أثر الحرب على اتفاقية أوسلو-بقلم عبدالعزيز موسي شهاب

رسالة ماجستير-بقلم-عبدالعزيز موسي شهاب

الفرع الرابع

أثر الحرب على اتفاقية أوسلو

أولاً: أثر الحرب على المعاهدات:

              إذا قامت الحرب بين دولتين أو أكثر فما هو الأثر بالنسبة للمعاهدات السابق إبرامها بينهما؟ الواقع أنه ليست كل المعاهدات في الحكم سواء, وقد انتهى الرأي إلى التفرقة بينهما على الوجه الآتي: ()

أولاً: المعاهدات التي أبرمت لتنظيم حالة دائمة نهائية وتم تنفيذها, كمعاهدات التنازل عن الأقاليم, والمعاهدات المرتبة لحقوق ارتفاق دوليـــة, ومعاهـــدات تعيين الحدود, وهذه المعاهدات تنتهي بتنفيذها تنفيذاً تاماً, لكــــن تبقى الأوضاع القانونيــــة المترتبة عليهـــا قائمة قانوناً ولا تؤثـــر الحرب فيها, ما لم يتفــق بعد ذلك في معاهدات الصلح على تعديلها.

ثانياً: المعاهدات المبرمة خصيصاً لحالة الحرب بغرض تنظيمها وبيان ما يترتب عليها من آثار, وهذه تصبح نافذة المفعول بقيام الحرب, لأنها ما وضعت إلا لها, فالحرب تبعثها من رقادها وتهيئ لها فرصة التطبيق, ومن أمثلتها اتفاقيات جنيف لسنة1949 واتفاقات لاهاي لسنة1907.

ثالثاً: المعاهدات الخاصة التي أبرمت بين الدول المتحاربة بغرض توثيق علاقاتها وتحقيق التعاون بينها في ناحية من النواحي, كمعاهدات التحالف والضمان والصداقة والتجارة وما شابهها, وهذه تنتهي بقيام الحرب بين الدول الأطراف فيها لأن طبيعتها تتنافى مع حالة الحرب, ولا يمكن أن تعود للنفاذ بعد انتهاء الحرب إلا بمقتضى اتفاق جديد.

رابعاً: المعاهدات العامة المنظمة لشؤون تهم عموم الدول والتي تساهم فيها دول أخرى غير الدول المتحاربة, وهذه تبقى قائمة بالرغم من اشتباك فريق من الدول المشتركة فيها في الحرب, وذلك لأن علاقة هذا الفريق فيما بينه بالنسبة لأحكام مثل هذه المعاهدات ليست إلا جزء من مجموعة علاقات متصلة ومتداخلة بين جميع أطرافها, ولأن المفروض أن إرادة هؤلاء الأطراف لم تتجه وقت إبرامها إلى تعليق بقائها على استمرار السلم دواماً بينها, وعلى ذلك تظل هذه المعاهدات نافذة رغم الحرب فيما بين أطرافها من الدول الخارجة عن هذه الحرب وكذا في علاقة كل منها بإحدى الدول المحاربة, كل ما هنالك أن يوقف نفاذها فيما بين الفريقين المتحاربين إلى أن تنتهي الحرب فتعود للنفاذ بينهما من جديد ومن تلقاء نفسها, ما لم يتفق بين جميع أطراف المعاهدة على خلاف ذلك.

ثانياً: أثر الحروب الإسرائيلية على اتفاقية أوسلو:  

                لقد استقر تعريف الحرب العدوانية على أنها: " استعمال القوة المسلحة من جانب إحدى الدول ضد سيادة دولة أخرى, أو سلامة أراضيها أو استقلالها السياسي أو أية وسيلة أخرى لا تتفق مع شرعة الأمم المتحدة. () وإذا كانت جرائم الحرب تمتد إلى أغوار سحيقة في التاريخ، فإن جرائم العدوان لم تتبلور لحد الآن, فلا تزال موضع جدل ونقاش، بسبب اختلاف الدول واختلاف النزاعات السياسية, لهذا فقد نص نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية على تفاصيل حول جرائم الحرب، في حين لم يفصل ذلك بالنسبة لجرائم العدوان, وإذا كانت جرائم الحرب يرتكبها جنود أو أشخاص عاديون، فإن جرائم العدوان ترتكب من قبل الدولة، وقد يشترك في ارتكابها البرلمان ومجلس الوزراء والقوات المسلحة, ويصعب في العديد من الأحيان الفصل بين جرائم الحرب، وجرائم العدوان، بسبب التداخل بينها، والتشابه فيما بينها. ()

                 فمنذ اندلاع انتفاضة الأقصى عام2000, لم تتوقف آلة الحرب الإسرائيلية عن عدوانها الممنهج واللاإنساني تجاه الشعب الفلسطيني, وارتكبت قوات الاحتلال خلال هذه الانتفاضة جرائم حرب وجرائم عدوان وإبادة جماعية, تمثلت هذه الجرائم بالاجتياحات والاعتداءات المتكررة على الشعب الفلسطيني, وقد مثل ذلك انتهاكاً واضحاً للقانون الدولي وللاتفاقيات الدولية, كما مثل ذلك ضربة موجعة لاتفاقية أوسلو.

                 وقد ﻤﺭﺕ ﻤﺴﻴﺭﺓ ﺃﻭﺴﻠﻭ بإﺨﻔﺎﻗﺎﺕ عديدة نتيجة للحروب المتكررة, ونتيجة أيضاً للتوغلات ﺍﻹﺴﺭﺍﺌﻴﻠﻴﺔ ﻟﻤﻨﺎﻁﻕ(أ) و(ب) ﻭﻋﻭﺩﺓ اﻠﺴﻴﻁﺭﺓ ﺍﻹﺴﺭﺍﺌﻴﻠﻴﺔ ﻋﻠﻰ ﻫﺫﻩ ﺍﻟﻤﻨﺎﻁﻕ، ﻭﺒﺴﻁ إسرائيل لسلطاتها ﺍﻷﻤﻨﻴﺔ ﻭﺍﻹﺩﺍﺭﻴﺔ ( كحظر ﺍﻟﺘﺠﻭل) ﻭﺍﻟﻘﻴﺎﻡ ﺒﺎﻷﻋﻤﺎل ﺍﻹﺭﻫﺎﺒﻴﺔ ﻓﻲ ﻤﻨﺎﻁﻕ ﺍﻟﺴﻠﻁﺔ ﺍﻟﻭﻁﻨﻴﺔ, مما جعل ﺍﻟﻭﻀﻊ ﺍﻟﻘﺎﻨﻭﻨﻲ ﻟﻸﺭﺍﻀﻲ ﺍﻟﻔﻠﺴﻁﻴﻨﻴﺔ ﺍﻟﻤﺤﺘﻠﺔ ﻴﺘﺭﺍﺠﻊ إﻟﻰ ﻤﺎ كان ﻗﺒل ﺃﻭﺴﻠﻭ, كما ﻨﻼﺤﻅ أﻥ كثرة ﺍﻟﺘﻭﻏﻼﺕ ﺍﻹﺴﺭﺍﺌﻴﻠﻴﺔ ﻭﻋﻭﺩﺓ ﺍﻟﻌﻤﻠﻴﺎﺕ ﺍﻟﻌﺩﺍﺌﻴﺔ ﻀﺩ ﺍﻟﻤﺩﻨﻴﻴﻥ ﻭﺍﻷﻋﻴﺎﻥ ﺍﻟﻤﺩﻨﻴﺔ ﺃﺩﻯ إﻟﻰ ﺘﻼﺸﻲ ﺍﺘﻔﺎﻕ ﺃﻭﺴـﻠﻭ ﺒـﺸﻜل ﺘﺎﻡ، ﻭﻋﻭﺩﺓ ﺍﻷﺭﺍﻀﻲ ﺍﻟﻔﻠﺴﻁﻴﻨﻴﺔ إﻟﻰ ﺍﻟﺴﻴﻁﺭﺓ ﺍﻟﻜﺎﻤﻠﺔ ﻟﺴﻠﻁﺎﺕ ﺍلاﺤﺘﻼل ﻤﻤﺎ ﻴﺠﻌل ﺍﻷﺭﺍﻀﻲ ﺍﻟﻔﻠﺴﻁﻴﻨﻴﺔ أراضي ﻤﺤﺘﻠﺔ ﺘﺨـﻀﻊ ﻟﻘﻭﺍﻋـﺩ ﺍلاﺤﺘﻼل ﺍﻟﺤﺭﺒﻲ. ()

                 وكان من أبرز ما قامت به إسرائيل, قيامها بشن ثلاث حروب شرسة ضد الشعب الفلسطيني ومقاومته الباسلة, وهذه الحروب هي:

1 . عدوان ديسمبر2008 - يناير2009:

              في السابع والعشرين من كانون الأول لعام2008، ومع دقات عقارب الساعة الحادية عشر ظهرًا، تكحلت سماء غزة بالسواد، وتعالى صراخ الأمهات على أطفالهم العائدين من مدارسهم، وحمم من نيران الاحتلال لم تفرق بين أخضر أو يابس، وجرحى في كل مكان، وشهداء اختفت معالمهم، ورجال يبحثون بين الأنقاض على مصابين لإسعافهم, ففي الساعات الأولى حلّقت أكثر من ثمانين طائرة في سماء غزة، قصفت مقرات لوزارة الداخلية، وأخرى تابعة للحكومة، ومواقع لكتائب القسام والفصائل الفلسطينية، لتوقع(200) شهيد، وأكثر من(700) جريح من المدنيين والعسكريين بلا تمييز. هذه الحرب التي أسمتها المقاومة (الفرقان), وسمتها إسرائيل (الرصاص المصبوب)، والتي استمرت اثنين وعشرين يومًا شهدتها غزة بكل مآسيها، وعاشت من جديد جرائم إبادة بحق الإنسانية. ()

