الظروف التي ساهمت في بلورة اتفاقية أوسلو

رسالة ماستر-بقلم عبدالعزيز موسي شهاب

 

المطلب الثاني

الظروف التي ساهمت في بلورة اتفاقية أوسلو

             لقد سبق الدخول في مرحلة المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية ومحاولات تسوية الصراع العربي الإسرائيلي بعض الظروف الدولية والإقليمية, إضافة إلى ظروف داخلية على صعيد الشعب والقيادة الفلسطينية, هذه الظروف ساهمت بشكل أو بآخر في تهيئة المناخ لدى الأطراف المفاوضة للدخول في المفاوضات, كما ومورست  ضغوطاً دولية وإقليمية على الأطراف للقبول بالسير في العملية السلمية وخاصة على الطرف الفلسطيني نظراً لاختلال موازين القوى, هذا ما سنبينه في هذا المطلب مقسمين هذا المطلب إلى فرعين مستقلين, الفرع الأول سنتكلم فيه عن الظروف الدولية والإقليمية التي أنتجت الاتفاقية, أما الفرع الثاني فسنبين فيه الظروف الداخلية التي ساهمت في الدخول في العملية السلمية كما سيأتي:

الفرع الأول

الظروف الدولية والإقليمية والمحلية التي سبقت المفاوضات

دفعت عوامل مهمة باتجاه انطلاق عملية السلام في الشرق الأوسط ومن أبرز هذه العوامل:

أولاً: الظروف الدولية:

              حيث أدى انهيار الاتحاد السوفيتي إلى فقدان الدول العربية لحليف أساسي كانت تعتمد عليه في المحافل الدولية, وخلق نوعاً من عدم التوازن في التحالفات الدولية مع دول الشرق الأوسط لصالح إسرائيل, إلى جانب اعتماد بعض الدول العربية على السلاح السوفيتي الذي لم يعد موجوداً بعد انهيار المعسكر الاشتراكي, كما أن انتهاء الحرب الباردة بين المعسكر الشرقي والغربي أدى إلى وجود نظام عالمي جديد وخلف انفراجات دولية ساهمت هي الأخرى في تهيئة ظروف مواتية للبدء بمسيرة السلام. () مما انعكس سلباً على القضية الفلسطينية وأفقدها داعماً رئيسياً انشغل بأزماته الاقتصادية والداخلية والتي نتجت عن تفككه.



ثانياً: الظروف الإقليمية:

1 - حرب الخليج الثانية: أدت حرب الخليج الثانية (1990-1991) إلى تحجيم القوة العسكرية العراقية, والتي كانت تشكل ثقلاً هاماً في مجال التوازن الاستراتيجي مع إسرائيل, كما أدت إلى انهيار التضامن العربي الرسمي, وحدوث انقسامات هائلة في أوساط الشعوب العربية والإسلامية, مما كان له أكبر الأثر في إضعاف القضية الفلسطينية التي هي بأمس الحاجة للالتفاف العربي الرسمي والشعبي حولها, كما عكست مجريات الأزمة والحرب في الخليج ونتائجها حجم الهيمنة الأمريكية على النظام الدولي الجديد, مما رشح الولايات المتحدة لتكون طرفاً وحيداً منفرداً في التوجيه والتأثير علـــــى مسار الصراع العربـــي الإسرائيلي فـــــي مرحلة ما بعد حرب الخليج الثانيــــة. ()

2 - التراجع الاستراتيجي العربي: أدى خروج مصر أقوى الدول العربية, من ساحة الصراع مع إسرائيل عام 1979, وخروج المقاومة الفلسطينية من لبنان عام 1982, إلى حدوث تراجع في الخطاب السياسي العربي, فبدلاً من لاءات قمة الخرطوم الثلاثة عام 1967 ( لا للتفاوض ولا للصلح ولا للاعتراف ), وافقت القمة العربية في مؤتمر فاس عام 1982 على مشروع سلام عربي يدعو إلى الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي العربية المحتلة مقابل الاعتراف العربي بإسرائيل, وبدأت بعض الدول العربية بما فيها منظمة التحرير الفلسطينية – الممثل الشرعي للشعب الفلسطيني - تعلن صراحة عن استعدادها للمشاركة في مفاوضات مباشرة مع إسرائيل. ()

3 - الضغوطات الأمريكية: أدت حرب الخليج الثانية إلى تزعم الولايات المتحدة التحرك الدولي لإيجاد حل سلمي للصراع العربي الإسرائيلي. ومارست ضغوطاً على إسرائيل والدول العربية من أجل البدء في مسيرة السلام, ونجحت في النهاية بعقد مؤتمر مدريد للسلام, ومن دون ضغوط الإدارة الأمريكية لم يكن من الممكن عقد المؤتمر الدولي, ولا البدء في مفاوضات السلام. ()   

ثالثاً: الظروف المحلية:

            ظهرت ظروف داخلية أثرت بشكل مباشر أو غير مباشر على الوضع الفلسطيني ودفعت نحو دخول منظمة التحرير في عملية السلام ومن هذه الظروف: ()

1 - محاصرة الثورة الفلسطينية بعد حرب الخليج الثانية بسبب اتهام الرئيس أبو عمار بدعم الموقف العراقي، وكان حصاراً مالياً وسياسياً شديداً.

