إنهاء إتفاقية اوسلوا- بقلم عبدالعزيز موسي شهاب

رسالة ماجستير-بقلم-عبدالعزيز موسي شهاب

المطلب الثاني

إنهاء اتفاقية أوسلو

                   إن إسرائيل تراجعت عملياً عن اتفاقية أوسلو على الأرض واعتبرت المرحلة الانتقالية هي المرحلة النهائية للاتفاقية, لعل المستوي الأمني في إسرائيل بالاتفاق مع المستوي الاستراتيجي أدركوا أن مجمل ما جاء من أوسلو من مراحل لا يحقق لإسرائيل ما تطمح له في دولة يهودية بين النهرين, فعملت على إعاقة كل أمل لحل نهائي للصراع على أساس الاتفاقيات والمرجعيات الدولية, فإن كانت أوسلو قد أوجدت سلطة فلسطينية محدودة الصلاحيات وعلم فلسطيني وعززت من الاعتراف الدولي بالقضية الفلسطينية لكن هذا لا يحقق حق تقرير المصير ولا يحقق طموحات الشعب في دولة مستقلة وعاصمتها القدس الشرقية, لذلك تم حصار السلطة الفلسطينية وإعاقة تحولها لدولة بأي شكل من الأشكال, ومما زاد الصدمة لدى القيادة الإسرائيلية عندما أقرت الامم المتحدة فلسطين دولة مراقب في الأمم المتحدة وبالتالي أصبحت فلسطين الدولة الوحيدة الباقية تحت الاحتلال. ()

                 فنحن أمام تغير سياسي فلسطيني كبير ربما يكون نتاجه انتهاء اتفاقية أوسلو وتغير العلاقة مع إسرائيل. فإسرائيل لا تكف عن ممارساتها العمياء من تهويد واستيطان وقتل وحصار للضفة الغربية وقطاع غزة وتمعن في الاحتلال, ولا نية لها بإنهاء الاحتلال استجابة لمتطلبات السلام العادل واستقرار المنطقة مما قد يضطر الرئيس " محمود عباس " بإنذار العالم بانتهاء اتفاقية أوسلو, وذلك لتحميل العالم مسؤولية ما تقوم به اسرائيل من استيطان وتهويد وتقسيم, لأن العالم لا يمتلك حلول اليوم للصراع وأصبح عاجزاً بفعل الهيمنة الأمريكية على رعاية عملية السلام وغير قادر على تقديم أية حلول منطقية وفرض العدالة الدولية لإنهاء الاحتلال, وبالتالي أصبح أمام العالم أن يتوقع تلك المفاجأة ويستعد لها مع العلم أن الفلسطينيين قد باتوا أمام خيار لا رجعة فيه وهو أن يضعوا جدول زمنى لانتهاء أوسلو على طاولة الهيئات والمؤسسات الدولية, وهذا سيكون بمثابة قنبلة تحدث حراك دولي واسع برعاية الرباعية الدولية وبعض دول المنطقة يدفع باتجاه تشكيل لجنة دولية على غرار5 + 1 لإجراء مفاوضات دولية مع إسرائيل لإنهاء الاحتلال والسعي لمنح حق تقرير المصير للفلسطينيين الذين لا يطلبون أكثر من مساواتهم بكل شعوب العالم الحر.

                 وفي هذا المطلب سنقوم بدراسة الأسباب القانونية التي ينبغي أن تستند إليها القيادة الفلسطينية في حال قررت إنهاء الاتفاقية بإرادتها المنفردة, مع المفاضلة بين تلك الأسباب من حيث القوة القانونية, فمن المتفق عليه أن هناك أسباب اتفاقية للانسحاب من المعاهدات الدولية وهناك أسباب خارجية, ولا داعي هنا لتفصيل ذلك حيث إننا فصلنا تلك الأسباب في الفصل الأول من هذا البحث. وما يهمنا في هذا المطلب بيان الأسباب التي تنطبق على الحالة الفلسطينية, وهي انتهاء الأجل, وتغير الظروف, والإخلال بأحكام المعاهدة, والحرب, وهذا ما سندرسه في أربعة فروع مستقلة, كما سيأتي:

الفرع الأول

انتهـــاء الأجــــــــــل

                   يشكل عامل الزمن الوضع المعتاد لنهاية المعاهدة, وتنعقد بعض المعاهدات كتلك المنشئة للمنظمات الدولية لمدة غير محدودة أي بدون تحديد مدة سريانها بأجل معين ويفترض انطباقها في هذه الحالة بصفة دائمة, غير أن المعاهدة تنص عادةً على توقيت سريانها بأجل معين, بحيث ينتهي الالتزام بأحكامها حكماً بحلول هذا الأجل, وقد يكون الأجل مضروباً للمعاهدة ككل أو لبند خاص فيها كبند استئجار جزء معين من إقليم الدولة. والأجل يمكن أن يتحدد بتاريخ معين ولكنه في معظم الأحيان يتحدد بعدد معين من السنوات قد يصل إلى 99 عاماً. ()  فمن المتفق عليه في القانون الدولي أن المعاهدة تنتهي بحلول الموعد المحدد لانتهائها في نصها, حينما تبرم لمدة زمنية محدودة, ويحدث غالباً أن يقترن ذلك الحكم بشرط التجديد الضمني حيث يشار إلى تجديد المعاهدة إلى أجل آخر, إذا لم يعلن أحد أطرافها عن رغبته في انقضاء المعاهدة في تاريخ معين قبل حلول الأجل المحدد لانقضائها, وقد يكون التجديد لمدة محدودة أو بغير تحديد لتلك المدة. ()

                 وبالرجوع إلى نصوص اتفاقية أوسلو ومبادئها يتبين لنا جلياً أن اتفاق أوسلو كان اتفاقاً انتقالياً مؤقتاً وضع لمرحلة انتقالية مؤقتة لا تتجاوز 5 سنوات وهذا نصاً واضحاً في الاتفاق شأنه في ذلك شأن الاتفاق السياسي الذي كان مقدراً له أن ينتهي عام 1999 ليحل محله اتفاق دائم. ()  ويتضح ذلك من خلال نصوص الاتفاقية, حيث تنص المادة (1) من الاتفاقية على: " إن هدف المفاوضات الإسرائيلية – الفلسطينية ضمن إطار عملية السلام الحالية في الشرق الأوسط هو من بين أمور أخرى، إقامة سلطة حكومة ذاتية انتقالية فلسطينية، المجلس المنتخب ( المجلس )، للشعب الفلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة لفترة انتقالية لا تتجاوز الخمس سنوات، وتؤدي إلى تسوية دائمة تقوم على أساس قراري مجلس الأمن 242 و338. من المفهوم أن الترتيبات الانتقالية هي جزء لا يتجزأ من عملية السلام بمجملها وأن المفاوضات حول الوضع الدائم ستؤدي إلى تطبيق قراري مجلس الأمن 242 و338 ". كما تؤكد المادة(2) على إطار الفترة الانتقالية بقولها: " إن الإطار المتفق عليه للفترة الانتقالية مبين في إعلان المبادئ هذا ". وتنص المادة(5) أيضاً على تاريخ بدء الفترة الانتقالية ومفاوضات الوضع الدائم بقولها أن: ()

3. تبدأ فترة السنوات الخمس الانتقالية فور الانسحاب من قطاع غزة ومنطقة أريحا.