                 وكان الهدف من هذه الحرب كما أعلن الاحتلال على لسان رئيس وزرائه آنذاك، إيهود أولمرت، هو تحقيق أهداف سياسية وعسكرية، وأبرزها " تدمير البنية التحتية للمقاومة الفلسطينية في القطاع المحاصر, وإنقاذ الجندي جلعاد شاليط المحتجز لدى المقاومة الفلسطينية بغزة ". واستمرت إسرائيل بقصف قطاع غزة جوًا وبحرًا وبرًا لمدة سبعة أيام من العدوان، وفي اليوم الثامن، استدعى الاحتلال المزيد من قواته، وقرر التوغل براً نحو المجمعات السكنية, واستخدمت إسرائيل خلال العدوان أسلحة محرمة دوليًا، منها قذائف فسفورية، وقذائف مغلفة باليورانيوم، وقذائف مسمارية، إضافة لصواريخ الطائرات الـ(f16)، والزنانة، والأباتشي، وحمم الزوارق البحرية بأنواعها، والدبابات الأرضية وفق تقارير صحفية وخبراء أوروبيون, وراح ضحية هذه الحرب(1430) شهيدًا فلسطينياً، من بينهم(926) مدنياً و(412) طفلاً و(111) امرأة و(5450) جريح ، و(9000) مشرّد من بيته، و(224) مسجدًا مدمّرًا، و(23) مرفقًا صحيًا، و(181) مدرسة تابعة لوزارة التعليم العالي، و(26) مدرسة لوكالة الغوث، و(67) روضة أطفال، و(4) جامعات وكليات، و(42) من مؤسسات الخدمة الاجتماعية, و(5) مقابر, كما أقدم الاحتلال وفق المؤسسات الحقوقية، على تدمير(236) منشأة صناعية، (178) منها دمرت بشكل كلي( 75%)، و(58) منشأة أخرى أصيبت بأضرار جزئية(25%)، وتعمل هذه المنشآت في مختلف الأنشطة الصناعية, أما عن رد المقاومة فقد أكدت كتائب القسام - بعد معركة الفرقان-، بإحصائية لها أنها قتلت خلال المواجهات المباشرة مع الاحتلال(48) جنديًا، وجرحت ما يزيد عن(411) آخرين، ونفذت أكثر من(53) عملية قنص للجنود الإسرائيليين، إضافة إلى الخسائر النفسية والاقتصادية الكبيرة لإسرائيل والتي بلغت(2.5) مليار دولار. ()

2 . عدوان نوفمبر2012:

                مع اقتراب نهاية العام2012 قامت إسرائيل باغتيال أبرز قادة القسام في قطاع غزة الشهيد ( أحمد الجعبري ) والتي أُشعلت على إثرها حرب استمرت لثمانية أيام سقط فيها(191) شهيداً, و(1430) إصابة. ففي عصر يوم الرابع عشر من شهر نوفمبر, قامت طائرات الاحتلال الإسرائيلي باغتيال قائد كتائب القسام في غزة أحمد الجعبري؛ لتعلنها بداية حرب جديدة على غزة سمتها إسرائيل ( عمود السحاب ) بينما أطلقت عليها المقاومة الفلسطينية ( حرب حجارة السجيل ), واستمر العدوان منذ ذلك التاريخ وحتى مساء يوم 21 نوفمبر, بعد التوصل إلى اتفاق تهدئة بين الفصائل الفلسطينية وإسرائيل برعاية مصرية, وتحت شروط فرضتها الفصائل. ()

                حل دمار كبير بقطاع غزة نتيجة هذه الحرب, فشهداء سقطوا بدم بارد, وآخرون أصيبوا, وبعضهم أصبحوا معاقين مدى الحياة, ولم تكتف إسرائيل بذلك, فلم تسلم الأبنية والمنازل من القصف والدمار الكامل والجزئي, فغزة التي لم تعيد إعمار ما دمرته الحرب السابقة أواخر عام2008, أصبحت الآن بحاجة إلى إعمار السابق والحاضر, ولكن هذه الحرب لم تدم طويلاً كسابقتها, وذلك نظراً للتدخل الدولي والعربي, وخاصة تدخل الرئيس المصري محمد مرسي والرئيس التركي رجب طيب أردوغان, حيث أرسل الرئيس المصري رئيس وزرائه هشام قنديل إلى غزة لمؤازرة أهل القطاع, وأرسل رئيس الوزراء التركي وزير خارجيته أحمد داوود أوغلو, وحضر عدداً من الوزراء والشخصيات القيادية والدبلوماسية العربية. ()

3 . عدوان يوليو2014:    

                شنت قوات الاحتلال الإسرائيلي في السابع من تموز – يوليو من العام2014 حرباً شرسة على قطاع غزة, هي الأعنف منذ اندلاع انتفاضة الأقصى, بل منذ حرب حزيران عام1967 - كما وصفتها إسرائيل -  واستمر العدوان على قطاع غزة خمسين يوماً ضد قطاع غزة, ونتجت عن هذه الحرب كوارث إنسانية, تمثلت في دمار مناطق وأحياء بكاملها, وإبادة عائلات بجميع أفرادها, وقصف ممنهج للأبراج والتجمعات السكانية, وتركز الدمار بشكل خاص في مناطق شرق بيت حانون والشجاعية والتفاح وشرق خانيونس ورفح وجباليا, وخلفت هذه الحرب دماراً كبيراً بالإضافة إلى أكثر من(2200) شهيد فلسطيني أغلبهم من المدنيين، إضافة لآلاف الجرحى والمعاقين, بينما قتل(73) إسرائيلياً في جانب الاحتلال بينهم(67) جندياً, وفقدان(3) جنود اعترفت كتائب القسام باحتجازهم فيما تقول إسرائيل أنه لا يعرف مصيرهم حتى الآن وترجح أن يكونوا قتلى.

                 وقد مثلت هذه الحرب نقلة نوعية بالنسبة للمقاومة, من حيث تغيير في قواعد اللعبة, والتطور في التكتيك العسكري, وظهور صور جديدة للعمل الفدائي, كالتسلل خلف خطوط العدو واقتحام مواقع الجيش الإسرائيلي المحصنة على طول حدود قطاع غزة عبر الأنفاق, واقتحام المستوطنات والمواقع الإسرائيلية المحاذية للشاطئ عن طريق البحر, وتطوير صواريخ المقاومة لتصل لأبعد مدى في مدن فلسطين المحتلة شمالاً وجنوباً, وظهور أسلحة جديدة بأيدي المقاومة, كطائرات الاستطلاع, والصواريخ الموجهة التي تستخدم ضد الدبابات, ومضادات الطيران وغيرها.  

                 وكان السبب المباشر لاندلاع هذه الحرب هو قيام مجموعة من المتطرفين الصهاينة بحرق الفتى الفلسطيني محمد أبو خضير في الضفة الغربية, وقام على إثرها مجموعة من المقاومين الفلسطينيين بخطف ثلاثة مستوطنين في مدينة الخليل وعثر عليهم قتلى بعد ذلك بفترة وجيزة, وتطورت المناوشات واستمر إطلاق الصواريخ الفلسطينية على إثر ذلك, الأمر الذي أدى إلى اندلاع الحرب.

                   ولكن التطور اللافت في هذه الحرب هو أن حكومة الاحتلال قررت اعتبار العملية العسكرية التي شنتها ضد قطاع غزة في عام2014 الحرب الثامنة منذ قيامها، والأولى مع الفلسطينيين، بحسب وزارة الحرب الإسرائيلية . وكانت مختلف الأطراف الخارجية تسميها حرباً , وقال وزير حرب الاحتلال موشيه يعالون ، في بيان : إن هذا القرار جاء بسبب طول المدة الزمنية للعملية وأيضا بسبب " فقدان(67) من جنودنا الذين دفعوا الثمن الأكثر ارتفاعاً في قتال حماس وغيرها من المنظمات الإرهابية ". ()

                   واعترف الاحتلال منذ قيامه في1948 بشن ثمانية حروب: الحرب العربية الإسرائيلية عام 1948، والعدوان الثلاثي على مصر عام1956, وحرب حزيران/ يونيو عام1967، وحرب الاستنزاف مع مصر(1969-1970)، بالإضافة إلى حرب "يوم الغفران" في تشرين الأول/ أكتوبر عام1973 مع سوريا ومصر، وحرب لبنان الأولى عام1982 وحرب لبنان الثانية عام2006. وبهذا تصبح المواجهة العسكرية في غزة أول مواجهة مع الفلسطينيين يعترف بها جيش الاحتلال، كحرب على عكس عدواني ديسمبر2008، ونوفمبـــــر2012. ويأتي هذا القرار بعد يوم واحد من تسليم الرئيس الفلسطيني عباس وثائق الانضمام إلى المحكمة الجنائية الدولية، وطلبه البدء بالتحقيق بقيام إسرائيل بارتكاب جرائم حرب في عدوانها الأخير على قطاع غزة. ()

                    ويرى خبراء ومحللون، أنّ إسرائيل دأبت، خلال معاركها ضد الفلسطينيين على تسمية المعركة بـ"العملية العسكرية", حيث تستخدم إسرائيل مصطلح (العملية العسكرية) وهي أقل من حرب وأكثر من غارة واجتياح. غير أنّها أطلقت مصطلح الحرب على العدوان الأخير على قطاع غزة، لأكثر من سبب واستحقاق. حيث تهدف إسرائيل من وراء إطلاق مصطلح الحرب هذه المرة، إلى أهداف غير معلنة، في مقدمتها، تشمل البعد القانوني والسياسي، واستباق أي ملاحقة لإسرائيل، وإجبارها على دفع تعويضات مالية، أو قانونية جراء حجم ما ارتكبته من جرائم. وأن هذه التسمية جاءت رداً على انضمام فلسطين، إلى المحكمة الجنائية الدولية، فتسمية العدوان حرباً، تعطي لإسرائيل هامش المناورة، والتنصل من أي تعويضات. ()

                 وعند تقديرنا لهذه الحروب نرى بأن الحروب الإسرائيلية تصلح لتكون سبباً لإنهاء اتفاقية أوسلو بالإرادة المنفردة حسب القانون والفقه الدولي, فاتفاقية أوسلو ليست من المعاهدات التي أبرمت لتنظيم حالة دائمة نهائية وتم تنفيذها. والتي لا تؤثـــر الحرب فيها, نظراً لأنها كما سبق وأن ذكرنا مؤقتة وأنشئت لتعالج فترة انتقالية محددة المدة وليست حالة دائمة ونهائية, كما أنها ليست من المعاهدات العامة المنظمة لشؤون تهم عموم الدول والتي تساهم فيها دول أخرى غير الدول المتحاربة, والتي تبقى قائمة بالرغم من اشتباك فريق من الدول المشتركة فيها في الحرب, وذلك لأن هذا النوع من المعاهدات يفترض أن تكون المعاهدة جماعية, حتى يتسنى لباقي الدول الغير محاربة الإبقاء على المعاهدة فيما بينهم. أما اتفاقية أوسلو فهي اتفاقية ثنائية لا ينطبق عليها مثل هذا النوع من المعاهدات.