2 - انزلاق الثورة الفلسطينية كطرف مباشر أو غير مباشر في عدة حروب ومواجهات مع دول عربية: كأحداث الأردن 1970 والحرب الأهلية في لبنان 1975- 1982،  وحرب الخليج الثانية 1991.

3 – تراجع الانتفاضة الفلسطينية والذي يعود لعدة أسباب أهمها: طول مدتها, والإرهاب العسكري الإسرائيلي واعتقال عشرات الآلاف وجرح عشرات الآلاف الآخرين؛ مما أفقد القوى السياسية الصمود والاستمرارية الطويلة, والصراع التنظيمي الميداني بين القوى الإسلامية والوطنية, وتناقص الدعم العربي والإسلامي للشعب الفلسطيني, وبدء فعاليات مؤتمر مدريد للسلام.    

الفرع الثاني

الظروف الفلسطينية التي أدت للدخول في المفاوضات

               لقد أيقنت القيادة الفلسطينية بأن الولايات المتحدة أصبحت سيدة العالم، ولا تستطيع دول كبرى أن تقف بوجهها أو تعارضها، فكيف بالقيادة الفلسطينية أو منظمة التحرير أن تفعل ذلك؟ لم يعد هناك خيارات أمام الشعب الفلسطيني، وكان على القيادة أن تختار بين الدخول في العملية السلمية على الطريقة الأمريكية أو الانعزال والوقوع تحت الحصار, فاختارت حسب قولها الدخول في العملية السلمية على الرغم من مرارتها, حتى قال قياديون ومن ضمنهم ياسر عرفات بأن الاتفاق لا يلبي التطلعات الفلسطينية ويحتوي على تنازلات فلسطينية كثيرة، لكن البديل أسوأ, أي أن الخسارة المترتبة على عدم قبول أوسلو أكبر بكثير من الخسائر الناجمة عن قبوله. ()

              كما أدركت القيادة بأن الدول العربية لم تعد قادرة على تقديم دعم حقيقي للشعب الفلسطيني، والساحة الدولية أصبحت خالية من قوى عظمى يمكن أن تدعم الفلسطينيين. وأضافت بأن المقاومة الفلسطينية قد ضعفت والانتفاضة لم تعد بالزخم الذي انطلقت به، وإذا كان للفلسطينيين أن يتخلفوا عن ركب الحلول السلمية فإنهم سيجدون أنفسهم منعزلين لا يلوون على شيء, ومن المحتمل جداً وفق جدلية القيادة أن المفاوضات ستسير بين إسرائيل والدول العربية، ويتم التوصل إلى حلول تستثني الفلسطينيين. ()

               لكن هناك ضرورات أمريكية حكمتها اعتبارات مصالحها أدت لقيام الولايات المتحدة بدور المبادر في المساهمة في تقريب وجهات النظر ورعاية المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية, ففي الواقع, إن التحول الذي أظهرته الولايات المتحدة تجاه إجراء حوار مع منظمة التحرير حكمته عوامل أخرى إضافة لتلك التي بادرت بها المنظمة, وهذه العوامل يطرحها " ويليم كوانت " في كتابه عن عملية السلام والدبلوماسية الأمريكية في الشرق الأوسط, وأخرى يطرحها " دينيس روس " في كتابه " السلام المفقود ", وهذه العوامل تتمثل فيما يلي: ()

أولاً: أسباب تعود إلى الواقع الذي كانت تشهده الأراضي الفلسطينية من تصاعد العنف, وازدياد الاعتداءات الإسرائيلية على الشعب الفلسطيني, ولا سيما أن صدى هذه الاعتداءات أخذ بعداً عربياً ودولياً, فخشيت أن يمتد تأثير الانتفاضة إلى باقي المنطقة.

ثانياً : إنَ تلك الفترة شهدت تزايد مخاوف الولايات المتحدة من تصاعد نمو وسيطرة الحركات الإسلامية " الراديكالية " سواءً في المحيط العربي , أو داخل أراضي السلطة الفلسطينية , ولا سيما أن هذه الفترة شهدت ظهور حركة المقاومة الإسلامية حماس .

ثالثاً: سعي الولايات المتحدة من أجل إخراج إسرائيل من تحمل مسؤولية الحياة اليومية للفلسطينيين, وإيجاد بديل فلسطيني يتحمل هذه المسؤولية.

رابعاً: رأت الولايات المتحدة في فتح قنوات اتصال مع منظمة التحرير فرصة لاستقطابها إلى طاولة المفاوضات, والدفع بها نحو اعتدال موقفها من عملية السلام مع إسرائيل, ولا سيما أن منظمة التحرير تشكل أكبر قاعدة تمثل الشعب الفلسطيني, واستقطابها يساهم في تخفيف هذا التوتر في الأراضي الفلسطينية, فهي تنطلق من افتراض أن إيجاد طرف فلسطيني ذي تأييد واسع من الفلسطينيين قادر على الدخول في مفاوضات لحل الصراع مع إسرائيل, سوف يقود إلى تخلي الفلسطينيين عن الكفاح المسلح والتحول إلى النهج السياسي السلمي في التعاطي مع الصراع.    

