مذهب التفرقة بين المعاهدات العقدية والمعاهدات الشارعة

رسالة ماجستير-.بقلم عبدالعزيز موسي شهاب

المطلب الأول

مذهب التفرقة بين المعاهدات العقدية والمعاهدات الشارعة

            أبرز بعض الفقهاء منذ زمن طويل الوظائف التي تؤديها المعاهدات الدولية من حيث عدم خضوعها لنظام قانوني موحد وإنما لعدة نظم قانونية تختلف باختلاف نوع المعاهدة، ورأى هؤلاء أن المعاهدات تنقسم من الناحية المادية أو من حيث المهمة أو الدور الذي تقوم به إلى معاهدات شارعة ومعاهدات عقدية, فالمعاهدات التعاقدية هي التي تضم عدد من الدول في موضوع معين, تلتزم بتنفيذها الدول الموقعة ولا ينتقل أثرها إلى الدول الأخرى مثل معاهدات تعيين الحدود ومعاهدات التحالف, أما المعاهدات الشارعة فهي التي تؤدي إلى تشريع قوانين جديدة ولا يقتصر أثرها بين الأطراف المتعاقدة وإنما ينتقل إلى الدول الأخرى، وهي من أهم مصادر القانون الدولي العام. ()

            وفي هذا المطلب سنتعرض لآراء المذهب القائل بالتفرقة بين المعاهدات الدولية من حيث طبيعتها إلى معاهدات عقدية ومعاهدات شارعة, ولمعايير هذه التفرقة, وذلك في فرعين مستقلين كما هو آت:

الفرع الأول

مذهب التفرقة بين المعاهدات من حيث طبيعتها

           حيث تذهب غالبية اتجاهات الفقه الدولي إلى التفرقة بين الاتفاق الدولي الشارع والاتفاق الدولي الذي يأخذ طبيعة العقد, ويذهب أصحاب هذا الرأي إلى أن أساس التفرقة هو ما يقصد أطراف الاتفاق الدولـــــي تنظيمه باتفاقهم. ()

           فالالتزامات  في المعاهدات العقدية ذات طبيعة شخصية ومتقابلة, وليست واحدة, فهي تخلق التزامات وواجبات لكل طرف تختلف عن التزامات وواجبات الطرف الآخر, ويمكن القول أن الالتزامات العقدية تخلق الالتزامات, ولا تخلق قواعد قانونية, وعلى كل طرف تنفيذ ما التزم به تجاه الطرف الآخـــــر, إذ إنَ سبب التـــزام كل طرف في الاتفاق هو ما التزم به الطرف الآخر, وهذا يشبه المراكز القانونية لأطراف العقد الملزم للجانبين في القانون الداخلي المدني. ()

        وأول القائلين بهذه التفرقة هما " برجبوم " و " تريبل ", وكان " لأوبنهايم " فضل في تعريف الفقه الأنجلوسكسوني بها. حيث إنَ مبتدعي هذه النظرية بنوها على اختلاف طبيعة المعاهدات في كل من القسمين, فالمعاهدات الشارعة هي المعاهدات التي تسن القانون, أما المعاهدات العقود فهي عقود خالصة. ذلك أن إرادة كل من الطرفين في المعاهدات العقود تختلف عن إرادة الطرف الآخر وتسعى إلى تحقيق غاية متباينة. أما المعاهدات الشارعة فتبتغي أهدافاً موحدة, وبهذا صلحت أن تكون دليلاً على القانون. ()  فالمعاهدات الشارعة هدفها بيان قاعدة قانونية ذات قيمة من الناحية الموضوعية وتعبر عن إرادة الدول الموقعة عليها ومن أمثلتها ( تصريح    باريس المؤرخ في16 نيسان1856 بشأن الحرب البحرية, واتفاقات لاهاي المؤرخة في29 تموز1899 و18    تشرين الأول1907, وميثاق عصبة الأمم المؤرخ في28 حزيران1919, وميثاق الأمم المتحدة المؤرخ في26 حزيران1945 ). أما المعاهدات التعاقدية فهي عقود ذاتية تتضمن تعهد الدول الموقعة عليها بالقيام بصورة متبادلة بالتزامات مختلفة ومن أمثلتها ( معاهدات التحالف, والتجارة, ورسم الحدود, والتنازل عن الأقاليم ... إلخ ). ()  

             وقد ذهب البعض إلى أن المعاهدات الشارعة لا تكون كذلك إلا إذا اشترك في إبرامها غالبية أشخاص القانون الدولي العام وهو أمر نادر الحدوث. وإذا كانت المعاهدات المبرمة بيــــن الدول الكبرى الممارسة للإرادة الفعلية للعالم والمستهدفة سن قواعد تنظم العلاقات الدولية, تتمتع - ولا شك – بالقوة الملزمة في مواجهة كافة أعضاء الجماعة الدولية, ومن ثم تعتبر مصدراً للقواعد القانونية العامة المجردة, فليست هــــذه المعاهدات - في حقيقتها – سوى تشريع اكتسى ثوب المعاهدة, لأنها لا تستمد قوتها من اتفاق المخاطبين بها على مضمونها, وإنما مــــــن صدورها من مجموعة الدول الكبرى الممارسة للسلطة العليا في المجتمع الدولي نيابة عـــــن الجماعة الدولية نفسها. () وهذا الرأي منتقد من جانبنا نظراً لأنه يكرس مبدأ سيطرة الدول الكبرى وهيمنتها على المجتمع الدولي, ويبرر لها تحكمها في ممارسة السلطة العليا المشرِعة للجماعة الدولية, وهذا مخالف لقواعد القانون الدولي وأحكامه.