                 والنوع الثالث من المعاهدات التي لا تؤثر الحرب فيها هي المعاهدات المبرمة خصيصاً لحالة الحرب بغرض تنظيمها وبيان ما يترتب عليها من آثار, وهذه تصبح نافذة المفعول بقيام الحرب, لأنها ما وضعت إلا لها, فالحرب تبعثها من رقادها وتهيئ لها فرصة التطبيق. وهذا النوع أيضاً لا ينطبق على اتفاقية أوسلو, لأن اتفاقية أوسلو ما وجدت لتنظيم حالة حرب, وإنما وجدت لإحلال سلام وإنهاء عقود من الصراع بين طرفيها.

                أما الحالة الأخيرة وهي الحالة التي تنطبق على اتفاقية أوسلو والتي تؤثر فيها الحرب على المعاهدة وتكون سبباً لإنهائها, فهي المعاهدات الخاصة التي أبرمت بين الدول المتحاربة بغرض توثيق علاقاتها وتحقيق التعاون بينها في ناحية من النواحي, كمعاهدات التحالف والضمان والصداقة والتجارة وما شابهها, وهذه تنتهي بقيام الحرب بين الدول الأطراف فيها لأن طبيعتها تتنافى مع حالة الحرب, ولا يمكن أن تعود للنفاذ بعد انتهاء الحرب إلا بمقتضى اتفاق جديد. فالذي يتابع الوضع الفلسطيني – الإسرائيلي قبل اتفاق أوسلو يدرك أن الحالة التي كانت قائمة بين إسرائيل من جهة والدول العربية ( بما فيها منظمة التحرير ) من جهة أخرى, هي حالة حرب وعداء منذ أن احتلت إسرائيل دولة فلسطين عام1948, وبتوقيع اتفاقيات السلام العربية – الإسرائيلية, كأوسلو وكامب ديفيد, انتهت حالة الحرب, حيث كانت هذه المعاهدات بمثابة معاهدات سلام منهية لحالة الحرب وللصراع مع إسرائيل, ودخول مرحلة جديدة وهي مرحلة المفاوضات والتطبيع وإقامة العلاقات الودية والشراكة مع إسرائيل.

                 وهــــــــذا ما أكـــــدت عليه اتفاقية أوسلو فـــــي مقدمتها فــــي البنـــد(1) حيث نصت على: " إن حكومة دولة إسرائيل وفريق منظمة التحرير الفلسطينية ( في الوفد الأردني الفلسطيني، إلى مؤتمر السلام في الشرق       الأوسط ), ( الوفد الفلسطيني ) ممثلاً للشعب الفلسطيني يتفقان على أن الوقت قد حان لإنهــــاء عقود من المواجهة والنزاع، والاعتراف بحقوقهما المشروعة والسياسية المتبادلة والسعي للعيش فـــي ظــــــل تعايــش سلمي وبكرامة وأمن متبادلين، ولتحقيق تسوية سلميــــة عادلــــة ودائمة وشاملــة ومصالحــــة تاريخيــــــة مـــــن خلال العمليــــــة السياسية المتفق عليها ". ()

                 من كل ما سبق يتضح لنا أن الحروب التي شنتها دولة الاحتلال الإسرائيلي على الفلسطينيين في قطاع غزة, هي – من وجهة نظر القانون الدولي –  تعتبر من الأسباب التي تبرر إنهاء اتفاقية أوسلو من طرف واحد, نظراً لأنها اتفاقية سلام ثنائية محددة المدة وقعتها دولتان متحاربتان, وإن كانت منظمة التحرير الفلسطينية تتمتع بسيادة ناقصة على إقليم الدولة الفلسطينية في تلك الفترة, كما ونصت هذه الاتفاقية على إنهاء الصراع الفلسطيني الإسرائيلي, فبالتالي قيام أي من الدولتين بشن حرب على الأخرى يبيح للأخرى أن تقوم بفسخ الاتفاقية من جهتها نتيجة لهذه الحرب, إضافة إلى أن العدوان الإسرائيلي يعتبر عملاً إجرامياً ينتهك قواعد الفانون الدولي ويشكل خرقاً للاتفاقية نفسها, مما يعطي الحق للقيادة الفلسطينية بإنهاء الاتفاقية.     

الفرع الخامس

المقارنة بين الأسباب من حيث القوة

                 سبق أن قلنا أن هناك أسباب قانونية متعددة تبرر الانسحاب من أية معاهدة دولية, لكن ما يهمنا كفلسطينيين من هذه الأسباب, هو ما يكون صالحاً من هذه الأسباب بالنسبة لنا, وما ينطبق على الحالة الفلسطينية وعلى اتفاقية أوسلو, التي هي موضوع بحثنا, وهذه الأسباب هي ( انتهاء المدة, والإخلال الجوهري لأحكام المعاهدة, والتغير الجوهري في الظروف, والحرب ). وهنا يمكننا القول أن هذه الأسباب مجتمعة أو متفرقة هي أسباب صالحة قانونياً لتبرير إنهاء تلك الاتفاقية والانسحاب منها.

                 ولكن المتتبع لنصوص اتفاقية فيينا يستنتج أنه ليس هناك ما يمنع استخدام هذه الأسباب في أي وقت, فهذه الأسباب تبقى قائمة في حد ذاتها إن توافرت حتى وإن لم يتمسك بها أحد أطراف المعاهدة, فهذه الأسباب لا تخضع لنظام تقادم معين, ولكنها متفاوتة من حيث القوة, حيث نرى في هذا المقام ترتيب هذه الأسباب من حيث القـــــــوة إلى:

أولاً: انتهاء المدة:

                 حيث إنَ انتهاء المدة هو السبب الطبيعي والتلقائي لانتهاء المعاهدة ولا ينبغي لأي معاهدة انتهت مدتها القانونية بعد أن تم الاتفاق عليها وإدراجها ضمن نصوص الاتفاقية, أن تبقى إلا إذا توافق أطراف تلك المعاهدة على تمديد سريانها لأجل آخر, ومن المعلوم لدينا أن اتفاقية أوسلو هي اتفاقية محددة المدة. مدتها(5) سنوات تنتهي بانتهائها, ولم يقم الطرفان بتجديد تلك المدة لا صراحة ًولا ضمناً, لأن فرضية التجديد ضمناً تفترض الاتفاق على ذلك أو على الأقل الاتفاق على المدة الجديدة, فهي ليست من الاتفاقيات النهائية التي لا تحدد بمدة زمنية معينة, وكل ما في الأمر أن الطرفين استمرا في تمديد فترة المفاوضات على الوضع النهائي بشكل متقطع دون تجديد الاتفاقية المرحلية, مع أن الاتفاقية تعطلت في كثير من جوانبها إلى أنها ما زالت في بعض الجوانب تطبق حتى يومنا هذا, ومن ناحية أخرى فإن هذا السبب ( انتهاء المدة ) يتقدم على سببين من الأسباب التي ذكرناها من حيث أسبقيته, فتاريخ انتهاء الاتفاقية بالنسبة لانتهاء المدة هو عام1999, أي قبل قيام سببي الحرب والتغير الجوهري في الظروف بالنسبة لاتفاق أوسلو.

ثانياً: الإخلال الجوهري بأحكام الاتفاقية:

                 يأتي الإخلال الجوهري بأحكام الاتفاقية في المرتبة الثانية من حيث القوة, حسب تقديري, بسبب أن موضوع الإخلال الجوهري يبقى يخضع لمعيار نسبي غير ثابت, فلا يمكن التمييز الدقيق بين ما يعتبر إخلالاً جوهرياً وما لا يعتبر كذلك. على عكس تحديد المدة الذي يتم تحديده تحديداً حصرياً غير قابل للتقدير, على الرغم من أن الإخلال الجوهري يتميز بالأسبقية على جميع الأسباب التي ذكرناها, فإسرائيل لم تكف عن الخروقات والانتهاكات لأحكام الاتفاقية منذ توقيعها وتنفيذها عام1994.

ثالثاً: التغير الجوهري في الظروف:

                 يأتي التغير الجوهري للظروف في المرتبة الثالثة من حيث القوة, وذلك يرجع حسب تقديري لأن موضوع التغير الجوهري للظروف كما سبق أن قلنا في الإخلال الجوهري لأحكام المعاهدة, يبقى يخضع لمعيار نسبي غير ثابت, فلا يمكن التمييز الدقيق بين ما يعتبر تغيراً جوهرياً في الظروف وما لا يعتبر كذلك, على عكس تحديد المدة الذي يتم تحديده تحديداً حصرياً غير قابل للتقدير, كما أن التغير الجوهري في الظروف بانت معالمه في الأراضي الفلسطينية بعد اندلاع انتفاضة الأقصى عام2000, وخصوصاً بعد دخول حركة حماس سدة الحكم وسيطرتها على قطاع غزة, على عكس الإخلال الجوهري الذي ولد مع الاتفاقية منذ ولادتها عام1993.

رابعاً: الحرب:

                 وأخيراً تأتي الحرب في المرتبة الرابعة من حيث القوة, وذلك نظراً لتأخر قيام تلك الحروب, حيث كانت بداية هذه الحروب بشكل واضح عام2008, على الرغم من أن إسرائيل لم تقر بتسميتها حرباً باستثناء حرب2014, والتي سمتها إسرائيل حرباً, ولأول مرة في تاريخ الصراع الفلسطيني الإسرائيلي, كما ونرى أن شيئاً آخراً يجعل من هذه الحروب سبباً متأخراً من حيث القوة, ألا وهو الانقسام الفلسطيني المؤسف, والذي تمثل بسيطرة حركة حماس على قطاع غزة, مما أدخلها في دوامة عداء وصراع مع السلطة الفلسطينية وحركة فتح, الأمر الذي أدى إلى الادعاء بشرعية هذه الحروب من قبل إسرائيل وحلفاؤها باعتبارها حرباً على حركة حماس الإرهابية في نظرهم, والتي لم تنل على الاعتراف الدولي بحكمها لقطاع غزة, وبنجاحها في الانتخابات التشريعية. نظراً لعدم اعترافها بإسرائيل, وعدم قبولها لشروط الرباعية الدولية. وهذا ما أكدته الإدارة الأمريكية من عهد جورج بوش الابن إلى عهد دونالد ترامب, حيث كانت تحمل المسؤولية في كل حرب للمقاومة الفلسطينية, وفي المقابل تدافع عن الاحتلال وتبرر له قيامه بشن الحرب, بناءً على حقه في الدفاع عن نفسه, ولكن هذا الادعاء غير صحيح ولا يضفي الشرعية الدولية على هذه الحروب, ويؤكد ذلك قيام المحكمة الجنائية الدولية بطرح ملفات العدوان على غزة على سلم أعمالها.  