4. سوف تبدأ مفاوضات الوضع الدائم بين حكومة إسرائيل وممثلي الشعب الفلسطيني في أقرب وقت ممكن، ولكن بما لا يتعدى ذلك بداية السنة الثالثة من الفترة الانتقالية.

               من خلال ما تقدم, يتضح لنا بأن اتفاقية أوسلو تندرج ضمن الاتفاقيات الثنائية المحددة المدة, والتي وردت مدتها بنصوص صريحة في بنود الاتفاقية وهي(5) سنوات, وبالتالي فهي في حكم المنتهية قانونياً منذ عام 1999 وهو تاريخ انتهاء الفترة الانتقالية وتعثر المفاوضات ووصولها إلى طريق مسدود, وكل ما في الأمر أن الطرفان الفلسطيني والإسرائيلي استمرا في تمديد فترة المفاوضات بشكل متقطع دون النص صراحةً أو ضمناً على تمديد مدة الاتفاقية. الأمر الذي ينبغي على القيادة الفلسطينية أن تتحرر من التزاماتها الواردة في الاتفاقية وإنهائها من طرف واحد, نظراً للإخلال الجوهري والممنهج لبنود الاتفاقية من قبل دولة الاحتلال الإسرائيلي, ونظراً لانتهاء مدتها القانونية, وعدم قيام الطرفان الفلسطيني والإسرائيلي بتجديد هذه المدة باتفاقهم الصريح أو الضمني.    

               وفي سابقة فريدة من نوعها أصدرت محكمة صلح جنين في القضية الجزائية رقم (885/2014) في الجلسة المنعقدة بتاريخ 11/1/2015 حكماً قضائياً هاماً يقضي برفض تطبيق اتفاقية أوسلو لانتهاء مدتها، وبوجوب محاكمة حملة الجنسية الإسرائيلية الذين يرتبكون جرائم على أراضي الدولة الفلسطينية. حيث أنّ النيابة العامة كانت قد أحالت إلى محكمة صلح جنين هيئة القاضي أحمد الأشقر أحد المتهمين من حملة الجنسية الإسرائيلية لمحاكمته عن قضية جزائية الأمر الذي دفع المتهم إلى الطعن بعدم اختصاص المحاكم الفلسطينية بالاستناد إلى اتفاقية أوسلو، وقررت المحكمة رد هذا الدفع حيث رأت في قرارها أنّ اتفاقية أوسلو حملت بذور فنائها بنفسها لكونها ذات طبيعة مؤقتة ومحدودة الأجل، ومقصورة على ترتيبات المرحلة الانتقالية التي تمتد لخمس سنوات من تاريخ سريان ونفاذ الاتفاقية والتي لم يتم تمديدها صراحةً أو ضمناً في الاتفاقيات اللاحقة، وهذا ما يقود إلى القول أنّ سريان اتفاقية أوسلو قد انتهى منذ سنوات مضت، علاوة على أنّ فلسطين قد نالت صفة دولة مراقب في هيئة الأمم المتحدة وانضمت بهذه الصفة إلى الاتفاقيات والمعاهدات الدولية والتي كان آخرها الانضمام إلى ميثاق روما المنشئ للمحكمة الجنائية الدولية. ويرى خبراء قانونيين أن هذا القرار يعتبر تحولاً كبيراً في موقف القضاء الفلسطيني المتوقع أن يتصاعد في كافة المحاكم الفلسطينية، ويعد أحد أشكال الاشتباك القانوني مع الاحتلال بعد حصول فلسطين على اعتراف دول العالم وانضمامها إلى عشرات المعاهدات والاتفاقيات الدولية والتي كان آخرها الانضمام إلى ميثاق روما. ()

الفرع الثاني

الإخلال الجوهري بأحكام الاتفاقية

                 إن وجود المعاهدة الدولية يعني وجود الالتزامات المتبادلة التي يقع على الأطراف تنفيذها, وإن امتناع أحدهم عن التنفيذ يؤدي إلى الاخلال بأحكامها, مما يخول الطرف الآخر التحلل من التزاماته والاحتجاج  بذلك كسبب لإنهاء المعاهدة, أو إيقاف العمل بها, فإعلان أحد أطراف المعاهدة الثنائية عن قراره بالتحلل من التزاماته التعاهدية لمواجهة إخلال الطرف الآخر بها إخلالاً جوهرياً, يعني إنهاء المعاهدة ( أي فسخها أو إيقاف العمل بهــــا بإرادتـــه المنفــردة ). أما في المعاهدة الجماعية فإن الإخلال الجوهري بأحكامها من جانب أحد أطرافها, يخول الطرف الذي تأثر بصورة خاصة من ذلك الإخلال التمسك به لإنهاء المعاهدة أو إيقاف العمل بها في العلاقة بينه وبين الطرف الذي أخل بالتزاماته. ()

كما أن لجميع الأطراف الآخرين منفردين أو مجتمعين الإعلان عن إنهاء المعاهدة أو إيقاف العمل بها:

1 . في حدود العلاقة بين كل منهم من جهة, وبين من أخل بأحكام المعاهدة.

2 . أو في العلاقة بين جميع أطراف المعاهدة.

                  وقد جاءت المادة(60) من اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات لعام1969 لتفصل موضوع الإخلال الجوهري بأحكام المعاهدة, وهذا ما ذكرناه وفصلناه في الفصل الأول من هذا البحث, فلا داعي لتفصيله هنا, ولكن من الأهمية بمكان أن نذكر ما نصت عليه المادة(60) من الاتفاقية بخصوص شروط إنهاء المعاهدة بناءً على الإخلال الجوهري عندما نصت بقولها: " ولغرض إنهاء المعاهدة الدولية نتيجة إخلال الطرف الآخر بها,           يشترط ": ()

1 . أن يكون إخلال الطرف الآخر بها جوهرياً. وقد حددت المادة(60) من اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات لعام1969 في فقرتها الثالثة معنى الإخلال الجوهري حيث نصت على أن: " التنصل من المعاهدة بما لا تجيزه هذه الاتفاقية، أو مخالفة نص أساسي لتحقيق موضوع المعاهدة والغرض منها ". ()

2 . ألا تتعلق الأحكام التي يراد إنهاؤها أو إيقاف العمل بها, بالحماية المقررة للأشخاص في المعاهدات ذات الطابع الإنساني, وبخاصة الأحكام التي تحظر أي شكل من أشكال الانتقام من الأشخاص المحميين بموجب تلك المعاهدات. حيث لا يجوز تعطيل العمل بمثل هذه الأحكام, ولو كان الطرف الآخر قد أخل بها إخلالاً جوهرياً.