             ويرى الدكتور " محمد طلعت الغنيمي " أن المعاهدة لا تكون إلا شارعة ما عدا المعاهدات التي تتكون من علاقات قانونية مكتوبة بين الدول فهي عقود فحسب وليست معاهدات, ونذهب إلى ما ذهب إليه الدكتور صلاح الدين عامر وما أيده أستاذنا الدكتور عبدالرحمن أبو النصر من أن المعاهدة تكون في تقديرنا تشريعاً بالنسبة للدول الأطراف فيها أياً كان عددهم, وهي تعتبر تشريعاً خاصاً في المقابلة مع القواعد الدولية العامة التي يكاد ينحصر نطاقها في الوقت الحاضر في القواعد الدولية العرفية التي يمكن أن تكون مستمدة بدورها من معاهدات دولية شارعة يشترك في إبرامها عدد كبير من الدول لا يصل بحال إلى جميع الدول الأعضاء في المجتمع الدولي, كما ويرى أصحاب هذا الرأي أن دور الدول الكبرى في التشريع في ما يصدر عنها من إرادة في هذا الصدد لا يعد تشريعاً دولياً وإن كان يمثل قوة ضغط اجتماعي دولي يؤدي إلى نشأة تشريع دولي يتوافق مع مصالحها. ()  





الفرع الثاني

معايير التفرقة بين المعاهدات من حيث طبيعتها

 بناءً على ما سبق نجد أن دراسة العمل الدولي تكشف عن فروق أساسية بين هذين النوعين من المعاهدات     ( المعاهدات التعاقدية والمعاهدات الشارعة ), سواء من حيث طبيعتها أو من حيث الأطراف فيها أو من حيث مدى قوتها الإلزامية:

أولاً: من حيث طبيعتها وموضوعها:

 فالمعاهدات الشارعة من حيث طبيعتها تقوم بوضع قواعد مجردة قابلة للتطبيق مستقبلاً. على أية حالة أو واقعة تندرج تحت حكمها, فهي تشبه التشريعات الداخلية, أما المعاهدات العقدية فهي تحكم مراكز شخصية تخص علاقات دولتين أو أكثر ( المرتبطة بها ). ()

 

ثانياً: من حيث الأطراف:

 تتميز المعاهدات الشارعة في اشتراك معظم الدول الأعضاء في المجتمع الدولي فيها, وإن لم تكن كلها, ويتوجه الخطاب فيها إلى المجتمع الدولي ككل, على خلاف ذلك المعاهدات العقدية, إذ هي تعنى بترتيب حقوق والتزامات بين عدد قليل من الدول في شأن مسائل محددة. ()

ثالثاً: من حيث القوة الإلزامية:

 لا خلاف بين الفقهاء في أن المعاهدات العقدية لا تلزم سوى الأطراف الموقعة عليها, وذلك أخذاً بالقواعد المستقرة في النظم الداخلية والتي تطبق على العقود والتي تقضى بأن العقد لا ينتج شيئا خارج أطرافه, أما بالنسبة للمعاهدات الشارعة, فإن من الواضح أنها -حسب رأي البعض من رجال الفقه- قد تلزم غير الأطراف بما يرد فيها.        

  علي أية حال فقد أصبحت المعاهدات الشارعة أسلوب حديث للتشريع الدولي, يتسم بالطابع الجماعي وبالتنظيم. أي تتجه إلي إرساء قواعد عامة قابلة للتطبيق علي كافة أعضاء المجتمع الدولي, بصرف النظر عن وضعهم السياسي أو العسكري, ومع ذلك تشهد الوسائل التنظيمية الدولية بعض التطورات ذات الأهمية في هذا الصدد. فقد قامت الدول بإنشاء المنظمات الدولية , كهيئات دائمة تمارس العديد من الاختصاصات الدولية التي تهم المجتمع الدولي, ووصل التطور لدى بعض هذه المنظمات إلي الحد الذي جعلها تمثل بداية جديدة في تكوين سلطة عليا فوق الدول تملك حق إلزامها بقرارات لم توافق عليها. ويصدق ذلك الوصف علي الخصوص بالنسبة لمجلس الأمن, وعلي أية حال فإن الدور الذي تؤديه المعاهدات الشارعة كمصدر للقانون الدولي قد تزايد في الآونة الأخيرة, بحيث أصبحت الأداة الرئيسية لتنظيم العلاقات الدولية. ()

رابعاً: من حيث أهداف أطرافها:

        يرى الفقه أن التمييز بين المعاهدات يقوم على اختلاف أهداف الأطراف من إبرام المعاهدة, فإن كانت تلك الأطراف تريد إنشاء قواعد عامة مجردة فإن المعاهدة شارعة ومصدراً للقانون الدولي, أما إذا كانت الأطراف لا تريد إنشاء قواعد سلوك فإن المعاهدة عقدية. () ويذهب أصحاب هذا الرأي إلى أن أساس التفرقة هو ما يقصد أطراف الاتفاق الدولي تنظيمه باتفاقهم, وأنَ الالتزامات في المعاهدات العقدية ذات طبيعة شخصية ومتقابلة وليست واحدة, فهي تخلق التزامات وواجبات لكل طرف تختلف عن التزامات وواجبات الطرف الآخر, ويمكن القول أن المعاهدات العقدية تخلق التزامات ولا تخلق قواعد قانونية, وعلى كل طرف تنفيذ ما التزم به تجاه الطرف الآخر, إذ إنَ سبب التزام كل طرف في الاتفاق هو ما التزم به الطرف الآخر, وهذا يشبه المراكز القانونية لأطراف العقد الملزم للجانبين في القانون الداخلي, أما الاتفاق الدولي فهو يهدف إلى خلق قواعد قانونية دولية جديدة عامة ومجردة, وتكون إرادة أطراف الاتفاق فيه واحدة, ولا يهدف لخلق التزامات متقابلة تختلف من طرف لآخر, وذلك راجع لوحدة الموضوع, لذلك نكون أمام معاهدات شارعة. ()  



المطلب الثاني

مذهب الطبيعة الشارعة للمعاهدات

          يرى أصحاب هذا الرأي من الفقه إلى أن المعاهدات الدولية هي ذات طبيعة تشريعية فقط, ومن ثم يرفض أصحاب هذه المدرسة فكرة تقسيم المعاهدات إلى معاهدات عقدية وأخرى شارعة, ويرون أن المعاهدات هي تشريع دولي, ويمثل هذه المدرسة الأستاذ الدكتور " محمد طلعت الغنيمي ", ويعبر عن هذا الرأي بتناوله المدلول العام للتشريع وهو القانون المكتوب أو القانون المسنون, وهو تعبير عن إرادة أشخاص سواءً بطريق مباشر أو بطريق غير مباشر بتأييد السلطة التي أصدرته. ()

          كما ويرى الدكتور الغنيمي أن تصنيف المعاهدات الدولية إلى معاهدات شارعة ومعاهدات عقود هو تصنيف خاطئ, لأن أولئك الذين يقسمون المعاهدات على هذا النحو لا يرتبون أي أثر قانوني على تلك التفرقة, الأمر الذي يفهم منه أن كلا الصنفين من المعاهدات يخضع للأحكام ذاتها التي تكون نظرية المعاهدة في القانون الدولي. وهذا ما يعتقد الدكتور " الغنيمي " أنه غير صحيح لأن المعاهدة الشارعة بوصفها تعبيراً عن الإرادة الشارعة تحكمها قواعد لا بد أن تختلف عن العقد الذي هو تعبير عن الإرادة الخاصة, ويضيف الدكتور أن موضوع المعاهدات الشارعة هو قواعد القانون – أي القاعدة القانونية الموضوعية – أما موضوع العقود فهي الحقوق – أي القاعدة القانونية الشخصية -. وفي عبارة أخرى الفرق بين المعاهدة وغيرها من الوفاقات الدولية المكتوبة هو الفرق بين القاعدة والحق. ()