                  كان لهذه الأسباب أشد تأثير على الموقف الفلسطيني, حيث أدت إلى تفرقة الصف الفلسطيني, وانحراف بوصلته عن الدفاع عن أرضه ووطنه, إلى الاقتتال والتناحر بين أبناء هذا الشعب, وعدم الوقوف جنباً إلى جنب أمام التحديات الإسرائيلية, وأمام المجتمع الدولي والهيئات والمنظمات الدولية للمطالبة بحقوقه المشروعة والعادلة.

                   ونشير أخيراً, إلى أنه مما لا شك فيـــه أن هذه الأسباب التي سبق أن ذكرناها, والتي تبيح للقيـــادة الفلسطينية التحلل من اتفاقية أوسلو, تبقى أسباباً قانونية بالأساس, ولكن أمر تفعيلها يظل قراراً سياسياً, وللقيادة السياسية اختيار الآلية والتوقيت المناسب للتحرك في هذا الاتجاه. ()

 

المطلب الثالث

واقع اتفاقية أوسلو وتحديات إنهاءها

                  سنتعرض في هذا المطلب لواقع اتفاقية أوسلو بعد ثلاثة وعشرين عاماً من توقيعها, فما هو وضعها الآن؟ وهل ما زالت موجودة فعلياً وواقعياً؟ أم أنها موجودة قانونياً وغير موجودة فعلياً؟ أم أنها غير موجودة فعلياً وقانونياً؟. ومن ثم سنتحدث عن التحديات والصعوبات التي ستواجه الفلسطينيين قيادةً وشعباً في حال أقدم الفلسطينيون على إنهائها بإرادتهم المنفردة, حيث سنقسم هذا المطلب إلى فرعين مستقلين, نتكلم في الفرع الأول عن واقع الاتفاقية الحالي من حيث الوجود والحيوية, ونفرد الفرع الثاني للتحديات والعقبات التي ستواجه القيادة الفلسطينية إذا قامت بإنهاء الاتفاقية.  

الفرع الأول

واقــــع اتفاقيــة أوسلــو

                    لقد انقسم الخبراء والكتاب والمحللون السياسيون بالنسبة لواقع اتفاقية أوسلو, من حيث وجودها وفعاليتها, إلى فريقين, لكلٍ منهما مبرراته وأسبابه, فالفريق الأول, يرى بأنها ماتت منذ ولادتها ولم يعد لها وجود, بينما يرى فريق آخر بأن الاتفاقية ما زالت حية قانوناً ومعمول بها, وإن كانت غير فعالة بسبب التحلل الإسرائيلي من التزاماتها, وفي هذا الفرع سنبين وجاهة هذه الآراء والصحيح منها, كما يأتي:

أولاً: الرأي القائل بانتهاء اتفاقية أوسلو:

                   يرى أصحاب هذا الرأي أن اتفاقية أوسلو ماتت نهاية حقبة التسعينيات, ومن أنصار هذا الرأي يان إيغلاند أحد مهندسي اتفاقية أوسلو، ورئيس المعهد النرويجي للسياسة الخارجية, ونائب الأمين العام السابق للأمم المتحدة ومبعوثه الخاص إلى منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا ما بين عامي2003 - 2006. ()

                   حيث يرى أصحاب هذا الرأي بأنه يمكن الجزم بما لا يدع مجالاً للشك، بأن اتفاق إعلان المبادئ وما تلاه من اتفاقات بين منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل، إنما أصبحت بحكم المنتهية, فعلى الرغم من أن الجانب الفلسطيني ما زال يعلن تمسكه بفحوى هذه الاتفاقات ومضمونها، فإن الجانب الإسرائيلي أكد أكثر من مرة تخطيه لها، بما في ذلك اعتبار الجانب الفلسطيني والرئيس الراحل عرفات "ليس صاحب علاقة"، حيث بدأ الجانب الإسرائيلي يتصرف باعتبار عدم وجود شريك فلسطيني في إطار حل القضية الفلسطينية، وأنهى هذا التوجه بإعلان خطة الانفصال أحادية الجانب من قبل شارون عام2005، التي سبقها أصلاً بناء جدار الفصل العنصري الذي تم البدء به عام2003، كما استمر في إهمال أو تجاهل السلطة الفلسطينية حتى بعد انتخاب الرئيس محمود عباس على الرغم من وصفه من قبل الإسرائيليين ب"المعتدل". ()

                 ويؤيد هذا الرأي جمع من السياسيين الفلسطينيين منهم, تيسير خالد, وأحمد مجدلاني وهما أعضاء اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير, ونبيل عمرو المستشار في حركة فتح, وعباس زكي عضو اللجنة التنفيذية لحركة فتح, والقياديان الفتحاويان توفيق الطيراوي ومحمد دحلان, وغيرهم الكثيرين, كما صرح سليم الزعنون رئيس المجلس الوطني الفلسطيني, في حديث لوكالة الأنباء المغربية أثناء زيارته للرباط عام2001: " إن المجلس التشريعي الفلسطيني يسعى لكي يجتمع بكل الوسائل, لأنه يجب ألا ينتهي هذا العام إلا وقد تم الاعلان عن قيام الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس، حيث اعتبر الزعنون أن اتفاق أوسلو مع إسرائيل قد انتهى والسبب هو عدم التزام إسرائيل به. ()

                  ونشير أخيراً إلى ما سبق أن ذكرناه من إصدار محكمة صلح جنين في القضية الجزائية رقم (885/2014) في الجلسة المنعقدة بتاريخ11/1/2015 حكماً قضائياً هاماً يقضي برفض تطبيق اتفاقية أوسلو لانتهاء مدتها، وبوجوب محاكمة حملة الجنسية الإسرائيلية الذين يرتكبون جرائم على أراضي الدولة الفلسطينية. حيث أنّ النيابة العامة كانت قد أحالت إلى محكمة صلح جنين هيئة القاضي أحمد الأشقر أحد المتهمين من حملة الجنسية الإسرائيلية لمحاكمته عن قضية جزائية الأمر الذي دفع المتهم إلى الطعن بعدم اختصاص المحاكم الفلسطينية بالاستناد إلى اتفاقية أوسلو، وقررت المحكمة رد هذا الدفع حيث رأت في قرارها أنّ اتفاقية أوسلو حملت بذور فنائها بنفسها لكونها ذات طبيعة مؤقتة ومحدودة الأجل، ومقصورة على ترتيبات المرحلة الانتقالية التي تمتد لخمس سنوات من تاريخ سريان ونفاذ الاتفاقية والتي لم يتم تمديدها صراحةً أو ضمناً في الاتفاقيات اللاحقة.

ثانياً: الرأي القائل بوجود الاتفاقية:         

              حيث يرى أصحاب هذا الرأي أن اتفاق أوسلو مازال حياً وموجوداً ولم ينتهِ. وسبق أن أعرب عضو المجلس المركزي لمنظمة التحرير أحمد قريع في تصريحات نقلتها صحيفة (المصري اليوم)، حول ما ذكرته آخر استطلاعات الرأي من أن أغلب قادة حركة فتح ومنظمة التحرير يرفضون الاستمرار في تنفيذ اتفاقية أوسلو مع الاحتلال، حيث صرح أن: " هناك اختلافات داخل المنظمة واللجنة المركزية حول الاستمرار في اتفاقية أوسلو مع الاحتلال، لكننا لن ننهيها، لأنها ليست عاراً،  والاتفاقية لا تزال سارية المفعول، تيقناً منا بأن إسرائيل ستصل في انتهاكاتها للنهاية في يوم ما "، على حد قوله. كما أعرب عن أسفه كون الفلسطينيين يعيشون فترة صعبة جداً، بسبب انتهاكات إسرائيل المستمرة للاتفاقية التي لم تلتزم بها، وتماطل دائماً عن المدة المحددة لها، التي لا تزيد على خمس سنوات، كمرحلة انتقالية للانسحاب من الضفة، وفق قوله. ()

ثالثاً: رأي الباحث في الموضوع:

                من خلال ما تقدم نرى بأن اتفاقية أوسلو من الناحية الواقعية, ومن حيث فعاليتها قد انتهت منذ بدايتها ولم تعد فعالة, بسبب التعنت الإسرائيلي والخروقات الجوهرية لأحكامها, وهذا ما صرح به العديد من الساسة وصناع القرار الفلسطينيين والإسرائيليين على حد السواء, ولكنها من الناحية القانونية مازالت حية وموجودة ولم تنتهي, وهناك الكثير من الدلائل على ذلك التي منها وجود سلطة الحكم الذاتي نفسها والتنسيق المتبادل مع الإسرائيليين, وتنظيم حركة المعابر والضرائب ... وغيرها. فكل ما يدور في وسائل الإعلام, وكل ما يقال في الخطابات والمناسبات الدولية, ما هو إلا نوع من المراوغة السياسية, ولا يقصد به إلا التهديد والتلويح بإنهاء الاتفاقية, وذلك للضغط على إسرائيل, ولتحميل المجتمع الدولي مسؤولياته تجاه القضية الفلسطينية ونتائج فشل تسويتها بالطرق السلمية.

               يتضح ذلك من خلال عدم القيام رسمياً بإنهاء المعاهدة سواءً من قبل الإسرائيليين أو الفلسطينيين, فإنهاء المعاهدات لا يتم بطريقة تلقائية على الرغم من توفر أسباب الإنهاء, إلا في حالات معينة ومحدودة. فالأصل العام أن هناك إجراءات قانونية يجب اتباعها عند عزم الدولة المتضررة من الاتفاقية على إنهائها, وهذه الإجراءات نصت عليها المواثيق والقوانين المنظمة للمعاهدات, وهي اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات لعام1969, والتي سنبينها في وقتها في هذا البحث. وبالنظر إلى اتفاقية أوسلو نجد أن أطرافها لم يعلنوا رسمياً إنهاءها, ولم يتخذوا الإجراءات القانونية المتبعة في حالة الإنهاء.        