                  ويلاحظ أنه لا يجوز أن يتخذ الإخلال ذريعة لإنهاء المعاهدة إلا إذا كان يتناول التزاماً أساسياً فيها وبعد إثبات حدوثه حقاً, ويلاحظ كذلك أن فسخ المعاهدة بحجة الإخلال بها يجب أن يتم أو يطالب به على أثر حدوث الإخلال, فإن تباطأت الدولة التي حصل الإخلال إضراراً بها في الفسخ أو سكتت عن الإخلال وقتاً من الزمن استمرت فيه بالرغم منه بالقيام بتعهداتها, عد ذلك بمثابة تسامح منها ولا يجوز لها أن تعود فيما بعد إلى المطالبة في الفسخ استناداً إلى الإخلال السابق, ما لم يستمر هذا الإخلال أو يتكرر. ()

                   وبالرجوع إلى نصوص اتفاقية أوسلو والتي هي موضوع بحثنا, نرى بأن إسرائيل أخلت إخلالاً واضحاً جوهرياً بأحكام وبنود الاتفاقية منذ التوقيع عليها وحتى يومنا هذا, ونكلت عن وعودها التي وعدت بها ووقعت عليها, ولم تكف القيادة الفلسطينية يوماً من الأيام عن مطالبة إسرائيل بتنفيذ وعودها وتطبيق الاتفاقية, كما دأبت على مطالبة الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي والعالم أجمع بالضغط على دولة الاحتلال في جميع المحافل والمؤتمرات والمناسبات الدولية, أملاً في محاولة إقناع إسرائيل بتصحيح مسارها الذي بدأته بالتوقيع على اتفاقية أوسلو, والسير قدماً في تنفيذ أحكام الاتفاقية بشكل صحيح وسليم, إلا أن إسرائيل ضربت بعرض الحائط كل المحاولات الفلسطينية والدولية لرأب الصدع وتسوية الأزمة والعودة للمفاوضات وتطبيق بنود الاتفاقية, وتنكرت للمطالب الفلسطينية, واستمرت إسرائيل بإخلالها وانتهاكها الصارخ للاتفاقية, مما دفع القيادة الفلسطينية للتلويح مراراً وتكراراً بعدم تنفيذ الالتزامات الملقاة على عاتقها بموجب الاتفاقية, والتهديد بالانسحاب من الاتفاقية في عدة مناسبات دولية كان آخرها في هيئة الأمم المتحدة.

               وإن كانت القيادة الفلسطينية قد استنفذت كل المحاولات الودية والسلمية لثني الاحتلال عن مواصلة انتهاكه لأحكام الاتفاقية, وقدمت الاعتراضات والشكاوي في كثير من الحالات للمنظمات الدولية والإقليمية وهيئات حقوق الإنسان, والمجتمع الدولي, ولم تقم باستخدام حقها بإنهاء الاتفاقية منذ قيام إسرائيل بالإخلال الجوهري لأحكامها, منذ بداية تنفيذها, إلا أن ذلك لا يسقط الحق القانوني للفلسطينيين بإنهاء الاتفاقية نظراً للإخلال الدائم والمتكرر والمستمر حتى يومنا هذا من قبل دولة الاحتلال, مما يعطي الفلسطينيين إمكانية إنهاء الاتفاقية متى شاءت وفي أي وقت.  

               ونحن نرى ونتوقع بأن القيادة الفلسطينية لا بد لها من كلمة قوية وجريئة, تعلن فيها إنهاء اتفاقية أوسلو بإرادتها المنفردة, وإزالة كل تبعاتها وآثارها السيئة, على الرغم من خطورة الأمر وأبعاده الصعبة. لعل من شأن ذلك أن يحرك المجتمع الدولي للضغط على إسرائيل لتنفيذ مطالب الشعب الفلسطيني المشروعة, وحقه في إقامة دولة فلسطينية عاصمتها القدس الشريف على حدود عام 1967, والسير قدماً في إيجاد تسوية دائمة ونهائية وحل عادل للقضية الفلسطينية.  

               وسنذكر على وجه السرعة والاختصار بعضاً من هذا الإخلال تاركين تفصيل تلك الانتهاكات للمبحث الثالث من هذا الفصل, والذي يتكلم عن الانتهاكات الإسرائيلية لاتفاقية أوسلو. فمن أهم البنود التي لم تنفذها إسرائيل بعد أن وقعت عليها ما يأتي: ()

1 . إطلاق سراح الأسرى والمعتقلين, والتوقف عن اعتقال الفلسطينيين بعد تاريخ13/9/1993.

2 . عودة جميع النازحين والمبعدين الفلسطينيين إلى أرض الوطن.

3 . السماح بإنشاء مطار غزة, وقد سمحت إسرائيل بإنشائه, ولكنه عمل قليلاً ثم أوقفته وقامت بتجريفه وتدميره مع بداية انتفاضة الأقصى عام 2000, والسماح للفلسطينيين بإقامة ميناء على شاطئ بحر غزة. وعدم التعرض للصيادين في قطاع غزة, ومازالت إسرائيل تمنع إقامة الميناء منذ توقيع الاتفاقية حتى يومنا هذا.

4 . المشاركة الفعلية للفلسطينيين في إدارة المعابر, والسماح بالتجارة الحرة لأهل قطاع غزة, والتوقف عن التحكم في حركة الفلسطينيين كتصاريح الزيارة وغيرها, وافتتاح الممر الآمن الذي لم يفتح بشكل جدي حتى الآن.  

5 . التوقف عن إهانة الفلسطينيين وإثارتهم والاحتكاك بهم, والتوقف عن لغة التهديد, والتوقف عن فرض الطوق الأمني الذي ما زال يفرض بناءً على أخبار كاذبة وملفقة.