          والمعاهدة بذلك تقوم بدور مزدوج: تقنيني وتطويري, فهي تقنن القواعد العرفية القائمة فتخرجها بذلك من طور الغموض وعدم دقة الفحوى إلى صياغة محددة وعبارة محبوكة, ثم إنها تزود الجماعة الدولية بما قد تحتاجه من قواعد لتواكب التطور الذي يطرأ على متطلباتها ويمس حاجاتها. فالتشريع – في مدلوله العام – هو القانون المكتوب أو القانون المسنون, أو هو في تعبير – ديلفكيو – الفكر القانوني المتدبر الواعي الذي تعرب عنه أجهزة مختصة بتمثيل الإرادة الغالبة في رابطة جماعية. ()

          فالتشريع في صورته المجردة هو إرادة عامة تعبر عن قاعدة قانونية في صورة مكتوبة وإن كان التعبير عن هذه الإرادة يختلف بالنسبة للنظم التي تتبعها المجتمعات وأنظمتها, وكذلك تختلف وسائل التعبير عن التشريع في المجتمع الداخلي عنه في المجتمع الدولي فالتطور السياسي في المجتمع الداخلي أدى إلى أن تصبح الإرادة العامة سلطة عامة تحتكر إصدار التشريع والإكراه على تنظيم المجتمع, وهي التي تقوم بالتعبير عن الإرادة العامة للمجتمع, وتشكل على نحو معين, أما على الصعيد الدولي, فنجد أن المعاهدة هي عبارة عن تشريع دولي بالمعنى الفني للتعبير لأنها تصدر عن الإرادة الشارعة لأطرافها, وهي الإرادة التي تملك خلق قواعد القانون في الجماعة الدولية وتتضمن قواعد قانونية تحدد الحقوق والواجبات للمخاطبين بأحكامها, وهي من حيث قوة الإلزام آمرة على من تخاطبهم, سواءً في ذلك المعاهدات الثنائية أم الجماعية, فهي تعتبر مصدراً من مصادر القانون الدولي العام طالما أنها تضع قواعد لتنظيم العلاقة بين أطرافها. ()

           ويستند هذا الرأي إلى نص المادة(38) من النظام الأساسي لمحكمة العدل الدولية التي يقتصر حكمها على الاتفاقيات التي تضع قواعد تقر بها الدول المتنازعة حيث تنص المادة(38) في الفقرة( أ ) على:

1 -وظيفة المحكمة أن تفصل في المنازعات التي ترفع إليها وفقاً لأحكام القانون الدولي، وهي تطبق في هذا الشأن:

( أ ) الاتفاقات الدولية العامة والخاصة التي تضع قواعد معترفاً بها صراحة من جانب الدول المتنازعة. ()

          وإذا أخذنا بالاعتبار أن هذه الفقرة ليست إلا تطبيقاً من تطبيقات الحكم العام الذي جاء به صدر المادة وهو " أحكام القانون الدولي العام " أو " مصادر القانون الدولي العام " فإن الاتفاقيات المعنية هي الاتفاقيات التي تتضمن قواعد من القانون الدولي العام تقر بها الدول المتنازعة صراحةً, والاتفاقات التي هي من هذا القبيل هي اتفاقات شارعة, وإن كانت المادة(38) تتكلم عن الاتفاقيات الدولية, وإنما المقصود هنا هي الاتفاقيات المكتوبة, وهي المعاهدات. وقد انتهى هذا الرأي إلى أن المعاهدات لا تكون إلا شارعة, وأنَ ما عدا المعاهدات من علاقات مكتوبة بين الدول فهي عقود, ويرفض تصنيف المعاهدات إلى معاهدات شارعة ومعاهدات عقود, كما أن تطبيق نظام قانوني واحد عليهما يعد أمراً لا يستقيم وطبيعة المعاهدة, حيث إنَ المعاهدات الشارعة بوصفها تعبير عن الإرادة الشارعة تحكمها قواعد لا بد أن تختلف عن العقد الذي هو تعبير عن الإرادة الخاصة. ومن أنصار هذا الاتجاه الفقيه موريلي والفقيه كلسن. ()

 

         مما سبق نخلص إلى أن أصحاب هذه المدرسة من الفقه وإن اختلفوا في تحليلاتهم يرون أن المعاهدات الدولية هي وسيلة خلق القواعد القانونية أو التشريع في المجال الدولي, والمعاهدات هي دائماً شارعة, وأن تصنيف المعاهدات إلى معاهدات شارعة ومعاهدات عقود هو تصنيف خاطئ لأن الذين يقسمون المعاهدات على هذا النحو لا يرتبون أي أثر قانوني على تلك التفرقة.  

المطلب الثالث

مذهب الطبيعة العقدية للمعاهدات

 

          سبق أن قلنا إنَ العديد من الفقهاء انتقد تقسيم المعاهدات إلى معاهدات شارعة ومعاهدات عقدية واستندوا في ذلك لعدة حجج أهمها ما يتعلق بمعيار التفرقة بين هذين النوعين من المعاهدات, ذلك أنه يصعب في أحيان كثيرة إضفاء وصف معين لمعاهدة معينة إذ قد تحتوي قواعد شارعة وأخرى عقدية, ومن ناحية أخرى يمكن اعتبار جميع المعاهدات أياً كان نوعها أو عدد أطرافها معاهدات عقدية حسب ما ذهب إليه البعض, وذلك لأنها تتم عن طريق اتفاق الأطراف أي توافق إراداتهم. () حيث يرى أصحاب هذه المدرسة من الفقه أن طبيعة المعاهدات الدولية والعقود في القانون الخاص هي ذات طبيعة واحدة, وليس للمعاهدات أي طبيعة تشريعية – أي خلق قواعد قانونية – وإنما وظيفتها هي وضع التزامات فقط. ويعبر الدكتور عز الدين فودة عن هذا الاتجاه بقوله: " إنَ التشبيه بالقياس بين المعاهدة والتشريع هو مع الفارق نظراً لاختلافهما من عدة وجوه وهي: ()

1 . إنَ المعاهدة في شكلها وعناصر تكوينها شبيهة بالعقد لا بالتشريع.