الفرع الثاني

تحديات الإنهاء بالنسبة للفلسطينيين

                 في حال قامت القيادة الفلسطينية بإلغاء اتفاق أوسلو، فإن ذلك سيؤدي إلى قطع كافة العلاقات السياسية والاقتصادية والأمنية مع إسرائيل. تلك المرحلة هي من أشد المراحل خطورة على القضية والمشروع الوطني الفلسطيني، وبالتالي أي قرارات يمكن أن تُتخذ بهذا الجانب ستكون مدروسة جيداً، بما يتماشى مع المصالح الفلسطينية أولا, ولكن يبقى التساؤل هل يوجد قدرة لدى السلطة لتحمل تبعات أي قرارات سياسية تتخذها          ضد إسرائيل؟ وهل من الممكن أن توفر الدول العربية الغطاء للرئيس محمود عباس لدعمه مالياً وسياسياً في حال فرضت عليه العقوبات من قبل إسرائيل والإدارة الأمريكية، في حين يخرج السؤال الأهم وهو مصير السلطة إلى أين بعد ذلك؟.

                  فأي خطوة في هذا الجانب ضد الاحتلال الإسرائيلي، ستعود على السلطة الفلسطينية بالضرر الكبير، وقد يتم اتخاذ خطوات عقابية كبيرة ضدها من حجز أموال وزيادة حصار وحواجز وتهديدات، لكن السلطة لا يمكن لها أن تقف متفرجة, فكل الخطوات المتوقعة من قبل إسرائيل، ستكون هناك خطوات أخرى مقابلة لها من الجانب الفلسطيني، فالسلطة الفلسطينية ليست بضعيفة، وستحاول من خلال كل تحركاتها الدولية والعربية لجم سياسات الاحتلال وفضحها.

                 وحول ما إذا كان الموقف العربي سيدعم السلطة الفلسطينية في هذه التوجهات، خاصة في إلغاء اتفاق أوسلو، أكد أحمد مجدلاني عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية أن الرئيس عباس أجرى بهم اتصالات وتحركات مكثفة، وأطلعهم على صورة الأوضاع الفلسطينية وكذلك القرارات المرتقبة بشأن العلاقة مع إسرائيل. وأوضح مجدلاني أن هناك دعم عربي كبير وغير مسبوق لكل خطوات السلطة الفلسطينية، وأن دولاً عربية أعلنت دعمها مالياً للسلطة، وتحويل الأموال لها فور وقف تحويل الضرائب من قبل إسرائيل, ووعدوا كذلك بتوفير كل الدعم المالي والسياسي للسلطة، لمواجهة الاحتلال والتصدي لكل خطوات انتقامية من طرفه مشيراً إلى أن الموقف العربي مساند، وهناك جهود تبذل من عدة دولة عربية لدعم خطوات السلطة رسمياً من خلال قمــــة عربية. ()

                وعملياً في حال أعلنت رسمياً السلطة الفلسطينية حل اتفاق أوسلو، يعني أن إسرائيل ستتخذ أول خطوة عقابية ضدها بوقف تحويل الضرائب وإيرادات المقاصة للسلطة، التي تشكل70% من إيرادات السلطة الفلسطينية، والبالغ متوسط قيمتها الشهرية175 مليون دولار، مما يعجل في انهيارها وعدم تسديد رواتب لموظفيها. وتستخدم الحكومة هذه الإيرادات لدفع رواتب الموظفين العموميين، البالغ عددهم في الأراضي الفلسطينية ( الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس) نحو170 ألف موظف، وتتراوح فاتورة رواتبهم ما بين160 و170 مليون دولار شهرياً.

                 واعتبر أمين سر اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير صائب عريقــات، كل الخطوات التي تلجأ لها إسرائيـــل، في النهاية تهدف بها إلى تقويض السلطة وإضعافها، لكن دون السماح لانهيارها، مشيراً إلى أن القيادة الفلسطينية لن تسمح باستمرار هذا المخطط، فإما أن تكون سلطة كاملة السيادة أو لا تكون, وذكر أن كل خطوة ستكون بتنسيق ودعم عربي كبيرين موضحاً أن الدول العربية لن تتخلى عن السلطة وستبقى داعمة لها مالياً وسياسياً، وهناك قرارات واضحة من جامعة الدولة العربية تؤكد ذلك, ولفت عريقات إلى أن إسرائيل وخلال السنوات الأخيرة الماضية تريد أن تفرغ السلطة من مضمونها، وتحاول سحب كل الصلاحيات التي تملكها، لتظهرها للجميع بأنها فارغة المضمون ولا يوجد لها أي جهد على الأرض في خدمة الفلسطينيين, وأوضح أن إلغاء الاتفاقيات مع إسرائيل، وتحديدها بشكل علني وواضح، لم يبقَ مطلباً للسلطة فقط، بل مطلب لكافة القوى والفصائل الفلسطينية، خاصة مع تجربة مفاوضات استمرت أكثر من20 عاماً ولن تصل لنتيجة بعد, كما وأكد أن القيادة الفلسطينية لا يعنيها كثيراً أن تكون السلطة الفلسطينية موجودة، دون أي سلطة تمارسها عملياً على الأرض، وتكون فقط مجرد شعار لا أكثر دون أي خدمات أو مقومات للعمل. ()

 

المبحث الثالث

الانتهاكات الإسرائيلية للاتفاقية

               سبق أن قلنا أن إسرائيل ومنذ توقيعها على اتفاقية أوسلو عام1993, لم تلتزم بما جاء فيها, ودأبت على انتهاك مبادئها وأحكامها, مما شكل إخلالاً جوهرياً واضحاً. هذا الإخلال يبيح من وجهة نظر القانون الدولي إمكانية انسحاب الطرف الفلسطيني المتضرر بشكل كبير من الاتفاقية جراء هذه الخروقات, والتحلل من التزاماته المترتبة عليها, وقد سبق أن ذكرنا وبينا تلك الأسباب القانونية التي تبرر إنهاء الاتفاقية من طرف واحد, وبدون اتفاق الأطراف, وفي هذا المبحث سنبين أهم هذه الخروقات والانتهاكات التي نسفت الاتفاقية من مهدها, مقسمين هذا المبحث إلى خمسة مطالب, نتكلم في المطلب الأول عن الخروقات التي تتعلق بالأراضي والمستوطنات, وفي المطلب الثاني نتعرض للخروقات المتعلقة بملف الأسرى والمبعدين, وفي المطلب الثالث نبين الخروقات المتعلقة بحرية التنقل والتجارة والملاحة البحرية, ونخصص المطلب الرابع للخروقات المتعلقة بقضايا الحل النهائي وإنهاء الاحتلال, وأخيراً سنتعرض في المطلب الخامس للخروقات التي تتعلق بالملف الأمني واستخدام القوة القاتلة.      كما سيأتي:

المطلب الأول

الخروقات التي تتعلق بالأراضي والمستوطنات

                سنقسم هذا المطلب إلى فرعين مستقلين, الفرع الأول نتكلم فيه عن الخروقات التي تتعلق بمصادرة الأراضي الفلسطينية لبناء المستوطنات عليها, وعدم انسحاب إسرائيل من الأراضي الفلسطينية التي اتفقت على الانسحاب منها, والفرع الثاني نخصصه للخروقات المتعلقة بملف الاستيطان. كما يلي:

الفرع الأول

ملـــف الأراضـــــي

                 لقد تمثلت الانتهاكات الإسرائيلية بالنسبة لملف الأراضي في موضعين مختلفين, فمن ناحية لم تكف إسرائيل عن مصادرة الأراضي الفلسطينية لإقامة المستوطنات والطرق عليها, ومن ناحية أخرى رفضت دولة الاحتلال الانسحاب من أراضي الضفة الغربية التي كان من المفترض حسب الاتفاقية الانسحاب منها, هذه الانتهاكات كما يأتي:

أولاً: مصادرة الأراضي: حيث تكثفت مصادرة الأراضي في جميع أنحاء المناطق المحتلة بعد توقيع اتفاق أوسلو, بما فيها غزة وأريحا, حيث بلغت مساحة الأراضي التي صادرتها قوات الاحتلال في السنة الأولى لتنفيذ الاتفاقية, ومنذ توقيع الاتفاقية حتى نهاية شباط فبراير1994 أكثر من(55) ألف دونم, صودرت معظمها لأغراض توسيع المستوطنات القائمة. () فحسب التقرير الذي أصدره مكتب الدفاع عن الأرض ومقاومة الاستيطان. ورد في البيان الختامي أنه: " من المفارقات العجيبة أن يستشري الاستيطان في عهد السلام, فمنذ توقيع الاتفاقية وحتى عام2010 , صادرت إسرائيل بالمخالفة لاتفاقية أوسلو, حوالي(222,000) ألف دونم, وبناء(65,000) وحدة سكنية, وهدم(578) منزلاً في الضفة الغربية, وشق(24) طريقاً التفافياً بطول(180) كلم, من أجل ربط المستوطنات الإسرائيلية بعضها ببعض وتحويل المناطق الفلسطينية إلى جزر معزولة. () وكان أخطر ما قامت به إسرائيل في هذا الجانب هو بناء جدار الفصل العنصري, والتي صادرت إسرائيل من أجل بناؤه عشرات آلاف الدونمات, وقطعت أوصال الأرض الفلسطينية في الضفة الغربية. وتجدر الإشارة هنا إلى أن محكمة العدل الدولية في لاهاي قد أصدرت رأيها الاستشاري في التاسع من يوليو عام2004 فيما يتعلق بعدم شرعية جدار الفصل العنصري الذي قامت إسرائيل ببنائه على امتداد الأراضي الفلسطينية المحتلة, ولكن للأسف فإن هذا القرار قد تم تجاهله بالمطلق من جانب حكومات إسرائيل المتعاقبة.  

