يؤدي إلى قطع العلاقات السلمية وانقضاء جميع المعاهدات بين الدول المتحاربة. () وهذا ما استقر عليه الرأي في فقه القانون الدولي العام – بعد تذبذب في الرأي بين الشراح -. () ولكن النوع الوحيد من المعاهدات التي تنتهي بقيام الحرب هي المعاهدات الخاصة التي أبرمت بين الدول المتحاربة بغرض توثيق علاقاتها وتحقيق التعاون بينها في ناحية من النواحي, كمعاهدات التحالف والضمان والصداقة والتجارة وما شابهها, وهذه تنتهي بقيام الحرب بين الدول الأطراف فيها لأن طبيعتها تتنافى مع حالة الحرب, ولا يمكن أن تعود للنفاذ بعد انتهاء الحرب إلا بمقتضى اتفاق جديد. () وقد ذهب البعض إلى أن هذا النوع من المعاهدات لا ينقضي بل يتوقف تنفيذها إلى حين عودة السلام فتستعيد هذه المعاهدات قوتها ومفعولها. () أما غير ذلك من أنواع المعاهدات فهي مستثناة من هذه القاعدة, وهذه الاستثناءات هي: ()

1 – لا تؤثر الحرب في المعاهدات التي أبرمت لتنظيم حالة دائمة ونهائية وتم تنفيذها, كمعاهدات التنازل عن الأقاليم, أو معاهدات تعيين الحدود, أو المعاهدات المتعلقة بالحياد الدائم أو وضع القنوات والمضايق الدولية.

2 – والحرب لا تؤثر في المعاهدات التي نص فيها صراحةً على أن قيام الحرب لا يؤدي إلى انقضائها, فالقاعدة القائلة بانقضاء المعاهدات بقيام الحرب هي قاعدة مقررة يجوز الاتفاق على تجاوزها, أي أنها ليست من القواعد الآمرة. فالمعاهدات الثنائية المتعلقة بحقوق الأفراد تظل قائمة وإن توقف تنفيذها خلال فترة الحرب.

3 – والحرب لا تؤثر في المعاهدات التي يكون الغرض منها تنظيم حالة الحرب ذاتها. فهذه المعاهدات تصبح نافذة بمجرد قيام الحرب لأنها وضعت لظروف الحرب, مثل المعاهدات التي تحظر استخدام أنواع معينة الأسلحة, أو تنظيم كيفية معاملة الأسرى والجرحى, ومن أمثلة هذه المعاهدات اتفاقيات جنيف لسنة1949 الخاصة بمعاملة جرحى ومرضى وأسرى الحرب والأشخاص المدنيين, واتفاقيات لاهاي لعام1907 المنظمة للحرب البرية والحرب البحرية, وبروتوكول جنيف لسنة1925 الذي تقرر فيه تجريم استعمال الغازات السامة والوسائل البكتريولوجية في الحرب وغيرها. ()

4 – والحرب لا تؤثر في المعاهدات الجماعية إلا بالنسبة إلى العلاقات بين الأطراف المتحاربة, أي أن المعاهدة تبقى سارية المفعول بين الدول المتحاربة ( الأطراف وغير الأطراف في المعاهدة ) وبين الدول غير المحاربة الأطراف في المعاهدة, والحرب لا تؤثر كذلك في علاقة الدول المتحاربة بالدول المحايدة. والأمثلة التي يسوقها الفقهاء لهذه الحالة كثيرة ومتعددة, حيث إنَ حرب1870 لم تلغِ معاهدة باريس المؤرخة في16 نيسان1856, وأن المعاهدة المعقودة في19 نيسان1839 الضامنة حياد بلجيكيا الدائم لم تلغَ لمجرد غزو هذه الدولة من قبل ألمانيا في الرابع من آب1914, بل استمر حكمها حتى عقد معاهدة فرساي ( المادة31 ), وكذلك استمر حكمها فيما يتعلق بهولندا حتى عقد معاهدة22 أيار1926, كما أن الحرب العالمية الثانية عام1939 لم تؤثر على سريان اتفاقية باريس المؤرخة في9 شباط1920, المتعلقة بجزر سبيتزبرغ, وعلى اتفاقيات جنيف المؤرخة في19 شباط1925 المتعلقة بنظام المخدرات, وعلى اتفاقيتي مونترو المؤرختين في20 تموز1936 ( نظام المضايق التركية ) و 8 أيار 1937 ( إلغاء الامتيازات الأجنبية في مصر ) وقد أقر هذا المبدأ بالنسبة لاتفاقيات العمل الدولية. ()