               كل هذه الظروف والضغوط كان لها بالغ الأثر في التحول الجذري في سياسة منظمة التحرير والقيادة الفلسطينية من وسيلة الكفاح المسلح إلى مسار التسوية والحلول السلمية والدخول في المفاوضات المباشرة وغير المباشرة مع إسرائيل.

















المطلب الثالث

القضايا التي عالجتها اتفاقية أوسلو

                جاء اتفاق أوسلو ( إعلان المبادئ ) بمجموعة من المبادئ ليعالج قضايا عدة, بينما تم تأجيل النقاش في قضايا أخرى لم يعالجها وهي قضايا الحل النهائي, بناءً على ذلك سنقسم هذا المطلب إلى فرعين مستقلين, نتكلم في الفرع الأول عن القضايا التي نجح الطرفان الفلسطيني والإسرائيلي في التوصل بشأنها إلى حل, أما الفرع الثاني فسنبين فيه القضايا الخلافية التي تم تأجيلها لمرحلة الحل النهائي. كما سيأتي:

الفرع الأول

القضايا التي اتفق الطرفان عليها

إن أهم المبادئ التي اتفق الطرفان الفلسطيني والإسرائيلي بشأنها هي: ()

1 . إقامة سلطة حكم ذاتي محدود للفلسطينيين في الضفة والقطاع لمدة 5 سنوات.

2 . تبدأ قبل بداية العام الثالث من الحكم الذاتي المفاوضات على الوضع النهائي للضفة والقطاع, بحيث يفترض أن تؤدي إلى تسوية دائمة تقوم على قراري مجلس الأمن الدولي 242 و 338.

3 . خلال شهرين من دخول الاتفاق حيز التنفيذ, يتوصل الطرفان لاتفاقية حول انسحاب إسرائيل من غزة وأريحا, تشمل نقلاً محدوداً للصلاحيات للفلسطينيين, وتغطي التعليم والثقافة والصحة والشؤون الاجتماعية والضرائب المباشرة والسياحة.

4 . بعد تسعة أشهر من تطبيق الحكم الذاتي, تجرى انتخابات مباشرة في الضفة والقطاع لانتخاب مجلس تشريعي فلسطيني للحكم الذاتي, وتقوم القوات الإسرائيلية قبيل الانتخابات بالانسحاب من المناطق المأهولة بالسكان وإعادة الانتشار في الضفة.

5 . يتم تشكيل سلطة فلسطينية انتقالية ذاتية تشمل الضفة والقطاع, على أن صلاحياتها لا تشمل الأمن الخارجي ولا المستوطنات الإسرائيلية, ولا العلاقات الخارجية, ولا القدس, ولا الإسرائيليين في تلك الأراضي.

6 . لإسرائيل حق النقض " الفيتو " ضد أي تشريعات تصدرها السلطة الفلسطينية خلال المرحلة الانتقالية.

7 . ما لا تتم تسويته بالتفاوض يمكن أن يتفق على تسويته من خلال آلية توفيق يتم الاتفاق عليها بين الطرفين.

8 . يمتد الحكم تدريجياً من غزة وأريحا إلى مناطق الضفة الغربية وفق مفاوضات تفصيلية لاحقة.

9 . وقد أكد الاتفاق على نبذ منظمة التحرير والسلطة الفلسطينية للإرهاب والعنف والحفاظ على الأمن, ومنع العمل المسلح ضد الكيان الإسرائيلي.  

                 ومن المفترض, وفقاً للاتفاقية, أن تشهد السنوات الانتقالية الخمس, مفاوضات بين الجانبين, بهدف التوصل لتسوية دائمة على أساس قراري مجلس الأمن 242 و 338, ووفقاً للاتفاقية فإن الفترة الانتقالية تبدأ عند الانسحاب من قطاع غزة ومنطقة أريحا, كما تبدأ مفاوضات الوضع الدائم بين حكومة إسرائيل وممثلي الشعب الفلسطيني في أقرب وقت ممكن بما لا يتجاوز بداية السنة الثالثة من الفترة الانتقالية, كما وتبع إعلان المبادئ عديد من الاتفاقيات التي تنقل الصلاحيات إلى الحكومة الجديدة. ()

الفرع الثاني

القضايا التي لم يتفق عليها الطرفان

            على الرغم مما توصل إليه الطرفان في المفاوضات من نتائج وحلول لبعض القضايا, إلا أنهم لم يتفقوا على بعض القضايا ذات الأهمية وأحالوها إلى مفاوضات الحل النهائي, وأبرز هذه القضايا هي:

أولاً: ملف القدس:

              حيث إنَ الاتفاق لم يتناول قضية القدس والتي أجل التفاوض حولها إلى مفاوضات المرحلة النهائية حسب اتفاق أوسلو نفسه, وتخضع القدس لقانون إسرائيلي أقرَه الكنيست في 3/7/1980 باعتبارها عاصمة إسرائيل, وقد صادق الكنيست الإسرائيلي مرة أخرى في آذار1990 على قرار يؤكد على أن القدس الموحدة ستكون تحت السيادة الإسرائيلية, ولن يكون هناك مفاوضات على وحدتها ووضعها, والغرض من هذا القرار أن يكون متطابقاً مع قانون القدس لإجبار السياسيين في إسرائيل على الاستمرار في الخط ضد أي تسوية تتعلق بالقدس الشرقية الموسعة, كما أكد المسؤولون الإسرائيليون بشكل واضح متكرر أن القدس هي العاصمة الموحدة والأبدية لدولتهم وأنها غير قابلة للتفاوض, ففي الثاني من أيلول عام 1993 أعلن إسحاق رابين رئيس وزراء إسرائيل أن هذه الحكومة – كغيرها من الحكومات السابقة – تعتقد أن القدس عاصمة للشعب اليهودي وتحت السيادة اليهودية وهي مطمح آمال وحنين كل يهودي, وعليه فإن البند الوارد في اتفاق أوسلو والمتعلق بالتفاوض على مستقبل القدس في المرحلة النهائية لا يعدو من وجهة النظر الإسرائيلية كونه من ضرورات المرحلة الراهنة, وحتى لا يؤدي إلى تعطيل عملية السلام, وعند بدء مفاوضات المرحلة النهائية فربما يكون للقدس ملامح مختلفة عمرانياً وديموغرافياً وسياسياً عدا عن تغيير الظروف الإقليمية خاصة والدولية عامة. ()

ثانياً: الأرض والمستوطنات:

                لم يتحدث الاتفاق عن حقوق سيادية لسلطة الحكم الذاتي في الأرض والثروات الطبيعية وعلى الأخص ما يتعلق بالثروة المائية التي تعتبر شريان الحياة, وقد ترك بحثها إلى اللجان المشتركة ولم يأخذ الاتفاق بعين الاعتبار سوى الاحتياجات الإسرائيلية بإقرار الأمر الواقع, أما المستوطنات الذي يقوم معظمها على أراضي مصادرة فقد تم تأجيل بحثها إلى مفاوضات المرحلة النهائية, حيث لم تكتفِ إسرائيل بالإبقاء على المستوطنين والمستوطنات في الضفة الغربية وقطاع غزة في المرحلة الانتقالية فحسب بل ضمن الاتفاق استمرار وجودها العسكري حول المستوطنات وعلى الطرق الرئيسية وفي المراكز الاستراتيجية, وبذلك يكون الاتفاق قد حقق لإسرائيل هدفها باستمرار الوجود العسكري في المرحلة الانتقالية على الأقل في مناطق الحكم الذاتي. ()    

ثالثاً: اللاجئون:

              تم تأجيل بحث مسألة اللاجئين إلى مفاوضات الوضع النهائي, ولم يتم ذكر أي حق للاجئين لا من قريب ولا من بعيد, فقط تم الحديث عن أن مشاركة النازحين في أي انتخابات غير فلسطينية لا تنتقص من وضعهم التفاوضي. إذا عدنا إلى قرار مجلس الأمن رقم 242، نجد أنه أيضا لا يضع حلاً لقضية اللاجئين الفلسطينيين، ويكتفي بالقول إنه من المطلوب حل قضية اللاجئين (دون تسمية من هم هؤلاء) حلاً عادلاً. () وتجدر الإشارة هنا إلى أن الاتفاقية لم تشر إلى القرار 194 كمرجعية لبحث قضية اللاجئين, هذا القرار الذي صدر عن الجمعية العامــــــة للأمــــــم المتحدة بتاريخ 11/12/1948 والـــــذي نــــص على حــــــق اللاجئين الفلسطينيين فــــي العودة إلــــى ديارهم. ()

رابعاً: الحدود:

              أبقى الاتفاق على الحدود مع الدول العربية بيد إسرائيل التي لها الحق بفحص الخارج والداخل من الناس ومن الأشياء, ولم تتغير الصلاحيات على المعابر المؤدية إلى كل من مصر والأردن إلا من الناحية الشكلية. فمظهراً، هناك وجود فلسطيني على المعابر، وأفراد الشرطة الفلسطينيين أشبه ما يكونون بشهود الزور, وبقيت الصلاحيات الفعلية بيد الجندي الإسرائيلي الذي يختبئ خلف زجاج لا يسمح بالرؤية الخارجية. يعتبر هذا الوضع من أكبر الحلول مسرحية واستهتارا بالشعب الفلسطيني. ()

              إن قيام القيادة الفلسطينية بتأجيل هذه القضايا التي تعتبر بالغة الأهمية وأشد حساسية وخطورة من غيرها, جعلها في مرمى سهام المعارضين والمنتقدين للاتفاقية حيث اعتبر المعارضين تأجيل هذه القضايا إلى مرحلة المفاوضات النهائية وعدم التعرض لها هو بمثابة استهتار واستخفاف بحقوق الشعب الفلسطيني. ()









