إنهاء المعاهدات بالإرادة المنفردة ...

رسالة ماجستير-.بقلم عبدالعزيز موسي شهاب

الفرع الثالث

إنهاء المعاهدات بالإرادة المنفردة

             يثير التساؤل هنا عما إذا كان يجوز لأحد الأطراف في معاهدة ما التحلل منها بإرادته المنفردة؟        نجيب على هذا التساؤل كالتالي: إذا وجد في المعاهدة نص يحكم المسألة, فلا مشكلة, إذ في هذه الحالة سيتم اتباع الشروط التي قررها ذلك النص, أما إذا لم يوجد نص في المعاهدة, ففي هذه الحالة يمكن تطبيق المبدأ الآتي:- يعتبر إنهاء المعاهدة بالإرادة المنفردة عملاً غير مشروع يرتب المسؤولية الدولية للدولة المعنية, لأن مثل هذا العمل يؤدي إلى إمكانية التحلل من المعاهدة متى أرادت الدولة ذلك, مما يعرض الثقة والأمن القانوني – وهما حجرا الزاوية في أية علاقة اتفاقية – للخطر, ويؤدي أيضاً إلى شيوع الفوضى في العلاقات الدولية. () حيث ذهب البعض إلى أن الإرادة المنفردة لا تحدث آثاراً في دائرة القانون الدولي على وجه العموم ولا تعتبر الأعمال القانونية التي تصدر عن الإرادة المنفردة في المجال الدولي تعبيراً عن إرادة آمرة إلا إذا سبقتها أو لحقتها إرادات أشخاص قانونية أخرى تفاعلت معها بصفة رئيسية أو تبعية بصورة صريحة أو ضمنية. () فإذا كان التحلل بالإرادة المنفردة من المعاهدة مسألة غير مقبولة في القانون الدولي العام, فإن هذا العمل قد يجد ما يبرره في حالة إخلال الطرف الآخر بأحكام المعاهدة إخلالاً جوهرياً,  فمن المتفق عليه أنه إذا أخل أحد أو بعض الأطراف في معاهدة ما بالالتزامات الناشئة عنها أو خالف أحكامها فإنه يخول لكل طرف من الأطراف الأخرى التمسك بهذا الإخلال لعــــدم الوفاء بالتزاماتـــــه، وبالتالي يصبح مــــن حق الطرف أو الأطراف الآخريــــــن أن يفسخوا المعاهدة وينهوا العمل بأحكامها، خاصة إذا ( كان عدم تنفيذ المعاهدة ينصرف إلى حكـــــم على درجة مـــن الأهمية ). وإن إنهاء المعاهدة وفسخها في حالات إخلال الطرف الآخر بالمعاهدة من المبادئ الخالدة في العرف الدولي ويستجيب لحاجة مستمرة في المجتمع الدولي، على أن الإخلال بأحكام المعاهدة لا يؤدي في كافة صوره إلى انقضاء المعاهدة، إذ لابد أن يطبق شرط الإخلال بأحكام المعاهدة كسبب لانقضائها بقدر كبير من الحذر وإلا أدى ذلك إلى فوضى وعدم استقرار في العلاقات بين الدول فقد يدعى بعض أطراف المعاهدة إخلال الأطراف الأخرى بها كذريعة يتوصل بها إلى التحلل من الالتزام بأحكامها، ولذا فإنه يشترط أن يكون الإخلال جوهرياً لكي يبرر فسخ المعاهدة وتحلل الأطراف المتضررة من أحكامها. ()

             ولقد نصت الفقرة الأولى من المادة(60) من معاهدة فيينا على ذلك الحكم فقررت بأن: ()

الإخلال الجوهري بأحكام معاهدة ثنائية من جانب أحد طرفيها يخول للطرف الآخر التمسك بهذا الإخلال كأساس لإنهاء المعاهدة أو إيقاف العمل بها كلياً أو جزئياً, ثم بينت في الفقرة الثالثة من ذات المادة صور الإخلال الجوهري واعتبرته كذلك في الحالات التالية:

أ . التنصل من المعاهدة بما لا تجيزه هذه الاتفاقية, فالتخلي عن المعاهدة أو عن أياً من بنودها الملزمة لأطرافها, وترك العمل بها بما يخالف نصوص الاتفاقية يعتبر إخلالاً جوهرياً يعيق تنفيذ المعاهدة, ويبيح التمسك به كسبب لإنهاء المعاهدة أو وقف العمل بها.