6 . التوقف عن توسيع المستوطنات, وعدم إدخال أسلحة ثقيلة للمستوطنات كالدبابات والصواريخ والمدافع, وعدم توسيع البؤر الاستيطانية أو إنشاء مستوطنات جديدة, وعدم اتخاذ بعض المواقع التي سمح ببقائها مكاناً لتجمع المتطرفين مثل قبر يوسف وقبة راحيل.

7 . استمرار إخلاء المواقع, واستمرار الانسحاب من المدن, والاستمرار في تحويل المناطق المصنفة ج إلى ب وب إلى أ, وإزالة كل الحواجز بين المناطق الفلسطينية.

8 . التوقف عن السيطرة على المياه.

9 . التوقف عن تهويد القدس, والتوقف عن تدنيس المسجد الأقصى, وعدم التعرض للمؤسسات المدنية الفلسطينية في القدس.

10 . إصدار نقد فلسطيني, وتسليم الضرائب المحصلة للفلسطينيين أولاً بأول.

11 . السماح بمظاهر السيادة للسلطة الفلسطينية, والتي ما زالت تقف في وجه أي مظهر لذلك.

12 . الدخول في مفاوضات الوضع النهائي بعد مرور ثلاث سنوات من الاتفاقية, أي في عام1996, وما زالت إسرائيل تتهرب من هذه المباحثات حتى يومنا هذا.

               فبعد كل هذه الخروقات والانتهاكات الجسيمة لأحكام ونصوص الاتفاقية, يبقى التساؤل , إذا لم تشكل هذه الانتهاكات إخلالاً جوهرياً. فما هو الإخلال الجوهري إذاً؟ إن ما ذكرته من انتهاكات هو غيض من فيض من المعاناة اليومية والنفسية لأبناء الشعب الفلسطيني, والتي نتجت عن عدم التزام إسرائيل بأحكام هذه الاتفاقية, والتي لا يجرأ أحد على ثنيها عن ممارساتها الهمجية واللاإنسانية تجاه الشعب الفلسطيني, والذي لا يطالب سوى بتنفيذ هذا الاتفاق تنفيذاً عادلاً, والوصول لمرحلته النهائية لإحلال السلام العادل وتلبية طموح وتطلعات هذا الشعب المكلوم.

               لكل ما تقدم يمكننا القول بأن اتفاقية أوسلو قد أصابتها الهشاشة منذ ولادتها, نظراً لعدم تنفيذها تنفيذاً جدياً من قبل إسرائيل, وبسبب الإخلال الجوهري الواضح لبنودها وأحكامها من قبل دولة الاحتلال, الأمر الذي يبيح ويبرر إمكانية إنهائها بالإرادة المنفردة, والتحلل من التزاماتها بالنسبة للطرف الفلسطيني, حيث إنَ ذلك ممكن وجائز قانوناً من وجهة نظر القانون الدولي, وبناءً على أحكام اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات لعام1969.         

الفرع الثالث

التـغيـــر الجوهري للـظـــروف

أولاً: نظرية تغير الظروف:             

                  يقصد بنظرية التغير الجوهري في الظروف, هي تلك النظرية التي ترى بأن التغير الأساسي في الظروف التي أدت إلى إبرام الاتفاق, أو التي كانت محل اعتبار عند إبرامه, يؤدي إلى انقضاء الاتفاق الدولي, أو على الأقل يؤثر في قوته الالزامية. ويعلل ذلك بأن الاتفاق يبرم في ظروف معينة, وهذه الظروف هي التي تحكم صلاحيته ونفاذه, فإذا ما تغيرت تلك الأوضاع في فترة ما بعد إبرام الاتفاق الدولي تغييراً جوهرياً, ترتب على ذلك فقدان الاتفاق لقوته الملزمة, أي انقضاؤه. () وقد انقسم الفقه بصدد هذه النظرية إلى اتجاهين رئيسيين هما: ()

الاتجاه الأول: ثمة فقهاء يرون أن كافة المعاهدات غير محددة المدة تشتمل على شرط ضمني يجيز لأي من الأطراف فسخها في حالة تغير الظروف تغيراً جوهرياً.

الاتجاه الثاني: ثمة فقهاء يرون أن الأثر القانوني المترتب على تغير الظروف ينحصر في التزام كافة أطراف المعاهدة بقبول التفاوض مع الطرف المتضرر –  إذا طلب ذلك – من أجل محاولة الوصول إلى اتفاق من شأنه تعديل المعاهدة على نحو يتمشى مع الظروف الجديدة, ويرى هذا الفريق من الفقهاء أن القول بوجود شرط ضمني في المعاهدات غير محددة المدة يجيز لأي طرف من الأطراف فسخها في حالة تغير الظروف, قول لا يستند إلى أساس سليم, إذ إنه مجرد افتراض لا يوجد ما يثبته, ومن شأن الأخذ به فتح الباب أمام الدول للتخلص بإرادتها المنفردة من التزاماتها التعاقدية كلما راق لها ذلك بدعوى أن الظروف قد تغيرت, الأمر الذي يخل بالثقة والطمأنينة ويفقد العلاقات الدولية ثباتها واستمرارها.

                 وقد تعرضت اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات لعام1969 في المادة(62) لمسألة تغير الظروف حيث نصت في الفقرة الأولى من هذه المادة على الشروط التي يجب أن تتوفر لإمكانية الاحتجاج بالتغير في الظروف, حيث نصت بقولها: " لا يجوز الاحتجاج بالتغيير الجوهري غير المتوقع في الظروف التي كانت سائدة عند عقد المعاهدة كأساس لانقضائها أو الانسحاب منها إلا بتحقق الشرطين الآتيين ": ()

(أ) أن يكون وجود هذه الظروف قد مثَل سبباً رئيسياً لرضا الأطراف الالتزام بالمعاهدة.

(ب) أن يكون من شأن التغيير أن يبدل بصورة جذرية في مدى الالتزامات التي ما زال من الواجب القيام بها بموجب المعاهدة.         

                  كما ونصت الفقرة الثانية من المادة ذاتها على الحالات التي لا يجوز فيها الاحتجاج بالتغير الجوهري في الظروف, حيث نصت بقولها: " لا يجوز الاحتجاج بالتغيير الجوهري في الظروف كأساس لانقضاء المعاهدة أو الانسحاب منها في إحدى الحالتين الآتيتين ": ()

(أ) إذا كانت المعاهدة تنشئ حدوداً .

(ب) إذا كان التغيير الجوهري في الظروف نـاتجاً عن إخلال الطرف الذي يتمسك به إما بالتزام يقع عليه في ظل المعاهدة أو بأي التزام دولي آخر مستحق لطرف آخر في المعاهدة .