2 . إنَ المعاهدة اتفاق يقوم على أساس ارتضاء جميع الأطراف المتعاقدة وتعبيرهم عن ذلك صراحةً بالقبول أو الموافقة أو التوقيع أو التصديق, أو بالإرتضاء عن طريق مختلف, هذه الصيغ الخاصة هي شكل ديموقراطي واجتماعي لا نجد له شبيهاً في وسائل إصدار التشريع الوطني, والذي يصدر بدون مشاورة المخاطبين بأحكامه, أو بموافقة الأغلبية عليه.

3 . ليس هناك في النطاق الدولي مصدر شكلي لتأسيس القواعد القانونية يطابق التشريع في المجتمع الوطني, فلا يوجد مشرع دولي يستقل بنفسه, كسلطة لإصدار التشريع, عن أشخاص المخاطبين بأحكام القانون الدولي, بل هناك نوع من الازدواج الوظيفي في اختصاص الدول التي تقوم بوضع قواعد القانون الدولي, فهي بمثابة المشرع. وهي في الوقت نفسه من أشخاص هذا القانون الملزمين بتنفيذ وتطبيق أحكامه.

           ويذكر " لوثر باخت " أن الإرادة المستقلة للأطراف في كل من المعاهدة والعقد هي الشرط المنشئ للعلاقة القانونية والتي تصبح منذ وجودها مستقلة عن الإرادة الحرة لأحد الأطراف, وأن القانون الوطني هو الذي يمنح العقد قوته الموضوعية, كما أن " قاعدة العقد شريعة المتعاقدين " هي التي تسبغ تلك القوة الموضوعية على المعاهدات الدولية. وينتقد لوثر باخت تصنيف المعاهدات إلى شارعة وعقدية, وينتقد أصحاب مذهب الطبيعة الشارعة للمعاهدات, عندما ذكر بوجوب عدم انخداع المرء بالمفهوم الضيق القائل بأن المعاهدة تعتبر بمثابة التشريع في القانون الدولي, بينما العقد لا يعدو في القانون الخاص أن يكون تعبيراً عن الرغبة في تحقيق المصالح الشخصية للأفراد, إذ إنَ هناك مفاهيم القانون الخاص, كالاتفاقات التي تنظم العلاقة بين الأشخاص المعنوية, ما يضع قواعد محددة للسلوك بطريقة تماثل التشريع تماماً, وهناك معاهدات بين الدول لشراء أرض أو إنشاء مرفق اقتصادي لا تختلف قانونياً وموضوعياً عن العقود المشابهة بين الأفراد. ()

           ويقرر أصحاب هذا الرأي أن " جروسيوس " قد تابع منطق القانون الخاص في معالجته للتعهدات والعقود, ويؤكدون أنه يمكن تناول الالتزامات الناتجة عن المعاهدة في ضوء النظم القانونية الوطنية التي تحكم العقود الخاصة, وأن المعاهدة لها طبيعة قانونية جوهرية تمنحها القوانين المدنية لعقود الأفراد, ولقد اعترف بعض الوضعيين بالصفة التعاقدية للمعاهدات, ولم ينكروا التشابه بينها وبين عقود القانون الخاص, ويفسرون ذلك بأن عقود القانون الخاص والقانون الدولي هي مفاهيم عالمية للقانون, أو مفاهيم للفقه العام ولطبيعة الأشياء ذاتها, يجب تطبيق قواعد متشابهة عليها, ولا يعني هذا في رأيهم تطبيق أحكام العقد الخاص عليها. ()

           ويذهب أنصار هذا المذهب إلى القول بأن معظم القواعد الخاصة بالعقود في القانون الخاص تطبق بالمثل على المعاهدات. مثل القواعد الخاصة بأهلية الطرفين, وطرق إنهاء المعاهدات, وإمكانية التنفيذ, وحسن النية, وأثر المعاهدة بالنسبة لطرف ثالث. ويسايرون منطقهم فيطبقون في تفسير المعاهدة القواعد ذاتها التي تطبق على العقد, ويسوقون العديد من أحكام التحكيم والقضاء الدولي التي أخذت فيها المحاكم الدولية بأفكار القانون الخاص في معالجة المشاكل الدولية, مثل الحكم الصادر في التحكيم الخاص بمصايد الأطلنطي بين بريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية سنة1909 تكون حق ارتفاق يحد من السيادة البريطانية. كما وتوجد بعض القواعد التي تطبق على العقود في القانون الخاص وتطبق على المعاهدات, حتى اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات لعام1969, كالقواعد الخاصة بمشروعية المعاهدات وسلامة الرضا التي نبهت الاتفاقية عليها بأن الإكراه الواقع على ممثل الدولة أو الممارس ضد الدولة وخاصة بعدما أصبحت الحروب خارج نطاق المشروعية الدولية. أثر مبطل للمعاهدات, وهي شروط أساسية لصحة العقود في القانون الخاص. ()

       وهناك قواعد أخرى لا تطبق ولا يعرفها القانون الدولي مثل درجات البطلان المعروفة في القانون الخاص, فالقانون الخاص يعرف ثلاث درجات للبطلان هي: ()

1 . اعتبار العقد كأن لم يكن إذا كان فاقداً لأحد شروط العمل القانونية.

2 . البطلان المطلق, وهذه الدرجة من البطلان تكون طبقاً للقانون, وتعلن بحكم قضائي, وليس للعمل الذي يشوبه هذا البطلان أي أثر قانوني منذ البداية.

3 . البطلان النسبي, وفي هذه الحالة يسبغ البطلان على العمل بحكم من القضاء وبناءً على طلب أحد الأطراف.

          ويعزو هذا الرأي عدم اكتمال نظرية المشروعية كما هي في القانون الخاص إلى غياب السلطة التشريعية وإلى غياب القضاء الملزم, ويخلص هذا الرأي إلى أن الطبيعة القانونية للمعاهدات لا تختلف عن تلك التي تحوزها العقود في القانون الخاص وتطبق عليها القواعد التي تحكم العقود وكذلك يرى هذا الجانب من الفقه أن آثار المعاهدات في القانون الدولي لا تختلف عن آثار العقود في القانون الخاص.