المبحث الثاني

الطبيعة القانونية لاتفاقية أوسلو وإنهائها

                 سنتعرض في هذا المبحث للطبيعة القانونية لاتفاقية أوسلو, وهل تعتبر اتفاقية دولية من وجهة نظر القانون الدولي العام؟ بحيث ينطبق عليها ما ينطبق على المعاهدات الدولية, هذا ما سنبينه في هذا المبحث, بالتالي سنقسم هذا المبحث إلى ثلاثة مطالب, المطلب الأول نتكلم فيه عن الطبيعة القانونية لاتفاقية أوسلو, والمطلب الثاني سنبين فيه هل بإمكان القيادة الفلسطينية إنهاء الاتفاقية من طرف واحد؟ وفي حال تمكنت من ذلك, فما هي الأسباب القانونية التي يجب أن تتذرع بها القيادة الفلسطينية لتبرر انسحابها من الاتفاقية؟ أما المطلب الثالث فسنتطرق فيه لواقع اتفاقية أوسلو وهل مازالت قائمة ومعمول بها حتى الآن؟ وما التحديات التي تواجه القيادة الفلسطينية في حال انسحابها من الاتفاقية, هذا ما سنجيب عليه في هذا المبحث من خلال ما يأتي:

المطلب الأول

الطبيعة القانونية لاتفاقية أوسلو

               إن الاتفاقيات الفلسطينية – الإسرائيلية تعتبر اتفاقيات دولية بين شخصين من أشخاص القانون الدولي لهما القدرة لإبرام اتفاق دولي لترتيب آثار قانونية تخضع لقواعد القانون الدولي, أي إن هذه الاتفاقيات تحكمها مبادئ وأحكام وقواعد القانون الدولي المنظمة للمعاهدات الدولية والتزام الأطراف تنفيذ التزاماتهم الواردة فيها وفقاً لأحكام القانون الدولي. إذ أن إسرائيل قد اكتسبت شخصيتها القانونية في المجال الدولي بالاعتراف الدولي ودخولها الأمم المتحدة, واعتبارها عضواً كامل العضوية في الأمم المتحدة عام 1949, وإن كانت هذه الشخصية القانونية غير معترف بها من قبل الشعب الفلسطيني بشكل خاص, وشخصية قانونية مشكوك فيها, وقد ظلت الدول العربية تشكك في هذه العضوية أمام الأمم المتحدة. ()

                 أما بالنسبة لمنظمة التحرير الفلسطينية الطرف المقابل الممثل للشعب الفلسطيني في الاتفاق ومدى اكتسابها الشخصية القانونية الدولية, فإن منظمة التحرير قد اكتسبت الشخصية القانونية الدولية الكاملة في تمثيل الشعب الفلسطيني, وذلك من خلال قبولها في العديد من المنظمات الدولية كعضو كامل العضوية, بالإضافة إلى قبولها عضواً مراقباً في الأمم المتحدة, باعتبارها الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني, هذا بالإضافة للاعتراف الدولي بالدولة الفلسطينية الصادر عن المجلس الوطني في الجزائر عام 1988, والذي زاد عن عدد الدول التي اعترفت بإسرائيل. ()

                ومن هذا المنطلق الذي مارست فيه منظمة التحرير الفلسطينية دور السلطة بالنسبة للدولة الفلسطينية, ومارست حقها في إبرام المعاهدات الثنائية أو الجماعية, ومارست سلطتها معبرة عن الشخصية القانونية لدولة فلسطين, وباعتبار أن هذه الدولة مكتملة الأركان والعناصر, هذه الأركان التي يجب أن تتوفر في كل دولة لكي تحمل الشخصية القانونية الدولية وهذه الأركان هي:

الفرع الأول

الـــسكــــان أو ( الــشــعــب )

                  يعرَف الشعب في القانون الدولي على أنه: " مجموعة من الأفراد المتكونة من الجنسين معاً, وتقيم بصفة دائمة في إقليم معين وتخضع لسلطان دولة معينة وتتمتع بحمايتها ". والشعب هو العنصر الأول والأساسي في تكوين الدولة, إذا لا يتصور وجود دولة من دون العنصر البشري المكون لها, كما لا يشترط عدد معين لأفراد الشعب. () فالشعب الفلسطيني الذي يبلغ تعداده نحو 8 ملايين نسمة يقسمون إلى فلسطينيي الشتات الذين هجروا من أراضيهم تحت قوة البطش والإرهاب الصهيوني, وفلسطينيي الداخل الذين مازالوا صامدين فوق أرضهم, وقد ركز بيان إعلان دولة فلسطين المستقلة بتاريخ 15/11/1988 في الجزائر على كون دولة فلسطين لجميع أبناء الشعب الفلسطيني أينما وجدوا وحيثما كانوا, فحسب المادة الخامسة من الميثاق الوطني الفلسطيني " إن الشعب الفلسطيني يشمل جميع العرب الذين عاشوا في فلسطين من سنة 1947، سواء من أخرج منها أو بقي فيها، وكل من ولد لأب عربي فلسطيني داخل فلسطين أو خارجها "، ومن الطبيعي أن يضمن الدستور الفلسطيني الذي هو قيد الدراسة والبناء حق كل فلسطيني في العودة إلى فلسطين وحقه في حمل الجنسية الفلسطينية. ()        