                 كما ونصت الفقرة الثالثة من ذات المادة على أنه إذا كان للطرف، طبقاً للفقـرات السابقة، أن يتمسك بالتغيير الجوهري في الظروف كأساس لانقضاء المعاهدة أو الانسحـاب منها فيجوز له أيضاً التمسك بالتغيير كأساس لإيقاف العمل بالمعاهدة. ()

                 وقد انقسم فقهاء القانون الدولي في تفسيرهم وفهمهم للمادة(62) سابقة الذكر, حيث يرى البعض أن اتفاقية فيينا لم تأخذ بوجهة النظر القائلة بوجود شرط ضمني يجيز لأي من الأطراف فسخها في حالة تغير الظروف تغيراً جوهرياً, وأن ما اشتملت عليه من أحكام تتعلق بتغير الظروف لا يختلف كثيراً عن وجهة النظر القائلة بأن الأثر القانوني لتغير الظروف إنما ينحصر في التزام أطراف المعاهدة بالتفاوض مع الطرف المتضرر من أجل محاولة الوصول إلى اتفاق حول تعديلها على نحو يتناسب مع الظروف المتغيرة, وكل ما أضافته اتفاقية فيينا إلى وجهة النظر المتقدمة, هو وجوب الالتجاء إلى التوفيق – أو غيره من طرق حل المنازعات بالطرق السلمية – إذا لم يتيسر حل المشكلة عن طريق التفاوض في شأنها. ()

                بينما يرى البعض – وهذا ما نؤيده وبحق - أنه يتضح من نص المادة المذكورة أن اتفاقية فيينا أجازت لأي طرف من الأطراف التمسك بالتغير الجوهري في الظروف لإلغاء المعاهدة والانسحاب منها, والتغير الذي يجيز ذلك هو التغير الجوهري الذي قد يصل كما قررت محكمة العدل الدولية في2 فبراير1973 في قضية المصايد الأيسلندية, إلى أن يهدد بالخطر وجود أحد أطراف المعاهدة أو يمس مصالحه الحيوية, كما أجازت الفقرة (2) المادة(62) سالفة الذكر تطبيق مبدأ التغير الجوهري في الظروف على كل المعاهدات بما في ذلك المعاهدات المحددة المدة إذا توافرت شروط التغير الجوهري. لكنها استثنت في نفس الوقت, تطبيق هذا الحكم في الحالة التي يكون التغير الجوهري في الظروف نتيجة إخلال الطرف الذي يدفع به, أو كانت المعاهدة منشئة للحدود. ()   

               يتضح مما سبق أن التغير الجوهري في الظروف وفي جميع الأحوال يعطي للطرف الذي يحق له التمسك به الحق في إلغاء المعاهدة أو مجرد إيقاف العمل بها, على أنه يتعين اتباع الإجراءات الخاصة الواجبة الاتباع في حالات البطلان أو الإنهاء أو الانسحاب أو إيقاف العمل بالمعاهدة, وهذه الإجراءات وردت في اتفاقية فيينا, وسنوردها في الفصل الثالث من هذا البحث.

ثانياً: أثر تغير الظروف على اتفاقية أوسلو:

                إن المتابع للشأن الفلسطيني منذ توقيع اتفاقية أوسلو عام1993 وحتى يومنا هذا, يرى بأن هناك تحولات ومتغيرات مفصلية, وأحداث ذات أهمية حدثت خلال هذه الفترة, أثرت بشكل أو بآخر على الاتفاقية وإمكانية تنفيذها سواءً على مستوى الطرف الفلسطيني أو حتى الإسرائيلي. من شأن هذه المتغيرات أن تعتبر تغيراً جوهرياً في الظروف يبيح للقيادة الفلسطينية الانسحاب من اتفاقية أوسلو بناءً عليها, بحيث أثرت هذه الظروف تأثيراً سلبياً وإيجابياً في آن واحد على أطراف الاتفاقية, وخاصة على الطرف الفلسطيني, وعلى مصالحه الحيوية, وعلى استمراره في تنفيذ الاتفاقية, كما وأدت إلى تغير في موازين القوى بين الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي لصالح الطرف الفلسطيني بالمقارنة مع وضعه قبيل توقيع اتفاقية أوسلو, وخاصة على الصعيد السياسي والدبلوماسي, وتمثل ذلك من خلال زيادة التمثيل الدولي لدولة فلسطين, والانضمام للمنظمات والاتفاقيات والمواثيق الدولية, ولو وجدت هذه الظروف والمتغيرات قبل توقيع الاتفاقية لربما أثرت بشكل أو بآخر على مجريات المفاوضات ونتائج الاتفاقية, وتنقسم هذه الظروف ضمن عدة محاور إلى:

أولاً: المحور السياسي:

1 - نجاح حركة حماس في الانتخابات التشريعية عام 2006:

                بعد أن تم الاتفاق في إعلان القاهرة على إجراء الانتخابات التشريعية الفلسطينية الثانية, وتغيير النظام الانتخابي, قررت حركة حماس خوض الانتخابات التشريعية عام2006, مما أدى لفوز الحركة الكاسح بأغلبية المقاعد النيابية في انتخابات حرة ونزيهة, وكانت حماس قد غيرت من موقفها المتصلب من دخول الانتخابات, حيث كانت قد رفضت الدخول في النظام السياسي الفلسطيني, والمشاركة في انتخابات الحكم الذاتي عام1996, حيث عبرت الحركة أنها تؤمن بالانتخاب سبيلاً لفرز القيادة السياسية للشعب الفلسطيني على ألا تكون تحت سقف أوسلو وطابا, وكانت من أشد المعارضين لاتفاقية أوسلو, ودخلت في صراع طويل مع السلطة الفلسطينية بعد أوسلو.

              وكان من أثر ذلك على اتفاقية أوسلو دخول حركة حماس سدة الحكم, والتي كانت تمثل المعارضة الفلسطينية, وكانت تعتبر من أشد أعداء أوسلو. الأمر الذي أدى إلى عدم قبول إسرائيل والمجتمع الدولي بنتيجة الانتخابات, وقامت إسرائيل بفرض حصار خانق على الأراضي الفلسطينية, واشتد هذا الحصار على قطاع غزة وخاصة بعد سيطرة حماس على القطاع صيف 2007.

2 - الانقسام الفلسطيني عام 2007:

                لا شك أن أحداث حزيران2007 والتي تمثلت بسيطرة حركة حماس على السلطة في قطاع غزة بقوة السلاح قد أوجد المشهد السياسي الفلسطيني بسلطتين تشريعية وتنفيذية وقضائية، إحداهما في الضفة الغربية بقيادة منظمة التحرير الفلسطينية وحركة فتح، والآخر في قطاع غزة بقيادة حركة حماس وبعض الفصائل المنضوية تحت رايتها، كلاهما يمتلكان القوة الأمنية والعسكرية للسيطرة على المشهد السياسي والعسكري والاقتصادي للحفاظ على سلطتهما.