ثانياً: عدم انسحاب إسرائيل من الأراضي المتفق عليها: فحسب اتفاقيات أوسلو، كان من المفروض أن تنسحب قوات الاحتلال الاسرائيلية بشكل ملموس من جميع الضفة الغربية وقطاع غزة بحلول تموز1997, وكان من المخطط أن تتم عملية الانسحاب على ثلاث مراحل بدءاً من تشرين الأول1996 وانتهاء بتموز1997 وأن تكون قد نقلت نحو88 بالمئة من الضفة الغربية الى السيادة الفلسطينية. ولكن إسرائيل أخرت كل مرحلة من مراحل الانسحاب. والسلطة الفلسطينية تمتلك السلطة الكاملة فقط على17,2 بالمئة من الضفة الغربية. ()

 

الفرع الثاني

ملــــف الاسـتـيطــــــان

                ما زالت إسرائيل مستمرة في بناء وتوسيع مستوطناتها غير القانونية, حيث إنَ ميثاق جنيف الرابع الذي صادقت عليه إسرائيل في حزيران1951 والذي لم تلغه اتفاقيات أوسلو يمنع إسرائيل من إقامة مستوطنات في الأراضي الفلسطينية المحتلة. ويقول البند(6) من المادة(49) من ميثاق جنيف الرابع أن " قوة الاحتلال يجب أن لا تنقل أو ترحل أجزاء من سكانها المدنيين الى الأراضي التي تحتلها ". وتعيد اتفاقيات أوسلو تأكيد هذا الموقف. وينص البند(31) من الاتفاقية المؤقتة على أن: " الجانبين يعتبران الضفة الغربية وقطاع غزة وحدة إقليمية واحدة يجب المحافظة على وحدتها ووضعها خلال الفترة المؤقتة ". كما ينص هذا البند على أنه: " لا يجوز لأي جانب أن يبادر أو يتخذ أي خطوة يمكن أن تغير من وضع الضفة الغربية وقطاع غزة بانتظار نتيجة مفاوضات الوضع الدائم ". وبالرغم من هذه البنود وفي خرق لميثاق جنيف الرابع قامت اسرائيل منذ1993 بما يلي: ()

1 . مضاعفة عدد المستوطنين الذين يعيشون في الضفة الغربية وقطاع غزة , حيث يوجد الآن نحو400,000 مستوطن .

2 . زيادة عدد الوحدات السكنية غير القانونية في الأراضي الفلسطينية المحتلة ( باستثناء القدس الشرقية المحتلة ) بنسبة62%.

                فمنذ انطلاق عملية السلام عام1993 وحتى الآن تضاعف عدد المستوطنين في الضفة الغربية وقامت إسرائيل ببناء جدار الفصل العنصري كما أقيمت(220) بؤرة استيطانية بهدف توسيع مناطق النفوذ للمستوطنات القائمة وضمان تجميع المستوطنات في كتل كبيرة وسلخ القدس عن الضفة الغربية وأصبح المستوطنون قوة لا يستهان بها في الشارع الإسرائيلي إذ إنَ%10 من السكان اليهود في فلسطين التاريخية هم من المستوطنين ويحظون بدعم من الأحزاب السياسية اليمينية والدينية ويتلقون الدعم المالي والسياسي من اللوبي اليهودي الدولي والأصولية المسيحية ودعم رسمي وحماية من الحكومة الإسرائيلية. ()

 

المطلب الثاني

الخروقات المتعلقة بملف الأسرى والنازحين

                   سنبين في هذا المطلب الخروقات الإسرائيلية لاتفاقية أوسلو, والتي تتعلق بملف الأسرى والبنود التي تم الاتفاق عليها بشأن الأسرى, كذلك نتعرض للخروقات التي تتعلق بقضايا النازحين واللاجئين, وما تم الاتفاق عليه في هذا الشأن, مقسمين هذا المطلب إلى فرعين مستقلين, الفرع الأول نتكلم فيه عن الخروقات المتعلقة بملف الأسرى, والفرع الثاني نتعرض فيه للخروقات المتعلقة بالنازحين, كما سيأتي:

 

الفرع الأول

الخروقات المتعلقة بملف الأسرى والمعتقلين  

                   فقد اتجهت السلطة الفلسطينية لتعضيد ثقلها التفاوضي مع إسرائيل في مباحثات ( غزة – ذيشرون يعقوب – البحر الميت – طابا ) باللجوء إلى ورقة الغضب القائم في الساحة الفلسطينية بسبب استمرار بقاء6500 معتقل فلسطيني في السجون الإسرائيلية, وحاولت القيادة الفلسطينية تحريك قضية المعتقلين التي تتمتع بإجماع بين القوى الفلسطينية, وألقت بثقلها الشخصي فيها عبر إعلان الرئيس عرفات اشتراكه مع المعتقلين في إضرابهم عن الطعام, وهو ما حمل في ثناياه إنذاراً ضمنياً لإسرائيل بعودة الأوضاع إلى ما كنت عليه إبان الانتفاضة, كما قطع الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات في25 سبتمبر1995 مفاوضاته مع شمعون بيرس بسبب تصاعد الخلافات حول مسألتي إعادة الانتشار والإفراج عن الأسرى. ()

                  الأمر الذي أدى إلى التوصل في اتفاق طابا - واشنطن1995 المنبثق عن اتفاقية أوسلو والذي يعد جزء لا يتجزأ منها, والذي تم التوصل فيه إلى إقرار جدول زمني على ثلاث مراحل لإطلاق سراح6000 معتقل فلسطيني في المرحلة الأولى عند توقيع الاتفاق المرحلي, والثانية خلال انتخابات مجلس الحكم الذاتي الفلسطيني, والثالثة عندما يتم التوقيع على الاتفاق النهائي, غير أنه لم يحدد عدد المعتقلين الذين سيفرج عنهم في كل     مرحلة. ()

                    وقد فصل ذلك الملحق السابق من اتفاق واشنطن والخاص بإطلاق سراح السجناء والموقوفين الفلسطينيين, إلا أن إسرائيل لم تحترم ها الاتفاق, ولم تنفذ تعهداتها بشأنه, إلا فيما يتعلق بالسجينات, وتم تنفيذ هذا الجانب بعد تأخير يقارب من السنتين, ولكنها عمدت إلى اعتقال بعضهم, وإن معظم من أفرج عنهم بعد الاتفاقيات كانوا قد أنهوا مدة محكومياتهم, أو ممن يتبقى لهم مدد قصيرة, وحتى عام2000 كانت إسرائيل تحتجز حوالي2500 معتقل فلسطيني ممن اعتقلوا قبل اتفاق واشنطن, وذلك وفقاً لإحصائيات الصليب الأحمر الدولي, وترفض إسرائيل الإفراج عن أي منهم. ()  وحتى يومنا هذا ما زالت إسرائيل تعمل على انتهاك تلك الاتفاقيات, وتتنكر لما وعدت به ووقعت عليه, وما زالت تحتجز أكثر من9000 معتقل وأسير فلسطيني في سجونها, المئات منهم ممن اعتقلوا قبل أوسلو, والعدد الباقي من سجناء ما قبل أوسلو, منهم من كانت قد انقضت محكوميته, والبعض الآخر تم الإفراج عنه في صفقة وفاء الأحرار التي عقدتها حركة حماس مع دولة الاحتلال الإسرائيلي عام2011 برعاية مصرية, والتي أفرجت حماس خلالها عن الجندي المحتجز لديها جلعاد شاليط مقابل إفراج الاحتلال عن ما يقارب1050 أسير فلسطيني.

الفرع الثاني

الخروقات المتعلقة بملف النازحين

                  كان يفترض أن يتم التوصل إلى حل لمشكلة " الأشخاص الذين نزحوا من الضفة الغربية وقطاع غزة في عام1967 " من خلال محادثات رباعية ( إسرائيل، والفلسطينيين، ومصر والأردن ) والتي لم يتوصل المتفاوضين إلى تعريف متفق عليه " للنازح " حتى الآن بينما تم تأجيل بحث قضية لاجئي عام1948 إلى مباحثات الوضع الدائم. وبالتالي لم يتم التطرق الى القرار رقم194, كما أشارت اتفاقية غزة أريحا الموقعة في4 أيار1994 إلى الأشخاص الذين نزحوا عام1967 فقط (المادة16)، وتم تشكيل لجنة رباعية متواصلة، لبحث قضيتهم، إلا أن هذه اللجنة أخفقت في تحقيق مهامها ( وذلك بسبب الاختلافات الكبيرة حول التعريفات والأرقام )، وتوقفت عن الاجتماع في عام1997، عندما شهدت عملية السلام تدهوراً شاملاً, كما اعترفت معاهدة السلام الأردنية - الإسرائيلية الموقعة بتاريخ26 تشرين الأول1994 (المادة8) " بالمشاكل البشرية الكبيرة " الناجمة عن قضية اللاجئين، مؤكدة على أن التوصل الى حل لها يقع على عاتق اللجنة الرباعية ( فيما يتعلق بالنازحين ) ومجموعة العمل الخاصة باللاجئين ومفاوضات الوضع الدائم ( فيما يتعلق باللاجئين ). ()

                  كما أخفقت اتفاقية أوسلو الموقعة بتاريخ25 أيلول1995 في التطرق بشكل واضح إلى قضية اللاجئين وحق العودة، في الوقت الذي نصت عليه المادة7 من اتفاقية " أبو مازن " بيلين الصادرة بتاريخ31 تشرين الأول1995 ( والتي تم نفي وجودها حتى أيلول2000 ) اعترفت بحق العودة كحق عادل وشرعي، إلا أنها أشارت إلى أن هذا الحق غير قابل للتطبيق في ظل الوقائع " التي خلقت على الأرض منذ عام1948 " كما دعت إلى تشكيل " لجنة دولية للاجئين " تتولى تحديد معايير وإعداد برامج للتعويض ( عن الخسائر المعنوية والمادية ) وإعادة توطين وتأهيل اللاجئين الفلسطينيين. ()

                 حيث من المعلوم أن ﻫﻨﺎك ﻓﺌﺘين ﻣﻦ اللاجئين, اﻷولى اﻟﺘﻲ تطلق ﻋﻠﻰ أفرادها ﺗﺴﻤﻴﺔ اﻟﻨﺎزﺣﻴﻦ الفلسطينيين, أي لاجئي١٩٦٧. وفي مقابلة مع نبيل شعث أحد القادة البارزين في السلطة الفلسطينية عام1993 صرح بأن لاجئي عام1967 هم الذين سيتم العمل على وضع نماذج لأشكال عودتهم خلال الفترة المؤقتة, من قبل لجنة المتابعة, وقد يصل عدد أفرادها إلى(600,000 – 700,000) نازح. ثم إن هناك اللاجئين الآخرين, وهم لاجئو عام1948 سيتم التفاوض بشأن وضعهم في مفاوضات الوضع النهائي. () حيث ﻨﺹ ﺍﻟﺒﻨﺩ ﺍﻟﺜﺎﻟﺙ ﻤﻥ ﺍﻟﻤﺎﺩﺓ ﺭﻗﻡ(5) من الاتفاقية ﻋﻠﻰ ﺃﻨﻪ " ﻤﻥ ﺍﻟﻤﻔﻬﻭﻡ ﺃﻥ ﻫﺫﻩ ﺍﻟﻤﻔﺎﻭﻀﺎﺕ ﺴﻭﻑ ﺘﻐﻁﻲ ﺍﻟﻘﻀﺎﻴﺎ ﺍﻟﻤﺘﺒﻘﻴﺔ، ﺒﻤﺎ ﻓﻴﻬﺎ ﺍﻟﻘﺩﺱ ﻭﺍﻟﻼﺠﺌﻴﻥ ﻭﺍﻟﻤﺴﺘﻭﻁﻨﺎﺕ، ﻭﺍﻟﺘﺭﺘﻴﺒﺎﺕ ﺍﻷﻤﻨﻴﺔ ".