                إن الشعب الفلسطيني مستقر على هذه الأرض منذ الأزل, ولم تنقطع إقامته على هذه الأرض, ويدين بالولاء السياسي لفلسطين دون غيرها, وكذلك الولاء القانوني, وهذا ما تحدده الجنسية, فالشعب الفلسطيني بعد عام 1948 تجزأت أرجاء وطنه الفلسطيني بين إسرائيل, وحمل من ظل من الشعب الفلسطيني فيها الجنسية الإسرائيلية, وحمل من أصبح في الضفة الغربية الجنسية الأردنية, ومن بقى في قطاع غزة ظل محتفظاً بالجنسية الفلسطينية, إلا أن ولاءهم ظل لفلسطين رغم هذا الشتات, ووجد الشعب الفلسطيني ضالته بالانضمام لمنظمة التحرير الفلسطينية معبرة عن الآمال والطموح, ويخضعون لأوامرها وتعليماتها, ومارست منظمة التحرير دورها كقائمة بدور السلطة وأبرمت الاتفاقيــــات نيابة عنه. ()

الفرع الثاني

الإقــــليـــــــم

                يعرف الإقليم على أنه: " النطاق المادي الذي تمارس عليه الدولة سيادتها وسلطانها ويقيم فيه الشعب بصورة دائمة, ويتميز بصفتين أساسيتين وهما صفة الثبات والوضوح لحدود الإقليم. () فعلى إثر هزيمة الدولة العثمانية في الحرب العالمية الأولى، بدأت الأقاليم العربية تتشكل كدول وتطالب بخروج القوات الأجنبية منها، وذلك استناداً لمبدأ التوارث الدولي الذي يعني حلول دولة محل دولة أخرى في ما يتعلق بتحمل الالتزامات والمسؤوليات الدولية, وقد أقرت معاهدات الصلح لعام 1919 حق الشعوب العربية في الاستقلال استناداً لهذا المبدأ، فأقرت نظام الانتداب الذي يعني أن وجود الدول الكبرى المنتدبة غايته فقط مساعدة الشعوب في تحقيق الاستقلال. وبناء على نظام الانتداب الذي أوجدته معاهدات الصلح لعام1919، وضعت فلسطين تحت الانتداب البريطاني في 9تموز1921م. وقد أشارت المادة22 من عهد عصبة الأمم إلى أن " بعض الشعوب التي كانت خاضعة  للإمبراطورية العثمانية قد وصلت إلى درجة من التقدم يمكن معها الاعتراف مؤقتاً بكيانها كأمم مستقلة خاضعة لقبول الإرشاد الإداري والمساعدة من قبل الدولة المنتدبة، إلى ذلك الوقت الذي تصبح فيه هذه الشعوب قادرة على النهوض وحدها، ويجب أن يكون لرغبات هذه الشعوب المقام الأول في اختيار الدولة المنتدبة، وهو ما سمي بالانتداب من درجة (أ) ويشمل الولايات التي كانت خاضعة للإمبراطورية العثمانية ومن ضمنها فلسطين، إلا أن صك الانتداب على فلسطين لم يراعِ في مضمونه أحكام الفقرة الثالثة من المادة22 من عهد عصبة الأمم، ونفذ بطريقة تسمح للحركة الصهيونية من إنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين، كما تجاهلت سلطة الانتداب أحكام المادتين ( 6 و 5 ) من صك الانتداب، اللتان أكدتا على حماية حقوق الشعب العربي الفلسطيني في ملكية ثرواته وسلامة وحدة أراضيه، كما سهلت سيطرة الحركة الصهيونية عليها. ()

                 وجاءت هيئة الأمم المتحدة لتكمل أعمال العصبة، فجاء قرار التقسيم رقم (181) الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1947 والذي قضى بتقسيم فلسطين إلى دولتين، دولة يهودية تقام على 56,47% من إجمالي مساحة فلسطين، ودولة فلسطينية تقام على 42,88% من إجمالي مساحة فسطين، وأن يتم وضع القدس(65.%) تحت نظام وصاية دولية.() وظل هذا القرار هو الذي يمثل الحد الأدنى لحدود الدولة الفلسطينية, ويجب أن يكون فهم أي قرارات تصدر عن الأمم المتحدة في ضوء هذا القرار, وخاصة عند تطبيق القرار 242.