                وكان من أثر ذلك على اتفاقية أوسلو أن السلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير, واللتان تعتبران الشريك لإسرائيل في توقيع اتفاقية أوسلو قد فقدتا السيطرة الأمنية والسياسية على جزء هام من إقليم الدولة الفلسطينية, ذلك الجزء الذي لا يتجزأ من الإقليم الفلسطيني, مما أعاق استمرار تنفيذ الاتفاقية من قبل السلطة الفلسطينية على هذا الإقليم الحيوي وعلى سكان هذا الإقليم لفترة10 سنوات وحتى يومنا هذا.

ثانياً: المحور العسكري أو الاستراتيجي:

1 - الانسحاب الإسرائيلي أحادي الجانب من قطاع غزة عام 2005:

                 ﺑدأت إﺳراﺋﻳﻝ ﺑﺎﻻﻧﺳﺣﺎب ﻣن ﻗطﺎع ﻏزة عام2005 وﻓق ﺧطﺔ رئيس الوزراء الإسرائيلي أرئيل ﺷﺎرون، ﺣﻳث ﻗﺎﻣت ﺑﺈﺧﻼء اﻟﻣﺳﺗوطﻧﺎت اﻹﺳراﺋﻳﻠﻳﺔ واﻟﻣواﻗﻊ اﻟﻌﺳﻛرﻳﺔ ﻟﻠﺟﻳش اﻹﺳراﺋﻳﻠﻲ ﻣن ﻗطﺎع ﻏزة, وﻣﻌﺑر رﻓﺢ اﻟﺑري ﻋﻠﻰ اﻟﺣدود اﻟﺟﻧوﺑﻳﺔ ﻟﻘطﺎع ﻏزة ﻣﻊ ﺟﻣﻬورﻳﺔ ﻣﺻر اﻟﻌرﺑﻳﺔ, وﻗد ﺗم إﺧﻼء ﻗطﺎع ﻏزة ﻣن اﻟﻣﺳﺗوطﻧﻳن واﻟﻘوات اﻟﻌﺳﻛرﻳﺔ ﺗﻣﺎﻣﺎً في12( أﻳﻠوﻝ) ﺳﺑﺗﻣﺑر من العام2005 وأﻋﺎدت ﺗﻠك اﻟﻘوات اﻧﺗﺷﺎرﻫﺎ ﻣن ﺟدﻳد ﺧﺎرج ﺣدود اﻟﻘطﺎع اﻟﺷﻣﺎﻟﻳﺔ واﻟﺷرﻗﻳﺔ، ﻓﻳﻣﺎ أﺑﻘت ﺳﻳطرﺗﻬﺎ ﻋﻠﻰ ﻣﻌﺎﺑر اﻟﻘطﺎع اﻹﻗﻠﻳﻣﻳﺔ وﻋﻠﻰ أﺟواﺋﻪ وﻣﻳﺎﻫﻪ، وﻣﻊ اﺳﺗﻛﻣﺎﻝ  ﺧطوة اﻻﻧﺳﺣﺎب الأحادي اﻟﺗﻲ أطﻠق ﻋﻠﻳﻬﺎ اﻹﺳراﺋﻳﻠﻳون ﺧطﺔ ﻓك اﻻرﺗﺑﺎط ﻣن طرف واحد، وأطﻠق ﻋﻠﻳﻬﺎ اﻟﻔﻠﺳطﻳﻧﻳون ﺧطﺔ اﻟﻔﺻﻝ اﻷﺣﺎدي اﻟﺟﺎﻧب، وﻳﻌﻧﻲ ﻓك اﻻرﺗﺑﺎط أن اﻟﺟﺎﻧب اﻹﺳراﺋﻳﻠﻲ ﻏﻳر ﻣﺳﺋوﻝ ﻋﻣﺎ ﺳﻳﺣدث ﻓﻲ اﻟﻘطﺎع ﺑﻌد اﻧﺳﺣﺎﺑﻪ ﺑﺳﺑب ﻣﻧﻪ أو ﺑدون، وأﻧﻪ ﺳﻳﻌود ﻻﺣﺗﻼﻟﻪ ﻓﻲ أي وﻗت، وﻫذا ﻳﻌﻧﻲ أن هذا اﻻﻧﺳﺣﺎب منقوصاً ﻷﻧﻪ ﻟم ﻳﺗم ﻓﻲ ظل ﻣﻌﺎﻫدة ﺑﻳن طرﻓﻳن, ﺑﻝ ﻫو أﻣر رآﻩ اﻟﺟﺎﻧب اﻹﺳراﺋﻳﻠﻲ وﻧﻔذﻩ, وﻟﻪ اﻟﺣق ﻓﻲ ﻛﻝ ﻣﺎ ﻳﻘوم ﺑﻪ ﻣﺳﺗﻘﺑﻼً, دون ﺗﺣﻣﻝ أي ﺗﺑﻌﺎت ﻋﻠﻰ اﻷرض, ﻓﺎﻟواﻗﻊ اﻷﻣﻧﻲ ﺑﻌد اﻹﺧﻼء، أظﻬر أن إﺳراﺋﻳﻝ ظﻠت ﺗﺷرف وﺗراﺑط ﻋﻠﻰ اﻟﺣدود اﻟﺧﺎرﺟﻳﺔ اﻟﺑرﻳﺔ ﻟﻠﻘطﺎع, وﺗﺳﻳطر ﺑﺷﻛﻝ ﻣطﻠق ﻋﻠﻰ اﻟﻣﺟﺎﻝ اﻟﺟوي، وواﺻﻠت اﻟﻘﻳﺎم ﺑﻌﻣﻠﻳﺎت ﻋﺳﻛرﻳﺔ ﻓﻲ اﻟﻣﺟﺎﻝ اﻟﻣﺎﺋﻲ ﻟﻘطﺎع ﻏزة. ﻛﻣﺎ اﺣﺗﻔظت إﺳراﺋﻳﻝ ﻟﻧﻔﺳﻬﺎ ﺑﺎﻟرد وﻗﺎﺋﻳاً ﻣن ﺧﻼﻝ اﺳﺗﺧدام اﻟﻘوة ﺿد ﻣﺎ ﺗرى أﻧﻪ ﻳﻬددﻫﺎ ﻓﻲ اﻟﻣﻧطﻘﺔ. ()