ب . مخالقة نص أساسي لتحقيق موضوع المعاهدة والغرض منها, والمخالفة تختلف عن التنصل من حيث إنَ التنصل يكون باستبعاد النص والتخلي عنه وترك العمل به, أي أن الإخلال يكون نتيجة فعل سلبي, أما المخالفة فهي ناتجة عن فعل إيجابي يتضمن القيام بعمل مخالف لما تم الاتفاق عليه, مما يعارض موضوع المعاهدة والغرض الأساسي لإبرامها.

              كما ونصت اتفاقية فيينا على حالتين يجوز الإنهاء بتحقق هاتين الحالتين إذا لم تتضمن المعاهدة نصوصاً صريحة تخول للأطراف الإنهاء بالإرادة المنفردة, حيث استثنت من الأصل العام ( وهو عدم جواز الانسحاب بالإرادة المنفردة من المعاهدة في حالة عدم وجود نص يبيح الانسحاب ). وهاتين الحالتين نصت عليهما في المادة(56) بخصوص المعاهدات التي لا تتضمن نصوصاً صريحة بالنسبة لإنهائها, على أنه لا يجوز الإنهاء بالإرادة المنفردة إلا في حالتين وهما: ()

1 . إذا ثبت أنه كان في نية أطراف المعاهدة إمكانية إنهائها بالإرادة المنفردة, فإذا ثبت من نية الأطراف بأنهم قصدوا إمكانية إنهاءها بإرادة أياً من بأطرافها, عندها يتم الرجوع إلى ما يثبت نواياهم, كالخطابات والتصريحات ومحاضر الجلسات, وإذا ثبت اتجاه نواياهم لذلك فإنه يجوز في هذه الحالة اعتبار المعاهدة من المعاهدات التي يجوز الانسحاب منها بالإرادة المنفردة.   

2 . إذا أمكن استنتاج ذلك من طبيعة المعاهدة ( كمعاهدة تحالف مثلاً ), فهذا النوع من المعاهدات عادةً تكون محددة بمدة, ولا تتصف بالدوام والأبدية, وتخضع لتقلبات الأوضاع السياسية, لذلك يخضع الأمر هنا للاستنتاج, ولبحث طبيعة هذه المعاهدة, فإن كانت طبيعتها كذلك فإنها تعتبر من المعاهدات التي يجوز الانسحاب منها بالإرادة المنفردة نظراً لطبيعتها التي تفقد عنصر الثبات والإلزام, وطول المدة.

              وفي كلتا الحالتين على الطرف الذي ينهي المعاهدة ( أو ينسحب منها ) أن يخطر الأطراف الأخرى بذلك قبل حدوثه باثني عشر شهراً.

              وتجدر الإشارة إلى أن للإرادة المنفردة دور آخر في إطار قانون المعاهدات أو التنازل عن بعض الحقوق المترتبة عليها, حيث يعتبر تنازل الدولة عن بعض الحقوق والمزايا التي تقررها لها المعاهدة عملاً مشروعاً, لأنها تتنازل عن حقوق ومزايا تخصها ( بعكس حالة عدم تنفيذها الالتزامات الواقعة على عاتقها ). كذلك يمكن انقضاء المعاهدة بالإرادة المنفردة في ظروف أخرى ( كاستحالة التنفيذ مثلاً ).()