                كما أن الحرب التي تنقضي المعاهدات بقيامها يجب أن تكون حرباً حقيقية, أي أننا نقصد الحرب بالمعنى الصريح. وبتعبير آخر, ومع أن التعامل الدولي في بعض الأحيان لا يزال متردداً في هذا المجال, فإن التدابير القسرية غير الحربية, تبقى دون تأثير على المعاهدات, وهذا أيضاً شأن الأعمال الانتقامية والحصار السلمي, والتدابير الاقتصادية المقررة بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى ما بين عامي1919 و1939 بموجب المادة (16) من عهد عصبة الأمم. () كما أنه لا يترتب على قطع العلاقات الدبلوماسية أو القنصلية بين الدول المتعاقدة انقضاء المعاهدة أو وقف العمل بأحكامها, وقد تبنت اتفاقية قانون المعاهدات هذه القاعدة في المادة(63).

                 ومن الجدير بالذكر أن مصر, وعلى إثر العدوان الثلاثي عليها في أكتوبر ونوفمبر عام1956 قد أعلنت في2 من يناير عام1957 انقضاء معاهدة19 من أكتوبر سنة1954. واعترفت بريطانيا بانقضاء هذه المعاهدة بسبب عدوانها على مصر, وكانت المعاهدة المذكورة قد انعقدت بين الدولتين لمدة7 سنوات. ()

                وأخيراً نشير إلى أن البعض قد رأى بأن الحرب يجب ألا تؤثر على الأوضاع الدولية التي كانت قائمة بين الدول قبل نشوبها, وأن ما قيل من أحكام بشأن انتهاء بعض المعاهدات بسبب الحرب, لم يعد مقبولاً بعد تحريم الحرب بموجب ميثاق الأمم المتحدة. فتحريم الحرب يعني انعدام أثرها على العلاقات القائمة بين المتحاربين. إذ لا يقبل القول, بأن العمل غير المشروع ينتج حقوقاً لفاعله, بل هو يرتب المسؤولية على عاتقه. ومن بين آثار المسؤولية: إعادة الحال إلى ما كان عليه قبل وقوع العمل غير المشروع, أي عودة جميع الالتزامات, ومنها التعاهدية. () وهذا الرأي منتقد من جانبنا نظراً لأن الحرب هي حقيقة واقعة ومشروعة في بعض الأحيان, فقد تفرض نفسها بحيث لا يمكن تفاديها, وبالرغم من تحريمها فهي ما زالت موجودة, فإن كانت هيئة الأمم تحرم في ميثاقها اللجوء إلى القوة إلا أنه في حالات محددة بالذات سمحت باستخدام القوة، كحق للدفاع الشرعي الذي يخضع تقريره لنصوص الميثاق سيما ما تنص عليه المادة(51) منه، أو حالة اتخاذ مجلس الأمن إجراءات قمعية طبقاً لأحكام الفصل السابع من الميثاق. ()

                وبناءً على ما سبق , وما ذكرناه بالتفصيل خلال الفصل الثاني من هذا البحث من بيان للعدوان الإسرائيلي المتكرر على الشعب الفلسطيني, فإننا نرى بأن ما تقوم به إسرائيل من شنها للعدوان وارتكابها لجرائم الحرب والإبادة الجماعية بحق المدنيين الفلسطينيين يعتبر سبباً قانونياً حسب الرأي الراجح في الفقه والقضاء الدولي يبيح للفلسطينيين إنهاء معاهدة أوسلو, وذلك لأن الشروط التي وضعها الفقهاء من اشتراط أن تكون نوع المعاهدات التي تنتهي بقيام الحرب هي المعاهدات الخاصة التي أبرمت بين الدول المتحاربة بغرض توثيق علاقاتها وتحقيق التعاون بينها في ناحية من النواحي متحققة وتنطبق على اتفاقية أوسلو, فهي اتفاقية تعاون وإحلال سلام وتوثيق للعلاقات بين طرفين عانا خلال عقود من الصراع والقتال بينهما. وهذه هي الحالة الوحيدة التي تعمل الحرب خلالها على إنهاء المعاهدات.

 

 

 

 


الرد السريع
كاتب المشاركة :
الموضوع :
النص : *