                  ﻟﻘد ﻛﺎن اﻻﻧﺳﺣﺎب اﻹﺳراﺋﻳﻠﻲ أﺣﺎدي اﻟﺟﺎﻧب ﻣن اﻟﻘطﺎع, دون أي اﺗﻔﺎق ﺳﻳﺎﺳﻲ ﻣﻊ اﻟﺳﻠطﺔ اﻟﻔﻠﺳطﻳﻧﻳﺔ اﻟﺗﻲ ﺗﻌﺗﻣد ﻓﻲ ﻣرﺟﻌﻳﺗﻬﺎ اﻟﺳﻳﺎﺳﻳﺔ إﻟﻰ اﺗﻔﺎق أوسلو, واﻟذي ﻳﻌﺗﺑر ﺿرﺑﺔ ﺳﻳﺎﺳﻳﺔ ﻟﻬذﻩ اﻟﺳﻠطﺔ, ﻟﺻﺎﻟﺢ اﻟﻣﻘﺎوﻣﺔ اﻟﺗﻲ اﻋﺗﺑرت أن اﻟﺻﻼﺑﺔ اﻟﺗﻲ أﺑدﺗﻬﺎ ﻓﻲ وﺟﻪ اﻻﺣﺗﻼﻝ, ﻫﻲ اﻟﺳﺑب اﻟرﺋﻳﺳﻲ ﻟﻬذا اﻻﻧﺳﺣﺎب, اﻟذي وﺻﻔﺗﻪ ﺑﺎلإندحار واﻟﻬروب, اﻷﻣر اﻟذي ﺧﻠق ﺣﺎﻟﺔ اﺧﺗﻼﻝ ﺳﻳﺎﺳﻲ وأﻣﻧﻲ أﺛر ﺳﻠﺑﺎً ﻋﻠﻰ ﺑرﻧﺎﻣﺞ وﻫﻳﺑﺔ اﻟﺳﻠطﺔ اﻟﺳﻳﺎﺳﻳﺔ واﻷﻣﻧﻳﺔ ﻟﺻﺎﻟﺢ اﻟﻣﻘﺎوﻣﺔ, وهو ما ظهر جلياً ﻓﻲ ﻧﺗﺎﺋﺞ اﻻﻧﺗﺧﺎﺑﺎت اﻟﺗﺷرﻳﻌﻳﺔ اﻟﻔﻠﺳطﻳﻧﻳﺔ ﻓﻲ ﻛﺎﻧون ﺛﺎني/ ﻳﻧﺎﻳر 2006. مما أثر على تنفيذ اتفاقية أوسلو, بحيث شكل ضربة قاسية للاتفاقية, وخلق واقعاً جديداً يحتاج إلى إعادة النظر في الاتفاقية, وتحديد الوضع القانوني لقطاع غزة بعد الانسحاب الإسرائيلي.

2 - التوسع الاستيطاني:

               ما زالت إسرائيل مستمرة في بناء وتوسيع مستوطناتها غير القانونية من خلال ابتلاع ومصادرة آلاف الدونمات وإقامة التجمعات الاستيطانية عليها, وزادت حدة هذه المصادرة بعد توقيع اتفاق أوسلو الأمر الذي شكل خرقاً واضحاً للمواثيق الدولية وللاتفاقية نفسها, حيث إنَ ميثاق جنيف الرابع الذي صادقت عليه إسرائيل في حزيران 1951, والذي لم تلغه اتفاقيات أوسلو يمنع إسرائيل من إقامة مستوطنات في الأراضي الفلسطينية المحتلة, فقد نصت الفقرة السادسة من المادة(49) من اتفاقية جنيف الرابعة على أنه: " لا يجوز لدولة الاحتلال أن ترحّل أو تنقل جزءًا من سكانها المدنيين إلى الأراضي التي تحتلها ". () وقد شكل الاستيطان تغيراً جغرافياً جذرياً في واقع الإقليم الفلسطيني, وأفقد السلطة الفلسطينية الكثير من الأراضي التي كانت تعتبر ضمن صلاحيات وحدود الإقليم الفلسطيني بناءً على اتفاقية أوسلو.

3 -  تغير قواعد اللعبة وتعاظم قوة الفصائل الفلسطينية:

               أدى تعثر المفاوضات ووصولها إلى طريق مسدود إلى اندلاع انتفاضة الأقصى عام2000 على إثر قيام رئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك أرئيل شارون بدخول المسجد الأقصى, بعد اقتحامه مع مجموعة من قوات الجيش والمستوطنين, الأمر الذي جعل الرجوع إلى الوراء أمراً صعباً, بحيث تصاعدت الانتفاضة تدريجياً, صاحب ذلك تعاظم قوة الفصائل الفلسطينية وتطور استراتيجياتها العسكرية, فانتقلت من الحجر والمقلاع والسكين إلى البنادق والعبوات والصواريخ الموجهة, والعمليات الفدائية وصناعة الصواريخ والتي وصل مداها مؤخراً إلى ما يزيد على180 كم, بحيث أصبحت تل أبيب وحيفا تقصف بالصواريخ الفلسطينية المصنعة محلياً.

              ففي قطاع غزة ازداد الأمر تعقيداً بعد الانسحاب الإسرائيلي من قطاع غزة عام2005, وبعد دخول حركة حماس الحكم وفرض سيطرتها على القطاع بقوة السلاح إثر الأحداث المؤسفة عام2007. حيث زادت كميات السلاح المهربة من مصر إلى القطاع عبر الأنفاق, وتطور الأمر ليصبح أكثر صعوبة حيث شكلت حماس في غزة جيشاً قوياً على طراز الجيوش النظامية باعتراف العدو لتصبح حماس الفصيل الأقوى والمسيطر على القطاع. أدى ذلك إلى توسيع إسرائيل عملياتها العسكرية وهجماتها المتكررة على القطاع, بحجة أن حماس حركة إرهابية لا تريد السلام ولا تؤمن إلا بالكفاح المسلح, ولا تقبل بشروط الرباعية الدولية ولا تعترف بإسرائيل, وترفض التطبيع معها, وكان من أعنف تلك الهجمات قيام إسرائيل بشن ثلاث حروب متتالية في الأعوام ( 2008 – 2012 – 2014 ) على قطاع غزة, قتلت خلالها آلاف الشهداء وجرحت عشرات الآلاف, وهدمت عشرات آلاف المنازل والمساجد والممتلكات العامة, وجرفت مساحات شاسعة من الأراضي الزراعية ومزارع الثروة الحيوانية.