الفصل الثاني

الطبيعة القانونية لاتفاقية أوسلو وحدود الالتزام بها

                في عام1993 تم التوصل لاتفاقية بين منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل الدولة القائمة بالاحتلال عرف باسم " اتفاق أوسلو"  تم بموجبه إعادة انتشار لقوات الاحتلال الإسرائيلي وإنشاء سلطة حكم ذاتي محدود على أجزاء من الإقليم الفلسطيني المحتل, حيث تم توقيع اتفاق إعلان المبادئ " أوسلو" في واشنطن في الثالث عشر من أيلول عام1993، بين إسرائيل، ممثلة برئيس وزرائها " إسحاق رابين " ومنظمة التحرير الفلسطينية، ممثلة بالسيد الرئيس " محمود عباس أبو مازن " وبحضور الرئيس الراحل " ياسر عرفات "، وبرعاية من قبل الرئيس الأمريكي آنذاك " بيل كلينتون ", وفي هذا الفصل سنتناول اتفاقية أوسلو خلال ثلاثة مباحث, المبحث الأول سنتعرف به على اتفاقية أوسلو والظروف التي دفعت نحو إبرامها, والمبحث الثاني سنتناول فيه الطبيعة القانونية لاتفاقية أوسلو وإمكانية إنهاءها, وأخيراً سنخصص المبحث الثالث لبيان أشكال الانتهاكات الإسرائيلية للاتفاقية كما سيأتي.

المبحث الأول

التعريف باتفاقية أوسلو والظروف التي بلورتها

                في يوليو عام1993 تم الإعلان بأسلوب مفاجئ عن مفاوضات سرية بين منظمة التحرير الفلسطينية وتل أبيب في أوسلو, واتفاق وشيك بين الطرفين, وبالفعل, نهاية آب / أغسطس1993, أعلن عن التوصل إلى ما عرف باتفاق أوسلو أو اتفاق إعلان المبادئ الفلسطيني الإسرائيلي ( DOP ) الذي تم توقيعه رسمياً بعد ذلك في13 أيلول / سبتمبر, في واشنطن. () وفي هذا المبحث سنتعرف أكثر على اتفاقية أوسلو والظروف التي دفعت نحو إبرامها, مقسمين هذا المبحث إلى ثلاثة مطالب, المطلب الأول سنسلط الضوء فيه على الاتفاقية مع شيء من التفصيل, والمطلب الثاني سنتعرض فيه للظروف الدولية والداخلية التي ساهمت في صنع الاتفاقية وبلورتها, وأخيراً سنبين في المطلب الثالث أهم المسائل والإشكاليات التي تم تسويتها من خلال الاتفاقية والمسائل التي ظلت عالقة ولم تحل, كما سيأتي:

 

المطلب الأول

التعريف باتفاقية أوسلو

              سنتعرف في هذا المطلب على اتفاقية أوسلو من خلال تقسيم هذا المطلب إلى فرعين مستقلين, سنتكلم في الفرع الأول عن المحاولات السابقة لاتفاقية أوسلو للتوصل لتسوية الصراع الفلسطيني الإسرائيلي, والفرع الثاني سنتحدث فيه عن مقدمة تاريخية تعريفية باتفاقية أوسلو, كما سيأتي:

الفرع الأول

محاولات التوصل لتسوية الصراع العربي الإسرائيلي قبل أوسلو

               لقد مثلت اتفاقية كامب ديفيد ومعاهدة السلام المصرية الإسرائيلية باكورة المحاولات لتسوية الصراع العربي الإسرائيلي وبداية لحلول انفرادية لتسوية الصراع, حيث التقت في "كامب ديفيد" وفود كل من مصر وإسرائيل والولايـات المتحـدة، وبدأت المحادثات في الخامس من أيلول ١٩٧٨، وبعد اثني عشر يوماً من المحادثـات توصل المجتمعون إلى اتفاقات تم التوقيع عليها من قبل الرؤسـاء الثلاثـة: " أنور الـسادات " و " مناحم بيغن " و " جيمي كارتر ". وقد عرفت باتفاقات "كامب ديفيد"، ونظمت علـى وثيقتـين: الأولـى جاءت تحت عنوان " إطار العمل للسلام في الشرق الأوسط " وقد تـضمنت أسـساً ومبادئ ارتأتها الأطراف المتفاوضة لحل الصراع العربي الإسرائيلي ". وتلى ذلك التوقيع على معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية في واشنطن في ٢٦ آذار ١٩٧٩. ()