                  ولم تغير الاتفاقيات العربية والفلسطينية مع إسرائيل في الموقف الإسرائيلي من قضية اللاجئين، بل زاد في تصلب موقفها الرافض, وفي بيان حكومة نتنياهو في الكنيست في17/6/1996م، أعلنت حكومة الليكود أنها " ستعارض حق العودة للسكان العرب إلى أي جزء من أرض إسرائيل يقع غربي نهر الأردن". وهذا يعني رفض عودة اللاجئين والنازحين أيضاَ. كما أن باراك، رئيس الحكومة الإسرائيلية، أكد عشية مشاركته في مفاوضات كامب ديفيد الثانية مع السلطة الوطنية الفلسطينية في شهر تموز/ يوليو2000 م، على رفضه عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى إسرائيل, على حسب قوله. ()

المطلب الثالث

الخروقات المتعلقة بحرية التنقل والتجارة

                  فقد عالجت اتفاقية أوسلو بعض القضايا, ولكن إسرائيل أخلفت وعودها ونكلت عما اتفقت عليه, كإنشاء ميناء ومطار في غزة, وعدم التعرض للصيادين في قطاع غزة والمشاركة الفعلية للفلسطينيين في إدارة المعابر, وفتح الممر الآمن, والسماح بالتجارة الحرة لأهل قطاع غزة, والتوقف عن التحكم في حركة الفلسطينيين. كتصاريح الزيارة وغيرها, وها ما سنتناوله في فرعين مستقلين, الفرع الأول سنتكلم فيه عن الميناء والمطار وحرية التنقل, والفرع الثاني سنتكلم فيه عن إدارة المعابر والتجارة الحرة.

الفرع الأول

المينـــــاء والمطــــــار

أولاً: إقامة ميناء على شاطئ غزة وعدم التعرض للصيادين الفلسطينيين:

                    ففي إطار الاتفاقيات المختلفة التي تم إبرامها بين إسرائيل والفلسطينيين منذ بداية عملية أوسلو، تم الاتفاق المرة تلو الأخرى على أن يعمل الطرفان من أجل إنشاء ميناء بحري في غزة وتنظيم عمله في صيف العام 2000، وبدأت عمليات البنى التحتية لإنشاء الميناء، غير أنه في تشرين أول من تلك السنة، بعد اندلاع الانتفاضة الثانية، قامت طائرات سلاح الجو الإسرائيلي بقصف موقع البناء في الميناء, في أعقاب ذلك أوقفت الدول المانحة تبرعاتها للسلطة الفلسطينية لتمويل المشروع ولم يتم تجديد العمل مرة أخرى حتى هذا اليوم, وفي اتفاقية المعابر في العام 2005، وافقت إسرائيل على السماح بتجديد أعمال الإنشاء في الميناء, بالإضافة إلى ذلك، ومن أجل حث المتبرعين والمستثمرين الأجانب على الاستثمار في المشروع، فقد تعهدت إسرائيل في هذا الاتفاق بمنح ضمانات بعدم المس بالميناء مرة أخرى، وبأن تتعاون من أجل وضع الترتيبات الأمنية وغيرها الضرورية اللازمة لتشغيله, ولغاية الآن لم ينفذ شيء من هذا. ()

                    كما نصت "الاتفاقية المرحلية" " أوسلو " التي تم التوقيع عليها بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية على أن تتعهد إسرائيل بالسماح لسفن الصيد من غزة بالإبحار إلى مسافة20 ميل بحري تقريبا (حوالي 37 كيلومتر) من خط الشاطئ، باستثناء بعض المناطق التي حظر الوصول إليها مطلقاً. من الناحية العملية، لم تخصص إسرائيل تصاريح الإبحار لكل الطالبين، وسمحت بصيد الأسماك لمسافة تصل إلى10 أميــــــــــال بحرية على أكثر تقديــــــــر, وبعد الانفصال قلصت إسرائيل مجــــــــال الإبحار المسموح به أكثــــــــــر وأكثـــــــر، ومنذ خطف الجندي جلعـــــــــاد شاليط في25/6/2006، حددت مجال الإبحار بشريط قصير من الشاطئ لتتقلص المسافة إلى ثلاثة أميال فقــــــط, نتيجـــــــــة لذلك تلقى قطاع الصيد في غــــــــــزة ضربة قاسية، وهـــــــو مصدر الرزق للكثيرين من سكان القطـــــاع ومصدر الغذاء المهم لسكانـــــــــه. ()

ثانياً: إقامة مطار في غزة:

                أشير لأول مرة إلى إقامة مطار دولي وذلك في اتفاقية القاهرة في مايو1994 ( أوسلو2 ). وفي سبتمبر أيلول من نفس العام أصدر الرئيس الراحل ياسر عرفات مرسوماً رئاسياً رقم (رقم87-94) القاضي بتأسيس سلطة الطيران المدني الفلسطيني كهيئة مستقلة. ونص مشروع القرار على بناء مطارات وتأسيس وتشغيل الخطوط الجوية الفلسطينية. وبدأ العمل في البنية التحتية للمطار في يناير (كانون ثاني) 1996. وبعد ستة أشهر، هبطت طائرة الرئيس الفلسطيني الراحل التي عدت الأولى من نوعها التي تحط على أرض فلسطين بشكل غير رسمي، ولكنها حملت كثيراً من الرمزية, وفي أكتوبر (تشرين الأول) من العام نفسه أصدر عرفات المرسوم الرئاسي بتأسيس شركة الخطوط الجوية الفلسطينية للنقل الجوي، وبعد عام واحد استخدمت طائرات فلسطينية لنقل معتمرين وحجاج إلى مكة المكرمة انطلاقا من مصر. ()

               وبدأ التشغيل الرسمي لـمطار غزة الدولي، الذي أنشئ بدعم سعودي ومصري وألماني وياباني وإسباني، يوم الثلاثاء24 نوفمبر (تشرين الثاني)1998، بعد توقيع مذكرة « واي ريفر» التي نصت على السماح للخطوط الجوية الفلسطينية بالطيران من وإلى مصر والسعودية والإمارات العربية المتحدة ودولة قطر والمغرب وقبرص وتركيا وروسيا, وشارك الرئيس الأميركي بيل كلينتون آنذاك الرئيس الراحل عرفات في حفل افتتاح المطار، وحضر مسؤولون ومثقفون وفنانون مصريون عبر طائرات خاصة إلى غزة. ()

                وكانت إسرائيل قد أوقفته في أكتوبر عام2000 بعد اندلاع الانتفاضة الثانية، ثم قصفته ودمرته نهائياً في الرابع من سبتمبر2001. وبعدها بأيام، تعرض المطار لأعمال تجريف وتخريب للمدرج، تلاها قصف مبنى الرادار بشكل كامل. وفي15 ديسمبر (كانون الأول) من العام نفسه، دمرت إسرائيل المدرج كاملاً وألحقت أضراراً بالمطار، فأنهت حلماً فلسطينياً جميلاً, وفي اتفاقية المعابر في2005 جرى تضمين بند يقول: « تتفق الأطراف على أهمية المطار. سوف تستأنف المباحثات حول قضايا الترتيبات الأمنية والبناء والعمل ». لكن في26 يونيو (حزيران)2006، أعاد الجيش الإسرائيلي احتلال منشآت المطار واستخدامه كقاعدة عسكرية لعملياته في جنوب القطاع.

الفرع الثاني

الممر الآمن والمشاركة في إدارة المعابر والتجارة الحرة

أولاً: الوحدة الإقليمية وفتح الممر الآمن:

                  تنص الفقرة(1) من المادة(11) من اتفاقية واشنطن لعام1995 على أن: " ينظر الجانبان للضفة الغربية وقطاع غزة على أنهما وحدة إقليمية واحدة، وسيتم المحافظة على وضعها ووحدة أراضيها خلال المرحلة الانتقالية, يتفق الطرفان على أن منطقة الضفة الغربية وقطاع غزة، باستثناء القضايا التي سيتم التفاوض عليها في مفاوضات المرحلة النهائية, ستقع تحت ولاية المجلس الفلسطيني، وسيتم ذلك بشكل مرحلي خلال18 شهر من يوم تنصيب المجلس. () كما أكد اتفاق إعلان المبادئ على تلك الوحدة إذ أكدت الاتفاقية بشكل لا لبس فيه على أنه: " ينظر الطرفان إلى الضفة الغربية وقطاع غزة كوحدة جغرافية واحدة والتي سيحافظ على وحدتها خلال الفترة الانتقالية ". ()

                   كما أكدت الاتفاقيات المرحلية على أن: " بغية الحفاظ على الوحدة الإقليمية للضفة الغربية وقطاع غزة كوحدة إقليمية واحدة وتعزيز نموها الاقتصادي والروابط الديمغرافية والجغرافية فيما بينها, فإن كلا الطرفين سوف ينفذ أحكام هذ الملحق, بينما يحترم ويراعى بدون عوائق حركة الناس والمركبات والبضائع بشكل طبيعي وسهل داخل الضفة الغربية وبين الضفة الغربية وقطاع غزة ". ولتعزيز هذه الاعتبارات على أرض الواقع فقد نصت الاتفاقيات على وضع ترتيبات لمعبر آمن بين الضفة الغربية وقطاع غزة للأشخاص والمواصلات.