                أما على صعيد الضفة الغربية فقد قامت إسرائيل بعملية اجتياح لمدن الضفة عام2002 فيما سمتها إسرائيل بعملية السور الواقي, بحجة القضاء على المقاومة ومنع تسلل المقاومين الفلسطينيين للداخل المحتل لتنفيذ العمليات الفدائية, وقامت ببناء جدار الفصل العنصري, وإغلاق مدن الضفة وفرض الطوق الأمني والحصار المشدد عليها, حتى طال هذا الحصار الرئيس الراحل ياسر عرفات في مقر المقاطعة في رام الله, وفرضت إسرائيل سيطرتها على مدن الضفة في انتهاك صارخ لاتفاقية أوسلو, مما أدى إلى انتقاص السيادة الفلسطينية عليها, وحتى يومنا هذا تقوم القوات الإسرائيلية باقتحام مدن الضفة بدون سابق إنذار, وتداهم المنازل والمؤسسات, وتعتقل من تشاء, وتتصرف في مدن الضفة كتصرف المالك في ملكه, لقد كان لتغير هذه الظروف الجوهرية بالغ الأثر على استمرار تطبيق اتفاقية أوسلو, فالسلطة الفلسطينية فقدت السيطرة على شطري الإقليم الفلسطيني, فالسيطرة في قطاع غزة فعلياً لحماس وفي الضفة الغربية لإسرائيل, فكيف تستطيع السلطة والحال هكذا أن تستمر بتطبيق الاتفاقية على الأرض الفلسطينية؟؟

ثالثاً: المحور القانوني:

وقد تمثل هذا المحور في انضمام فلسطين للمنظمات والاتفاقيات الدولية: ()

               حيث قامت السلطة الفلسطينية بعد أوسلو بالشروع في إجراءات رفع مستوى تمثيل فلسطين في الأمم المتحدة، والانضمام إلى المنظمات الدولية المختصة، والتوقيع على المواثيق والمعاهدات والاتفاقيات الدولية. وقد حققت فلسطين في الأول من إبريل عام2014 إنجازاً دولياً بالانضمام للعديد من المعاهدات والاتفاقيات الدولية وعلى رأسها مجلس الأمن، وفي11/4/2014م أعلن المجلس الفدرالي السويسري، الجهة الوديعة لاتفاقيات جنيف الأربع وبروتوكولاتها، عن قبول فلسطين طرفاً سامياً في اتفاقيات جنيف الأربع وبروتوكولها الإضافي الأول، وذلك بناءً على الطلب الذي تقدمت به فلسطين مؤخراً بعد توقيع الرئيس محمود عباس على طلبات بالانضمام إلى15 اتفاقية دولية من بينها اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات لعام 1969.

                 ورفع التمثيل سيمنح فلسطين الشخصية القانونية الكاملة كدولة بموجب القانون الدولي وسيسمح لها أن تكون طرفاً في غالبية المعاهدات الدولية بما في ذلك معاهدات جنيف الأربعة، نظام روما الأساسي لمحكمة الجنايات الدولية، ومعاهدة القضاء على كافة أشكال التمييز ضد المرأة الخ… وحيث إنَ فلسطين حصلت على العضوية في اليونسكو تصبح بالتالي مؤهلة للانضمام لهذه المعاهدات ومن بينها: الاتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية, كما كان لانضمام فلسطين إلى اتفاقية روما وخاصة بعد حصولها على صفة دولة عضو مراقب بالأمم المتحدة بتاريخ29/11/2012 الأثر الأكبر علي مستقبل القضية الفلسطينية والاتفاقيات الدولية وخاصة اتفاقية روما التي أنشأت المحكمة الجنائية الدولية حيث كان انتصاراً سياسياً وقانونياً وقضائياً وحقق إنجازاً كبيراً للقضية الفلسطينية علي مستوي الشرعية الدولية والإقليمية، وبهذا يكون لدولة فلسطين الحق في مناقشة جميع القضايا والرد على الادعاءات التي تثار بخصوص القضية الفلسطينية أو أي قضية أخرى من قبل أي عضو في الجمعية العمومية وخاصة دولة الاحتلال، ويحق لها الانضمام إلى جميع المؤسسات والمنظمات أو الهيئات المنبثقة عن الأمم المتحدة وأن من حقها الانضمام إلى جميع المعاهدات والاتفاقيات الدولية وبالذات الاتفاقيات الخاصة بالقضاء الدولي وأهمها اتفاقية روما التي أنشأت المحكمة الجنائية الدولية لمقاضاة وملاحقة مجرمي الحرب.

              وأثر ذلك جلياً على اتفاقية أوسلو من خلال إعادة ملف التسوية السياسية للصراع الفلسطيني الإسرائيلي إلى عهدة الأمم المتحدة, بعد أن كان تحت سطوة الهيمنة الأمريكية, والتي انحازت بشكل واضح لإسرائيل في جميع مراحل التسوية, فمنظمة التحرير بالأمس ليس كما هي اليوم, والظروف قد تغيرت لصالح الشعب والقيادة السياسية الفلسطينية, مما يتحتم معه تغير قواعد اللعبة تبعاً لتغير موازين القوى.  

رابعاً : المحور الاقتصادي:

وقد تمثل هذا المحور في عدم مواكبة اتفاق باريس المنبثق عن أوسلو لمطالب وتطلعات الشعب الفلسطيني:

                حيث لم يعد اتفاق باريس صالحاً لمعايشة الواقع الفلسطيني الراهن, وإنه من غير الممكن في ظل هذا الاتفاق تحقيق تنمية مستدامة تتفق مع تطلعات الشعب الفلسطيني وطموحاته ومصالحه. فقد كانت حصيلة سبعة عشر عاماً من تطبيق هذا البروتوكول هي استمرار التشوهات الهيكلية في الاقتصاد الفلسطيني, وتدهور القطاعات الرئيسية فيه, وعرقلة نموه, وضعف القدرة التنافسية للمنتجات الفلسطينية, وارتفاع معدلات البطالة والفقر, وتفاقم العجز في الموازنة العامة والميزان التجاري, وزيادة الاعتماد على المساعدات الخارجية, وزيادة ارتهان الاقتصاد الفلسطيني لإسرائيل. () فهذا الاتفاق لم يعد صالحاً للتطبيق لا سيما وأن الكثافة السكانية في الأراضي الفلسطينية قد زادت أضعاف ما كانت عليه إبان توقيع البروتوكول, وبالتالي نتج عن ذلك تغير كبير في حجم السلع والمنتجات التي يحتاجها الفلسطينيون, كل ذلك أدى إلى تغير الظروف الاقتصادية تغيراً جذرياً بحيث أصبحت هذه الاتفاقيات لا تواكب تطلعات ومطالب الشعب الفلسطيني.

 

 


الرد السريع
كاتب المشاركة :
الموضوع :
النص : *