             أما على الصعيد الفلسطيني فقد قامت انتفاضة فلسطينية قوية بداية من عام 1987, وساهم أطفال الحجارة بإشعالها, وأدت إلى زعزعة الاستقرار والأمن في إسرائيل وفي الأراضي المحتلة, وفي نفس الوقت أوجدت الفلسطينيين كقوة يجب الاعتداد بها, ولكن ما لبث أن اتخذ الفلسطينيون مساراً جديداً سلمياً لتسوية الصراع من خلال اتفاقيات مدريد وأوسلو. () حيث حرصت الولايات المتحدة  الأمريكية على استغلال حالة الضياع والتشرذم العربي التي أعقبت هزيمة العراق في حرب الخليج في محاولة لفرض تصوراتها ومشاريعها السلمية على العالم العربي. فما أن وضعت الحرب أوزارها حتى أعلن الرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش (الأب) أمام الكونغرس الأمريكي في 6/3/1991 عن مبادرة أمريكية جديدة لحل الصراع العربي الإسرائيلي, تستند إلى قراري مجلس الأمن الدولي 242 و 338, ومبدأ " الأرض مقابل السلام ". وبعد يومين من خطاب بوش, بدأ وزير الخارجية جيمس بيكر جولات مكوكية في الشرق الأوسط, ونجح في النهاية بدعوة جميع أطراف الصراع بمن فيهم الفلسطينيون إلى طاولة المفاوضات في العاصمة الإسبانية مدريد في 30/10/1991. وكان هدف المؤتمر كما ورد في خطاب الدعوة إليه " تحقيق تسوية سلمية شاملة ودائمة وعادلة من خلال مفاوضات مباشرة تأخذ مسارين بين إسرائيل والدول العربية, وبين إسرائيل والفلسطينيين, ترتكز على قراري مجلس الأمن الدولي 242 و 338 ". كما حدد المؤتمر فكرة " الحكم الذاتي الفلسطيني " محوراً ترتكز إليه المفاوضات بين الفلسطينيين وإسرائيل. ()

             وقد استجابت منظمة التحرير الفلسطينية بعد ضغوطات شديدة مورست ضدها للطلب الإسرائيلي المدعوم أمريكياً بعدم تشكيل وفد فلسطيني مستقل, والانضواء تحت المظلة الأردنية خلال مؤتمر ومفاوضات مدريد, كما وافقت على أن يقتصر تشكيل الوفد الفلسطيني على فلسطيني الأراضي المحتلة عام 1967, واستبعاد أي عضو من مدينة القدس, ومع تطور الأحداث تبين أن هذا المؤتمر ليس سوى مظلة لمفاوضات ثنائية منفردة بين الأطراف العربية كلٌ على حدة مع إسرائيل, وبات واضحاً أن إسرائيل أصرت على استبعاد الأمم المتحدة تماماً من عملية التسوية, وحصلت على ما تريد بالكامل, حتى تتم عملية التسوية ليس على أساس من القانون الدولي والشرعية الدولية, ولكن وفق موازين القوى القائمة, وفتح انعقاد المؤتمر طريق المفاوضات الثنائية ومتعددة الأطراف بين الدول العربية وإسرائيل واتخذ الخط التفاوضي الإسرائيلي العربي الثنائي على مسارات أربعة: الفلسطيني, الأردني, اللبناني, السوري. ()