الفرع الثالث

السلطـــــة السياسيـــة

                   إن سلطة الدولة تمارس سيادتها كما هو مستقر في فقه القانون العام بمظهرين يكمل أحدها الآخر ويتصل الأول منهما بالشؤون الداخلية بقيام السلطة لممارسة كافة اختصاصاتها التشريعية والتنفيذية والقضائية, وعلى كافة أجزاء إقليمها والأشخاص الموجودين في داخلها وكذلك رعاياها الموجودين في خارجها، بينما يتصل الآخر منهما بالشؤون الخارجية ويظهر ذلك من خلال حرية الدولة في إدارة علاقاتها الخارجية دون الخضوع في ذلك إلى إرادة أجنبية أو الاشتراك معها في تلك الإرادة ومن ذلك إبرام المعاهدات وتبادل التمثيل الدبلوماسي، إن في ممارسة سلطة الدولة مظهري سيادتها ( الداخلي والخارجي ) وفق إرادتها ودون الخضوع لأي إرادة أخرى, يكمن تمام سيادتها, وفي حال تأثر أحد المظهرين أو كليهما بإرادة خارجية يتمثل نقصان تلك السيادة. () فتأثر السيادة بالإرادة الخارجية لا يؤثر على عنصر السيادة ولا يعدمها رغم ما يشوبها من نقص, بينما إذا كان نقصان السيادة يعود لإرادة داخلية فهنا تكمن المشكلة, وهذا يؤثر بشكل كبير على توافر عنصر السيادة.

                  فدولة ﻓﻠﺴﻁﻴﻥ ﺩﻭﻟﺔ ﻋﺭﺒﻴﺔ ﻤﺴﺘﻘﻠﺔ ﺘﺘﻤﺘﻊ ﺒﺎﻟﺴﻴﺎﺩﺓ ﺍﻟﻜﺎﻤﻠﺔ, وإن كانت واقعياً يشوبها بعض النقص نتيجة لغطرسة دولة الاحتلال الإسرائيلي إلا أنها سيادة قانونية كاملة منحتها لها قرارات الشرعية الدولية والاتفاقيات الموقعة والوجود الأزلي للشعب العربي الفلسطيني على أرضه, وخاصة قرار تقسيم فلسطين لعام 1947. كما وتتمتع دولة فلسطين بالشخصية القانونية الدولية بلا أدنى شك, وذلك نظراً لأن منظمة التحرير تعتبر حركة تحرر وطني أعطاها القانون الدولي صفة الشخصية الدولية, ويؤيد ذلك قيام الجمعية العامة للأمم المتحدة بمنح منظمة التحرير صفة عضو مراقب عام 1974.

                 فهي سيادة ﻋﻠﻰ ﺘﺭﺍب ﺍﻟﻭﻁن الفلسطيني ﻋﻠﻰ ﺤﺩﻭﺩ ﻋﺎﻡ 1967 ﻓﻲ ﺍﻟﻀﻔﺔ ﺍﻟﻐﺭﺒﻴﺔ ﻭﻗﻁﺎﻉ ﻏﺯﺓ, كما وﺘﻘﻭﺩ هذه السلطة ﻤﻨﻅﻤﺔ ﺍﻟﺘﺤﺭﻴﺭ ﺍﻟﻔﻠﺴﻁﻴﻨﻴﺔ وهي ﺍﻟﻤﻤﺜل ﺍﻟﺸﺭﻋﻲ ﻭﺍﻟﻭﺤﻴﺩ ﻟﻠﺸﻌﺏ ﺍﻟﻔﻠﺴﻁﻴﻨﻲ، بحيث تسعى لإنهاء ﺍﻻﺤﺘﻼل ﻭﺇﻗﺎﻤﺔ ﺍﻟﺩﻭﻟﺔ ﺍﻟﻔﻠﺴﻁﻴﻨﻴﺔ ﺍﻟﻤﺴﺘﻘﻠﺔ ﺫﺍﺕ ﺍﻟﺴﻴﺎﺩﺓ ﻭﻋﺎﺼﻤﺘﻬﺎ ﺍﻟﻘﺩﺱ ﺍﻟﺸﺭﻴﻑ ﻋﻠﻰ ﺤﺩﻭﺩ ﻋﺎﻡ 1967, كما ﺃكدت ﻭﺜﻴﻘﺔ ﺇﻋﻼﻥ ﺍﻻﺴﺘﻘﻼل ﺍﻟﻔﻠﺴﻁﻴﻨﻲ ﺍﻟﺼﺎﺩﺭﺓ ﻋﻥ ﺍﻟﻤﻨﻅﻤﺔ ﻓﻲ الجزائر ﻋﺎﻡ 1988, ﻭﺇﻋﻼﻥ ﺍﻟﻤﺒﺎﺩﺉ ﺍﻟﺫﻱ ﻭﻗﻊ ﻓﻲ ﺃﻭﺴﻠﻭ ﻋﺎﻡ 1993 ﻋﻠﻰ ﺭﻏﺒﺔ ﺍﻟﺸﻌﺏ ﺍﻟﻔﻠﺴﻁﻴﻨﻲ ﻓﻲ ﺍﻟﺘﻭﺼل ﺇﻟﻰ ﺘﺴﻭﻴﺔ ﺘﺎﺭﻴﺨﻴﺔ ﺘﻨﻬﻲ ﺍﻻﺤﺘﻼل ﻋﻥ ﺍﻷﺭﺽ ﺍﻟﻔﻠﺴﻁﻴﻨﻴﺔ ﺍﻟﻤﺤﺘﻠﺔ ﻤﻨﺫ ﻋﺎﻡ 1967 ﻭﺘﻤﻜﻴﻨﻪ ﻤﻥ ﺘﻘﺭﻴﺭ ﺍﻟﻤﺼﻴﺭ ﻓﻲ ﺩﻭﻟﺔ ﻤﺴﺘﻘﻠﺔ ﺫﺍﺕ ﺴﻴﺎﺩﺓ ﻭﻋﺎﺼﻤﺘﻬﺎ ﺍﻟﻘﺩﺱ ﺍﻟﺸﺭﻗﻴﺔ, ﻭﺘﻜﺭﺱ ﺍﻟﺴﻠﻁﺔ ﺍﻟﻭﻁﻨﻴﺔ ﺍﻟﻔﻠﺴﻁﻴﻨﻴﺔ، ﻭﻫﻲ ﺍﻻﻤﺘﺩﺍﺩ ﺍﻟﻁﺒﻴﻌﻲ ﻟﻤﻨﻅﻤﺔ ﺍﻟﺘﺤﺭﻴﺭ ﺍﻟﻔﻠﺴﻁﻴﻨﻴﺔ ﺠﻤﻴﻊ ﻁﺎﻗﺎﺘﻬﺎ ﻭﻗﺩﺭﺍﺘﻬﺎ ﻨﺤﻭ ﺘﺤﻘﻴﻕ ﻫﺫﺍ ﺍﻟﻬﺩﻑ ﺍﻟﻭﻁﻨﻲ ﺍﻷﺴﻤﻰ ﻓﻲ ﺇﺩﺍﺭﺓ ﻤﺠﻤل ﺍﻟﺸﺅﻭﻥ ﺍﻟﻔﻠﺴﻁﻴﻨﻴﺔ ﻓﻲ ﻗﻁﺎﻉ ﻏﺯﺓ ﻭﺍﻟﻀﻔﺔ ﺍﻟﻐﺭﺒﻴﺔ. ()