          من خلال دراستنا السابقة وبعد أن تناولنا آراء الفقهاء واختلاف وجهات نظرهم في تحديد الطبيعة القانونية للمعاهدات الدولية خلصنا إلى أن غالبية الفقه تؤيد نظرية التفرقة, فالمعاهدات العقدية (الخاصة) - في نظرهم - يكون موضوعها تبادل مصالح فردية أو ذات طبيعة شخصية مجردة وتقوم على معيار المصلحة الخاصة وتختلف فيها مقاصد أو رغبات الأطراف والمعاهدات الشارعة تضع قواعد موضوعية عامة لتنظيم مصالح مشتركة بين الدول. وبعبارة أخرى فإن المعاهدة الشارعة تنشئ مراكز قانونية عامة على عكس العقدية التي يكون محورها مراكز قانونية خاصة. ()

          ويؤيد الباحث ما ذهب إليه غالبية الفقه من تقسيم المعاهدات إلى معاهدات عقدية ومعاهدات شارعة, وذلك لأن التمييز بين المعاهدات يفرضه واقع المجتمع الدولي وكذلك الطبيعة المزدوجة للمعاهدات, فالمعاهدات إما أن تكون مصدراً للقواعد القانونية أو مصدراً للالتزامات. ()

 

المطلب الرابع

القوة الإلزامية للمعاهدات الدولية

           إذا انعقدت المعاهدة انعقاداً صحيحاً, واستوفت الشروط الشكلية التي سبق ذكرها, صارت نافذة في دائرة القانون الدولي, وأصبحت أحكامها ملزمة للدول الأطراف فيها, ويقضي المبدأ العام بأن المعاهدات لا تلزم إلا الدول التي عقدتها ولا تمتد إلى ممتلكات هذه الدول إلا إذا ذكر ذلك صراحةً, فالمعاهدات التي تعقدها المملكة المتحدة مثلاً لا تلزم إلا المملكة المتحدة بالحدود التي تعرف بها, بمعنى أن أحكام المعاهدة لا تنطبق إلا على إقليم الجزر البريطانية وشمال إيرلندا وجزيرة " مان " والمعاهدات التي تعقدها الجمهورية الفرنسية لا تنطبق أحكامها إلا على إقليم فرنسا والجزر الملحقة بها كجزيرة كورسيكا, وعلى ذلك فلا تمتد المعاهدات التي تعقدها هاتان الدولتان إلى مملكاتهما الأخرى, إلا إذا ذكر ذلك صراحةً في المعاهدات, ويلاحظ أن أعضاء الكومنولث البريطاني – بما لهم من وصف الشخصية الدولية – لا يلتزمون بأحكام المعاهدات التي تعقدها المملكة المتحدة إلا إذا كانوا أطرافاً فيها. ()

           والمعاهدات التي كانت تعقدها مصر لا تنطبق إلا بالنسبة لإقليم مصر ولا تمتد إلى السودان, وذلك لأن مركز السودان الدولي كان معلقاً لم يبت فيه, إذ ذكرت الفقرة الأولى من المادة(11) من معاهدة1936 أنه " ليس في نصوص هذه المادة أي مساس بمسألة السيادة على السودان, وعندما انعقدت الوحدة بين الجمهورية السورية والجمهورية المصرية في أول فبراير سنة1958, نص الدستور المؤقت للجمهورية العربية المتحدة على أن تظل الاتفاقات الدولية التي سبق أن عقدتها كل من الجمهوريتين قائمة نافذة في النطاق الإقليمي الذي لابس انعقادها. وبعد انفصال الإقليم السوري عن الجمهورية العربية المتحدة وعودته إلى العضوية بالأمم المتحدة في13 أكتوبر عام 1961 فإن المعاهدات التي تعقدها الجمهورية العربية المتحدة لا تلزم سوريا, بل يقتصر أثرها الإلزامي على الإقليم المصري وحده. ()

           هذا وإن وصف الإلزام الذي يصدق على أحكام المعاهدات الدولية مستمد من القاعدة الأساسية التي تسود القانون الدولي, وهي القاعدة التي تقرر قدسية الاتفاقات بين الدول, ويتفرع على هذه القاعدة أن أحكام المعاهدة تظل نافذة ملزمة إلى أن تنقضي بإحدى طرق انقضاء المعاهدات, ولا يجوز لأطرافها خلال مدة نفاذها التحلل من تنفيذ ما تضمنته من أحكام, غير أن الدول الأطراف في معاهدة قد تلجأ إلى بعض الدفوع لتتحلل بصفة مؤقتة من تنفيذ التزامات المعاهدة. ()

            هذا وقد قررت اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات المنعقدة في سنة1969 أن وقف تنفيذ أحكام المعاهدات قد لا يحدث نتيجة لاتفاق جميع أطراف المعاهدة حيث نصت على ذلك المادة(57), كما وقررت الاتفاقية على أن وقف تنفيذ أحكام المعاهدات يكون أيضاً نتيجة لاتفاق بعض أطراف المعاهدات الجماعية وبالنسبة للدول المتفقة وحدها حيث نصت المادة(58) على ذلك, كما أنه يجوز أن توقف الدولة تنفيذ المعاهدة الثنائية إذا كانت الدولة المتعاقدة معها قد خرقت أحكام هذه المعاهدة حيث نصت المادة(60) من اتفاقية فيينا على ذلك, كما وأشارت الاتفاقية في المادة(61) إلى أن وقف المعاهدة قد يكون نتيجة لاستحالة تنفيذ المعاهدة. () وهذه المواد تعرضنا لها بإيجاز حتى نفصلها في المبحث القادم خلال دراسة موضوع آثار المعاهدات الدولية وإيقاف العمل بها.

 











المبحث الثالث

آثار المعاهدات الدولية وإنهاء العمل بها

             القاعدة العامة هي أن المعاهدات الدولية لا تسري إلا بين أطرافها ولا تترتب أثــــارها الا في مواجــهتهم، سواءً كانــــت هذه الآثار حقوقاً أو التزامات،  لذا فهي تــــفرض إطــــاراً للتصرفات وقواعـــــد السلوك لا تتجاوزه الـــــــدول المتعاقدة فيــما بينـــها، فالمعاهدة تكون ملزمة لجميع الدول الأعضاء التي عليها واجب احترام العهود والالتزامات التي تتقيد بها وتنفيذها بصورة عادلة وبحسن نية. ومن هنا نجد أن آثار المعاهدة تكون ملزمة لمن يقبل بها, وهي سامية على سائر التشريعات الداخلية، هذا ما أكدته اتفاقية فيينا بسمو المعاهدة، وهكذا فإن احترام الدول للمعاهدات التي تبرمها، هو من المبادئ الأساسية للقانون الدولي.