              عموماً, لم تنجح جولات المفاوضات الثنائية في تحقيق اختراقات تذكر، وذلك بسبب التعنت الإسرائيلي، وتبني الإدارة الأمريكية للموقف الإسرائيلي، حيث أعلن المنسق الأمريكي لعملية السلام أن الاتفاق الذي سيتوصل إليه الطرفان حول الوضع النهائي هو الذي سيشكل الأساس للقرارين (242) و (338). () وبذلك خلت أسس ومرجعيات عملية التفاوض من أية ضمانات تلزم إسرائيل بتنفيذ قرارات الشرعية الدولية ذات الصلة بالقضية الفلسطينية، وخضعت بالتالي كافة القضايا لنتائج التفاوض المبــــاشر بين الطرفين، فــــــي ظل الاختلال العميق فــــــي موازين القوى لصالح إسرائيل. () وقد عكس تعثر المفاوضات الثنائية والمتعددة في مراحلها الأولى ( من نوفمبر 1991– حتى اغسطس 1993) تردد الأطراف المعنية, وهشاشة الأسس التي قامت عليها عملية السلام     المذكورة, وتعقيد الظروف التي واكبت العملية السلمية, إلا أن تطوراً مفاجئاً على المسار الفلسطيني – الإسرائيلي في مفاوضات سرية في أوسلو بين منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل أدى إلى تسارع العملية السياسية بشكل فاق كل     التوقعات. ()       

الفرع الثاني

التعريف باتفاقية أوسلو وموقف الفصائل منها

               الاتفاقية المعروفة باتفاقية أوسلو أو ( إعلان المبادئ ) هي: " الاتفاقية الدولية الثنائية التي تم التوصل إليها بين منظمة التحرير الفلسطينية - بوصفها حركة تحرر وطني - وإسرائيل في سبتمبر عام 1993, والتي تم التفاوض عليها سراً بين قيادة منظمة التحرير الفلسطينية ( الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني ) والقيادة الإسرائيلية برعاية أمريكية في أوسلو عاصمة النرويج مدة سنة تقريباً, وحددت مدتها بخمس سنوات ". وتم التوقيع عليها في البيت الأبيض في واشنطن بتاريخ 13/9/1993, وتمت قبل التوقيع المصافحة الشهيرة بين " إسحاق رابين " رئيس وزراء إسرائيل و " ياسر عرفات "  رئيس منظمة التحرير الفلسطينية بتشجيع من الرئيس الأمريكي " بيل كلينتون ". وقد أشرف على المباحثات السرية من الجانب الفلسطيني " محمود عباس ", و " أحمد قريع ", ومن الجانب الإسرائيلي " يوسي بيلين ", و " شمعون بيرس ", وكان يشاركهم ويهيئ لهم الاجتماعات وزير خارجية النرويج. ()

              ويعتبر اتفاق أوسلو وبحق منعطفاً تاريخياً في مسار القضية الفلسطينية, فهو أول اتفاق يوقعه الفلسطينيون والإسرائيليون ويتم بموجبه تنفيذ تسوية سلمية, قد عرف هذا الاتفاق ( باتفاق إعلان المبادئ الفلسطيني الإسرائيلي ) أو باتفاق ( غزة أريحا أولاً ), ووقعت كافة الاتفاقيات التالية بين منظمة التحرير والكيان الإسرائيلي بناءً على هذا الاتفاق. ()

               ولــــــــم يكـــــن مشروع " غزة أريحـــــــا " فكـــــرة جديدة, فقد سبــــــــق أن طرحها " سايروس فانس " على الـــرئيس المصري أنـــــــور الســـــــادات عــــــــام 1977 ونقلها الرئيس أنـــــور السادات إلى كل من ياسر عرفــــــات وأبو إياد, وفــــــي ذلك الوقت جـــــرى رفضها من قبل منظمة التحرير, لكنــــــه منذ صيـــف 1977 حتى ينــــاير 1993 كــــانت الأوضاع قـــــد تغيرت بشدة, ومعها أصبح ما كـــان مرفوضاً بالأمس مطلوباً اليوم وغداً إذا أمكن التوصل إليه. ()