                   إلا أن إسرائيل لم تلتزم بما نصت عليه تلك الاتفاقيات وقامت بانتهاكات واضحة وجلية في هذا الجانب تمثلت في: ()

1 . الاستمرار في تأجيل وتعطيل اجتماعات الممر الآمن وتعرقل التوصل إلى اتفاق بشأنه.

2 . تقييد حرية حركة الأفراد بين الضفة الغربية وقطاع غزة باشتراطها كرت ممغنط لأهالي قطاع غزة, وتصريح خاص لأهالي الضفة الغربية لزيارة قطاع غزة. وتقييد حركة أهالي الضفة بين مدن الضفة ذاتها.

3 . منع حركة الطلاب إلى الضفة الغربية وحرمانهم من التعليم الجامعي في الضفة, وتعطيل حركة أساتذة الجامعات, ومن ثم تعطيل الدراسة لفترات طويلة.

4 . تقييد حركة انتقال المرضى إلى مستشفيات الضفة الغربية.

5 . فرض الحصار على الشعب الفلسطيني بمنع التواصل بين الضفة الغربية وقطاع غزة بشكل مطلق, مع فرض حصار من نوع آخر على المدن في الضفة الغربية على كل مدينة على حدة.

                  وينبغي أن نشير إلى أن هذه الإجراءات زادت حدتها بشكل جنوني وغير مسبوق بعد اندلاع انتفاضة الأقصى, حيث فرضت إسرائيل الحصار المشدد على الضفة والقطاع, ومنعت أي شكل من أشكال التواصل الاجتماعي والاقتصادي والثقافي بين سكان الضفة والقطاع, حتى المرضى لم يسلموا من هذا الحصار, وتم رفض السماح للكثير من المرضى من قطاع غزة للتوجه للعلاج في مستشفيات الضفة بحجة الرفض الأمني, كما زادت حدة الحصار بعد نجاح حركة حماس في الانتخابات التشريعية عام2006, ودخولها الحياة السياسية, وعلى الصعيد الآخر في الضفة الغربية تقوم إسرائيل وبشكل دائم بنصب الحواجز التفتيشية الدائمة والمؤقتة, والتي تعيق حركة السكان والبضائع, وتذيق الفلسطينيين أشد أنواع الذل والإهانة.

ثانياً: المشاركة في إدارة المعابر, وحرية التجارة للفلسطينيين:

أ . المعابر الحدودية:

                حدد إعلان المبادئ أمرين رئيسيين يحسمان سلفاً موضوع المعابر, الأمر الأول أن الأمن الخارجي, وبالتالي الأمن على طول الحدود سيبقى خلال المرحلة الانتقالية من صلاحيات إسرائيل. ()  ﻓﺈﺫﺍ كان ﺍﻷﻤﻥ ﻋﻠـﻰ ﻁﻭل ﺍﻟﺤﺩﻭﺩ بيد ﺇﺴﺭﺍﺌﻴل ﻓﺈﻨﻪ ﻤﻥ ﺍﻟﻁﺒﻴﻌﻲ ﺃﻥ ﺘﺒﻘﻰ ﺍﻟﺴﻴﻁﺭﺓ ﻋﻠـﻰ ﺍﻷﺸﺨﺎﺹ ﻭﺍﻟﺒﻀﺎﺌﻊ ﺍﻟﺘﻲ ﺘﻌﺒﺭ ﺍﻟﺤﺩﻭﺩ ﺒﻴﺩ ﺇﺴـﺭﺍﺌﻴل, ﻭﺍﻷﻤـﺭ ﺍﻟﺜـﺎﻨﻲ أن ﺍﻟﻌﻼﻗﺎﺕ ﺍﻟﺨﺎﺭﺠﻴﺔ ﺴﺘﺒﻘﻰ ﻤﻥ ﺼـﻼﺤﻴﺎﺕ ﺇﺴـﺭﺍﺌﻴل ﻁـﻭﺍل ﺍﻟﻤﺭﺤﻠـﺔ ﺍﻻﻨﺘﻘﺎﻟﻴﺔ, ﻭﺒﺎﻟﺘﺎﻟﻲ ﻓﺈﻥ ﻤﻨﺢ ﺘﺄﺸﻴﺭﺍﺕ ﺍﻟﺩﺨﻭل ﻭﺍﻟﺴﻴﻁﺭﺓ ﻋﻠﻰ ﺍﻷﺠﺎﻨـﺏ ﺍﻟﺫﻴﻥ ﻴﻌﺒﺭﻭﻥ ﺍﻟﺤﺩﻭﺩ ﻫﻭ ﻤﻥ ﺼﻠﺏ ﺍﻟﻌﻼﻗﺎﺕ ﺍﻟﺨﺎﺭﺠﻴﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﺍﺤﺘﻔﻅﺕ ﺒﻬﺎ ﺇﺴﺭﺍﺌﻴل ﺒﻤﻭﺠﺏ ﺇﻋﻼﻥ ﺍﻟﻤﺒﺎﺩﺉ, وقد جاء اتفاق المعابر منسجماً إلى حد كبير مع إعلان المبادئ, ونصت المادة الثامنة وهي التي تضمنت جميع الخطوط الأساسية والمبادئ العامة التي ستحكم ﺘﺭﺘﻴﺒﺎﺕ ﺍﻟﻤﻌﺎﺒﺭ ﻋﻠﻰ ﺃﻨـﻪ: " بينما تبقى إسرائيل مسؤولة خلال الفترة الانتقالية عن الأمن الخارجي, بما في ذلك على طول الحدود الأردنية المصرية, فإن عبور الحدود استناداً إلى الترتيبات التي تتضمنها هذه المادة, وهذه الترتيبات تهدف إلى خلق آلية دخول وخروج الناس والبضائع بما يعكس الواقع الجديد الي خلقه إعلان المبادئ في حين يتم توفير الأمن الكامل لكلا الطرفين ". ()

               ولكن المادة العاشرة من الملحق(1) من ( اتفاقية قطاع غزة ومنطقة أريحا ) لعام1994 نصت على التنسيق بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية حول المعابر بين قطاع غزة ومصر وبين أريحا والأردن وإلى أي معابر تعتبر دولية، مدرجة في الملحق رقم(1). () كما نص البند(4) من الملحق الثاني على أن الاتفاق سيتضمن ترتيبات من أجل التنسيق بين الطرفين في ما يتعلق بمعابر: ( غزة – مصر ) و ( أريحا – الأردن ). ()      

                مما سبق يتضح أن نصوص الاتفاقية المرحلية قد أعطت للفلسطينيين على الأقل حق المشاركة في إدارة المعابر, والتنسيق بين الإسرائيليين والفلسطينيين, وإن كان هذا لا يكفي, ولكن إسرائيل لم تلتزم بذلك, وقامت بالسيطرة الكاملة والتفرد بإدارة المعابر, والتحكم في دخول البضائع والأفراد, كما دأبت إسرائيل على فرض الطوق الأمني والإغلاق بحجج ودواعي أمنية واهية, كما اتخذت إسرائيل المعابر كمصيدة للفلسطينيين حيث تم اعتقال العشرات من الفلسطينيين، مرضى ورجال أعمال وطلاب، عند عبورهم هذه المعابر. علاوة على ذلك، لا تزال سلطات الاحتلال الإسرائيلي تمنع دخول مواد ضرورية لسكان قطاع غزة, كالمعادن والأخشاب والمواد الغذائية, ومواد البناء اللازمة لإعادة إعمار ما دمرته الحرب الاسرائيلية على قطاع غزة (صيف عام2014).



ب . حرية التجارة والتعاون الاقتصادي لسكان الضفة والقطاع:

               حيث نصت اتفاقية (غزة – أريحا) في البند(7) من الملحق الثالث بقولها: " يتفق الجانبان على إقامة لجنة مستمرة إسرائيلية فلسطينية للتعاون الاقتصادي تركز بين أمور أخرى على التالي": " ضرورة التعاون في مجال الصناعة بما في ذلك برامج التطوير الصناعي الذي سيوفر إنشاء مراكز إسرائيلية - فلسطينية مشتركة للبحث والتطوير الصناعي والذي سيشجع المشاريع المشتركة الفلسطينية الإسرائيلية ويضع الخطوط العامة للتعاون في صناعات النسيج والمنتجات الغذائية والأدوية الالكترونيات والألماس والصناعات القائمة على الكومبيوتر والعلوم ". كما نص البند الحادي عشر من اتفاقية أوسلو على أن يتم: " التعاون الإسرائيلي الفلسطيني في المجالات الاقتصادية اعترافاً بالمنفعة المتبادلة للتعاون بتشجيع تطوير الضفة الغربية وقطاع غزة وإسرائيل، وفور دخول إعلان المبادئ هذا حيّز التنفيذ، سيتم تشكيل لجنة تعاون اقتصادية فلسطينية إسرائيلية من أجل تطوير وتطبيق ضمن روح تعاونية، البرامج المشار إليها في البروتوكولات المرفقة كالملحق الثالث والملحق الرابع. () كما نص البند(6) من نفس الملحق على التعاون في مجال التجارة بما في ذلك الدراسات وبرامج النهوض بالتجارة بما يشجع التجارة الداخلية والإقليمية وما بين الإقليمية وكذلك دراسة جدوى إنشاء مناطق تجارة حرة في قطاع غزة وفي إسرائيل وحرية الوصول المتبادل إلى هذه المناطق والتعاون في مجالات أخرى تتعلق بالتجارة. ()

                 ولكن للأسف لم نرَ من هذه الوعود سوى الحبر على الورق, فقوات الاحتلال الاسرائيلي لم تنفذ وعودها, وعملت مراراً وتكراراً على مخالفة شروط البروتوكول، وخاصة السماح بحرية الحركة التجارية للفلسطينيين، والسماح للعمال الفلسطينيين بالعمل داخل إسرائيل، وإزالة القيود المفروضة على حركة الاشخاص والبضائع، وفتح المعابر الحدودية مع مصر والأردن، ودفع الإيرادات المالية للسلطة الفلسطينية في الوقت المناسب, مما زاد من تبعية الاقتصاد الفلسطيني لإرادة المحتل؛ وأدى ذلك إلى تفاقم الأزمة الاقتصادية, وزيادة معدلات الفقر والبطالة, وغلاء الأسعار وارتفاع تكاليف النقل.   





الرد السريع
كاتب المشاركة :
الموضوع :
النص : *