             من جهة ثانية فإن إنهاء العمل بالمعاهدة يعني وضع حد لاستمرار نفادها وتصبح في هذه الحالة غير سارية المفعول. إلا أنه هناك اختلاف في نهاية المعاهدة، فالمعاهدة الثنائية عند نقضها أو الانسحاب منها، يعني زوال المعاهدة بمجملها على عكس المعاهدة الجماعية. هذا ما سنبينه في هذا المبحث, حيث سنقسم هذا المبحث إلى ثلاثة مطالب, المطلب الأول نتكلم فيه عن آثار المعاهدات, والمطلب الثاني نتعرض فيه لموضوع تعديل المعاهدات, وأخيراً سنتناول في المطلب الثالث موضوع إنهاء العمل بالمعاهدات مع بيان إمكانية إنهاء المعاهدة بالإرادة المنفردة.

 

المطلب الأول

آثـــار الـمـعـاهـدات الدولية

             يترتب على اكتمال إجراءات المعاهدة أن تصبح ملزمة لأطرافها بحيث يلتزمون باحترامها ومراعاة أحكامها, وتترتب هذه الآثار تجاه أطراف المعاهدة, وقد يمتد أثر المعاهدات إلى غير أطرافها وهذا استثناء على المبدأ العام الراسخ في القانون الدولي المتمثل في أن العقد شريعة المتعاقدين, وعليه سوف نبحث في هذا المطلب موضوع آثار المعاهدات الدولية مقسمين هذا المطلب إلى فرعين مستقلين, نتكلم في الفرع الأول عن آثار المعاهدات تجاه أطرافها, ثم نتناول في الفرع الثاني آثار المعاهدات تجاه الغير, كما سيأتي:  



 

الفرع الأول

آثار المعاهدات تجاه أطرافها

             مما لا شك فيه أن المعاهدة تقيد أطرافها وتلزمهم سنداً لقاعدة احترام الدول للعهود, وأن الملتزم أسير التزامه, وقد قننت اتفاقية فيينا هذا المبدأ في المادة(26) التي تنص على أن " كل معاهدة نافذة ملزمة لأطرافها وعليهم تنفيذها بحسن نية ". والتنفيذ بحسن نية حسب منطوق هذه المادة يعني الامتناع عن كل عمل قد يحول دون تحقيق الغرض من المعاهدة, فيلتزم أطراف المعاهدة باتخاذ الإجراءات الكفيلة بتنفيذ المعاهدة كافة ولا يجوز لأحد أطراف المعاهدة التذرع بقانونه الداخلي كسبب لعدم الوفاء بالمعاهدة, وعلى ذلك نصت المادة(27) من اتفاقية فيينا بقولها: " لا يجوز لطرف في معاهدة أن يتمسك بقانونه الداخلي كسبب لعدم تنفيذ المعاهدة ". ()

             كما وأنه من المبادئ المتعارف عليها في هذا الخصوص مبدأ ( نسبية المعاهدة ), وقد عبرت عن هذا المبدأ صراحة محكمة العدل الدولية الدائمة بقولها ( إنَ المعاهدة لا تعد قانونًا إلا بين الدول التي عقدتها )، ونصت عليه أيضًا المادة(34) من اتفاقية فيينا إذ تقرر ( لا تنشئ المعاهدة التزامًا على الغير أو حقًا له بغير رضــاه ). وإذا كانت القاعدة العامة هي نسبية أثر المعاهدات، فإن الاستثناء الوارد على هذه القاعدة هو سريان المعاهدة على غير أطرافها شرط أن يتم ذلك بالقبول والموافقة الصريحة من جانب أطراف المعاهدة، وهنا يجب التفرقة ما بين المعاهدات التي ترتب التزامات على عاتق الغير وما بين المعاهدات التي تنشئ حقوقاً لصالح الغير. (), وهذا ما سنتناوله في الفرع الثاني من هذا المطلب. وبناءً على ذلك فإن القوة الإلزامية للمعاهدة تثبت لها من وقت دخولهــــــا فـــــي دور النفــــــاذ ويعتبر أطـــراف المعاهدة ملزمين بهــــــا وملتزميـــــــن بتطبيقهــــــا وتنفيذها بحسن نيــــة, أمــــا المعاهدات التي لــــم تدخـــــل دور النفـــــاذ فيمكن أن تثير خلافاً فـــــــي العمل غير أننا ليــس بصدد إثارة هــــــذا الخلاف هنا. ()

             وقد جرى القضاء الدولي على هذا الأساس فقد أصدرت محكمة العدل الدولية الدائمة قراراً في25 مايو1926 بمناسبة النزاع بين ألمانيا وبولندا حول مدينة شورزو القاضي برفض منح بولندا حق الاستناد إلى اتفاقية الهدنة المبرمة عام1918 باسم الدول الحليفة والمشاركة, لأن بولندا لم تكن في11 نوفمبر1918 موجودة كدولة كما أن ألمانيا لم تعتبرها دولة محاربة. ()    

الفرع الثاني

آثار المعاهدات تجاه الغير

 

          درسنا في الفرع السابق أن القاعدة العامة تقتضي بأن المعاهدات لا تلزم إلا عاقديها, وأن آثارها لا تمتد لغير أطرافها أو إلى دول لم تشترك فيها عملاً بمبدأ نسبية آثار المعاهدات والنتيجة الطبيعية لهذا المبدأ أنه لا يجوز لدولة لم تكن طرفاً في معاهدة أن تطالب بتنفيذ هذه المعاهدة أو تستند لمثل هذه المعاهدة للمطالبة بحق من الحقوق, ولقد كرست هذا المبدأ المادة(34) من اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات التي سبق الإشارة إليها. () فالمعاهدات الدولية لها مبدئياً مفعول بالنسبة للأطراف التي وقعت عليها فقط, لكن هناك انفراد ضمني من جانب أغلب دول العالم في معاهدات تخلق التزامات عامة في القانون الدولي أو في معاهدات وقعت عليها دول لها صبغة تمثيلية, وتفهم هذه الصبغة التمثيلية في إطار خاص من محتوى القانون الدولي, فمثلاً: الدول التي لها أسطول بحري هام لها صبغة تمثيلية في ميدان القانون البحري, ثم إن معاهدات السلام التي وضعت حداً للحرب العالمية الأولى, والاتفاقيات التي وضعت بعد الحرب العالمية الثانية تفرض نفسها على دول العالم سواءً وقعت عليها أم لم توقع, كما يمكن لدولة أن تستفيد من معاهدة وقعت بين دولتين إذا كانت لها معاهدة مع إحداهما ونصت هذه المعاهدة على ذلك. ()

           غير أنه ترد بعض الاستثناءات على مبدأ نسبية آثار المعاهدات حيث يمكن أن يمتد فيها أثر المعاهدات إلى غير الأطراف فيها فيكسبهم بعض الحقوق أو يلقي على عاتقهم بعض الالتزامات وسوف نتعرف على هذه الحالات:

أولاً: المعاهدات المنظمة لأوضاع دائمة:

         وتعني المعاهدات التي يتقرر فيها المركز أو النظام القانوني لمنطقة معينة أو لإقليم ما, فمثل هذه المعاهدات تكون لها قيمة عادةً, ليس فقط بالنسبة للدول التي وضعتها, وإنما أيضاً بالنسبة إلى الدول التي لم تساهم في وضعها, باعتبار أنه يتفق مع حاجة الجماعة الدولية ويلائم مصالحها, وما دام أنه في مقدور الدول الأولى أن تفرض احترامه على الجميع, فمثلاً النظام القانوني الخاص بالمضايق التركية أو نظام قناة السويس أو غيرها من القنوات البحرية الهامة, أو النظام الخاص ببعض الأنهار الكبرى ذات الأهمية الدولية, تراعيها وتحترمها كافة الدول سواءً في ذلك الدول التي اشتركت في وضعها والدول الأخرى التي لم تشترك في وضعها, ويمكن أن يقال نفس الشيء بالنسبة للمعاهدات التي يتقرر فيها حياد دولة أو إقليم معين بصفة دائمة. () كما هو الحال بالنسبة لمعاهدة فيينا لعام1815 التي وضعت سويسرا بمقتضاها في حالة حياد دائم, وكذلك المعاهدات المتعلقة بتنظيم المرور في الممرات المائية الدولية مثل القنوات والمضايق, ومثال ذلك اتفاقية القسطنطينية للعام1888 المتعلقة بقناة السويس, والمعاهدات الخاصة بقناة بنما للعام1900 والاتفاقية الخاصة بنهر الدانوب للعام1948, وقد تعرضت المحكمة الدائمة للعدل الدولي للطبيعة الخاصة لهذه الطائفة من المعاهدات وذلك بمناسبة حكمها الصادر في قضية السفينة " ويمبلدون ", حيث ذهبت إلى تقرير أنه عندما يخصص طريق مائي يصل بين بحرين مفتوحين بصفة دائمة لاستعمال دول العالم أجمع, فإن مثل هذا الطريق يماثل المضايق الطبيعية بحيث لا يشكل حتى مرور السفن الحربية فيه خرقاً لحياد الدولة التي تقع القناة ضمن ولايتها, وأوضحت المحكمة أنه على الرغم من أن هذا النظام قد وضع بمعاهدة موقعة من جانب عدد محدود من الدول فإنه يمنح للدول كافة حالياً حقاً يجب احترامه.()

ثانياً: شرط الدولة الأكثر رعاية:

            وهو شرط خاص جرى العمل الدولي على إدراجه في معظم المعاهدات ذات الطبيعة الاقتصادية، وبواسطته تعد دولة دولة ثانية أن تمنحها المزايا التي أعطتها في الماضي أو ستعطيها في المستقبل بواسطة معاهدات إلى دول أخرى. () ويعني هذا الشرط أن تضع معاهدة بين دولتين نصاً خاصاً تتعهد كل منهما بأن تسمح للأخرى بالاستفادة من كل امتياز تمنحـــه فـــــي المستقبل لـــــــدولة من الدول بالنــسبة لأمر من الأمور التي يتم التعاقد بينهما عــليـــه, وقد جـــــــرت العادة على إدراج هذا الشرط في الاتفاقيات التجارية والاقتصادية والمسائل المتعلقة بإقامة الأجانب. ()

            كمــــا أن هـــــــذا الشــــــرط هـــــو ليس اشتراطًـــا لمصلحة الغيـــــر الذي لــــــم يكــــــن طرفـــًا فـــــــي معاهـــــدة، بــــــل هـــــــو تطبيـــــق لأحكــــــام المعاهدة الأولى التي كـــــان تطبيقهــــا معلقًـــا على شـــــرط قوامـــه عقـــد معاهدات لاحقـــة تكفــــل للغير رعايـــــــة أفضل مـــــن الرعاية المتفـــــق عليها فــــــي المعــــاهدة الأولـــــــى، ومثـــــال ذلك المعاهـــــــدة المنشئـــــة لشركــــــة النفـــــط الأنكلــــو- إيـــرانيــة، حيــث تشتـــرط فيهــــــا بتمتع إنكلتــــرا بأيـــــة معاهدة أخــــــرى تبرمها إيــــران وتتعلــــــق بامـــتيازات نــفــــطية أفضـــــــل؛ لــــذلك فقـــط تمتعت بريطانيـــــا بالحقــــــوق الناشئة عـــــــن المعاهـــــــدة الثنائيــــــــة مـــــا بين إيــــــران والدنمـــــارك رغم أنها لم تكــــــن طرفًا فيها, وقــــد اتسع مجــــال الشرط ليظهر في معاهدات متنـــــــوعة الموضوعات والأهــــــداف مثــــــل معاهدات الملاحة ووسائل النقــــل والمواصلات وتنظيـــم مراكــــــــز الأجانب والإقامة وتنـــازع القوانين والمعاهــــــــدات المتعلقة بالعمل وحماية الملكية الفكـــرية والأدبية، وكذلك المعاهدات المتعلقة بالحصانات الدبلوماسيــــة والقنصليــــة, وقـــــد قررت لجنة القانــــون الدولي مشروعًــا بــــشـــــأن أحكـــــام شـــــرط الـــدولة الأكثر رعــــاية يــــتألف مـــن(30) مـــادة قانونيـــــة, وقــــــد جـــــــاء في نـــــص المادة( 4) مــن هـــــــذا المشروع بــــــأن شــــرط الدولــــــــة الأكثـر رعاية يعتبـــــر نصًــــا تــــعاهديًا تتعهد فيـــــه دولة مـــــــا بمنح دولــــة أخرى معاملة أكثر رعاية في مجال علاقات متفق عليها. ()
ثالثاً: الاشتراط لمصلحة الغير:

               ينشأ الاشتراط لمصلحة الغير عندما تتفق دولتان أو أكثر على أن تمنح حقاً لدولة ثالثة ليست طرفاً في المعاهدة, وتشترط اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات قبول الدولة الثالثة, ومن أمثلة هذا النوع من المعاهدات اتفاقية الأيدي العاملة في الوطن العربي لعام 1968, التي منحت الفلسطينيين العاملين في الوطن العربي الحقوق التي يتمتع بها رعايا الدول العربية الأطراف في المعاهدة. ()

              ومع ذلك فإن الاشتراط لمصلحة الغير لا ينتج أثره إلا بالقبول الصريح أو الضمني, ومن ثم فهو عرض أو إيجاب يتعين أن يصادفه قبول, فإذا تلاقى الإيجاب والقبول تأكد الحق, وإن كان يظل مع ذلك خاصاً لشروط ممارسته التي قررها أطراف المعاهدة بما في ذلك إمكان التغيير أو الإلغاء. ()

               وفي ذلك نصت اتفاقية فيينا في المادة(36) على هذا الحق, حيث نصت بقولها: ()

1- ينشأ حق للدولة الغير من نص في المعاهدة إذا قصد الأطراف فيها أن يمنح النص هذا الحق إما للدولة الغير، أو لمجموعة من الدول تنتمي إليها، أو لجميع الدول، ووافقت الدولة الغير على ذلك، وتفترض الموافقة ما دامت الدولة الغير لم تبد العكس، إلا إذا نصت المعاهدة على خلاف ذلك.