                وأما عن المبادئ التي جاءت بها اتفاقية أوسلو فقد طرحت حكماً ذاتياً على مناطق في الضفة الغربية وقطاع غزة ( باستثناء المستوطنات الإسرائيلية ) كمرحلة انتقالية تفضي إلى مفاوضات مفتوحة النتائج حول الوضع النهائي, كما انتقلت منظمة التحرير من الكفــــــــاح المسلــــح كاستراتيجيـــــة وأسلــــوب وحيـــــد إلى اعتماد المفاوضـــات الدبلوماسية, كمــــا تقلبت فـــــي تحالفـــاتها العربية ووسعـــت مـــــــن نطــــاق القــــوى الإسرائيليــــة التي تتعــــاطى معهـــا, وأدخــــلت تغييــرات هامـــة عـــلى تحالفــــاتها الدولية بعــــد تفكك الاتحاد السوفيتي. ()

                كما وأرجأت الاتفاقية بعض الملفات الأساسية ولم تبحثها, فقد نصت الفقرة الثالثة من المادة الخامسة من إعلان المبادئ على أنه: " ستبدأ مفاوضات الوضع النهائي بين الطرفين في أقرب وقت ممكن على ألا تتعدى 4 أيار 1996, ومن المفهوم أن هذه المفاوضات ستشمل القضايا المتبقية بما فيها القدس واللاجئين والمستوطنات والترتيبات الأمنية والحدود والعلاقات والتعاون مع الدول المجاورة وأمور أخرى ذات اهتمام مشترك, أو أي شيء في هذه الاتفاقية سوف يستبق أو يجحف بنتائج مفاوضات الوضع الدائم, والتي ستجري بموجب إعلان المبادئ ولن يعتبر أي من الطرفين بحكم دخوله في هذه الاتفاقية على أنه تخلى أو تنازل عن حقوقه الثابتة أو مطالبه أو مواقفه ". ()

              ونحن في هذا البحث ليس بصدد تقييم الاتفاقية وإبراز الجوانب الإيجابية أو السلبية لها, ولكن تجدر الإشارة هنا إلى أن فصائل وقوى الداخل الفلسطيني انقسمت بين مؤيد ومعارض للاتفاقية, حيث وقفت حركة فتح ومؤيدوها إلى جانب قيادة منظمة التحرير والسلطة الفلسطينية, بينما وقفت الفصائل الفلسطينية العشر وعلى رأسها حركتي حماس والجهاد الإسلامي والجبهتين الشعبية والديمقراطية ضد الاتفاقية وتعهدت بإسقاطها.

              وقد برر المؤيدون للاتفاقية بأن هذا أفضل ما يمكن تحصيله في ظل اختلال موازين القوى, والعجز العربي والإسلامي الحالي, كما يذكر المدافعون أن هذه الاتفاقيات شكلت فرصة لمنظمة التحرير وشعب فلسطين لبناء الحقائق على الأرض وإقامة السلطة الفلسطينية وإنقاذ ما يمكن إنقاذه من أرض قبل أن تقضي عليها آلة الضم والمصادرة الصهيونية, وقبل أن يتم تذويب أو تضييع قضية فلسطين نفسها. ويذكرون أن إسرائيل اعترفت في هذه الاتفاقية رسمياً بالشعب الفلسطيني وبحقوقه السياسية والمشروعة, كما اعترفت لأول مرة بمنظمة التحرير ممثلة لهذا الشعب, واعترفت أيضاً بالوحدة الإقليمية للضفة والقطاع, ويقولون أن مسار أوسلو مهما حاول الصهاينة التهرب من التزاماته سيؤدي في النهاية إلى إقامة الدولة الفلسطينية. ()

              وعلى أي حال فإن اندلاع انتفاضة الأقصى في 28 سبتمبر 2000 كان بمثابة وصول هذه الاتفاقيات إلى طريق مسدود.   














الرد السريع
كاتب المشاركة :
الموضوع :
النص : *