               وحيث إنَ السيادة في فلسطين تبقى للشعب الفلسطيني, إذ مارس السلطة على أرضه وإذ لم يقبل الغزو العسكري، وأظهر تصميمه بكل الطرق على استعادة حريته، فالسيادة حتى لو استلبت، أو قيدت, أو لجأت إلى منفى، تظل قائمة مستمرة من الناحية القانونية, فالاحتلال الحربي هو واقعة لا تضفي حقاً قانونياً للمحتل في الإقليم المحتل, إذ إن نظرية الاحتلال العسكري كما يستفاد من اتفاقية لاهاي الرابعة لسنة 1907 واتفاقية جنيف لسنة 1949 أصبحت تقوم على مبدأين أساسيين هما: ()

أولاً: إن الاحتلال لا ينقل السيادة بمعنى أن السيادة القانونية وما يتفرع عنها من اختصاصات تبقى للدولة صاحبة السيادة على الإقليم أي تبقى للدولة صاحبة الإقليم.

ثانياً: لا يعترف القانون الدولي بسلطات الاحتلال إلا بالقيام بالإجراءات الضرورية لإدارة الإقليم المحتل, دون أن يؤثر ذلك في السيادة الإقليمية وما يتفرع عنها من اختصاصات قانونية. ويمكننا الإشارة في هذا المقام لما حدث أثناء قيام الحرب العالمية الثانية عندما هاجم الألمان فرنسا هجوماً كاسحاً مما أجبر فرنسا على الاستسلام, وقام على إثر ذلك بعض الضباط الفرنسيين برفض مهادنة الألمان وشكلوا حكومة فرنسا الحرة في لندن برئاسة الجنرال شارل ديغول عام 1940, ولم تلقَ هذه الحكومة معارضة دولية على ما قامت به. ()

              فعنصر السيادة دائم ولا يتجزأ مطلقاً مهما استمر احتلال إسرائيل لإقليم دولة فلسطين, وممارستها لسلطتها العسكرية على الشعب الفلسطيني لا تسلبه حقه في ممارسة سيادته على ترابه الوطني، فممارسة سلطات الاحتلال لشؤون الشعب الفلسطيني لا تؤدي إلى تجريد الدولة الفلسطينية من سيادتها بل على العكس تبقى محتفظة بشخصيتها المستقلة عن شخصية الدولة التي تتولى إدارتها مهما طال الزمن, فالسيادة كوضع قانوني تبقى للدولة صاحبة الإقليم وهي والحالة هذه للفلسطينيين. () وعلينا أن لا ننسى عند مناقشة موضوع السيادة أن نأخذ بعين الاعتبار طبيعة المفاوضات والصراع الفلسطيني الإسرائيلي, فهذا صراع خاص وللسيادة معنى خاص هنا, فالسيادة السيادة التي يتم بحثها نسبية أصلاً, ومن طبيعة خاصة ترتبط ليس بمبدأ الحقوق القومية السيادية بقدر ما ترتبط بخلق وجود قومي غير موجود أصلاً, كذلك فإن آلية تطبيق الاتفاق تدفع بعوامل السيادة المتعددة إلى الظهور والتبلور أكثر وأكثر حتى تتحقق بالكامل. ()    








الرد السريع
كاتب المشاركة :
الموضوع :
النص : *