2- يجب على الدولة التي تمارس حقاً وفقاً للفقرة الأولى أن تتقيد بالشروط الخاصة بممارسته المنصوص عليها في المعاهدة أو الموضوعة وفقاً لها.





المطلب الثاني

تعديل المعاهدات الدولية

              من البديهي أن المعاهدة هي وليدة ظروف معينة وهذه الظروف قد تتغير وعندئذ لا بد من إدخال تعديلات على المعاهدة لجعلها مواكبة للظروف الجديدة، إذا تعلق الأمر بمعاهدة ثنائية فإنه يحق لكل من الدولتين أن تطالب الأخرى بإدخال تعديلات على المعاهدة وتفتح مفاوضات لدراسة مقترحات التعديل وتكون إجراءات التعديل مشابهة لإجراءات إبرام المعاهدة، أما المعاهدة المتعددة الأطراف فإن من حق كل دولة طرف المطالبة بتعديل المعاهدة ويتعين على هذه الدولة أن تحيط علم الدول الأخرى الأطراف بمقترح التعديل فإذا وافقت أغلبية الدول على هذا المقترح يتم التعديل لكنه لا يلزم إلا الدول التي وافقت عليه, أما التي لم توافق تبقى مرتبطة بالمعاهدة بوثيقتها الأصلية لا الوثيقة المعدلة البنود. من خلال ما تقدم سنخصص هذا المطلب لدراسة موضوع تعديل المعاهدات الدولية, حيث سنقسم هذا المطلب إلى فرعين مستقلين, الفرع الأول نتكلم فيه عن المبادئ العامة لتعديل المعاهدات, والفرع الثاني سنتعرض فيه لقواعد تعديل المعاهدات الجماعية ( متعددة الأطراف ). كما سيأتي:

الفرع الأول

المبادئ العامة لتعديل المعاهدات

              بعد انعقاد المعاهدة قد يظهر في العمل عدم دقتها أو أنها تضمنت أخطاء تتطلب تصحيحها, أو أنهــــا لا تواكب التطور, ممـا يتطلب إجراء التعديل علــى بعض النصوص الواردة فيهـــــا, بالحذف أو الإضافــــــة أو التغيير, ويقصد بالتعديل أن الدول ترغب في بقـــــــاء المعاهدة إلا أنهــا تـــــرى ضرورة التغيير بالالتزامات الواردة    فيهـــــا, وتقتضي القاعدة العامة بأنه يجوز تعديل المعاهدة باتفــــاق الأطراف باتبـــــاع الإجراءات المتعلقة بعقـــــد المعاهـــــــدة. ()

             ولما كانت نصوص المعاهدات الدولية يجب احترامها ( وبالتالي يجب أن تخضع لقدر من الثبات ), فإن علاقة التغير والثبات هذه تقتضي التدخل لإيجاد نوع من التوازن بينهما, ولا شك أنه يمكن التوفيق بين احترام المعاهدة ( ثباتها ) وبين مثل هذه التغيرات إذا تم تعديل المعاهدة في الوقت المناسب, على أن الواقع العملي يظهر لنا إدخال تعديلات على المعاهدات الدولية يصطدم – غالباً – بمعارضة من جانب أولئك الذين يعتبرون أنفسهم مستفيدين منها, وبالتالي لا يرغبون في تقويض ما يعود من نفع عليهم من جراء تطبيقها. ()

             ولعل أول نص نظم تعديل المعاهدات هو نص المادة(19) من عهد عصبة الأمم الذي يقرر أن الجمعية العامة: " تستطيع من وقت لآخر دعوة الدول الأعضاء في العصبة إلى إعادة النظر في المعاهدات التي أصبحت غير قابلة للتطبيق, وكذلك النظر في المراكز الدولية التي يترتب على استمرارها تعريض السلم العالمي للخطر ". وعلى الرغم من عدم تطبيق هذا النص خلال فترة عهد العصبة, إلا أن مؤتمر سان فرانسيسكو شهد رغبة بعض الدول في ضرورة تضمين ميثاق الأمم المتحدة نصاً يجعل من حق الجمعية العامة تعديل المعاهدات. هذا الاقتراح قدمته مصر والبرازيل والمكسيك في المؤتمر, ولكنه لم يؤخذ به بسبب اعتراض الاتحاد السوفيتي عليه في 7 يونيو1945. ()

            والواقع أن تعديل المعاهدات الثنائية لا يثير صعوبة في العمل حيث إنه يتم إما بناءً على اتفاق صريح بين طرفي المعاهدة, وإما بناءً على اتفاق ضمني يستمد من سلوك طرفي المعاهدة الذي يتكرر دون اعتراض من جانب الطرف الآخر, ولكن المعاهدات متعددة الأطراف هي التي تثير مشاكل أكثر دقة نظراً لتعدد أطراف هذا النوع من المعاهدات, وهذا ما يستدعي أن نفرد الفرع الثاني لدراسة قواعد تعديلها. () هذا وقد حددت المادة(39) من اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات لعام 1969 المبدأ العام لتعديل المعاهدات بقولها: " يجوز أن تعدل المعاهدة باتفاق أطرافها. وتسري على هذا الاتفاق القواعد الواردة في الجزء الثاني ما لم تنص المعاهدة على غير ذلك ". ()

الفرع الثاني

قواعد تعديل المعاهدات الجماعية

             سبق أن قلنا أن تعديل المعاهدات الثنائية أمر سهل ويسير, ولكن الصعوبة تكمن في تعديل المعاهدات الجماعية أو المعاهدات متعددة الأطراف, ففيما يتعلق بالمعاهدات متعددة الأطراف, يلزم التفرقة بين فرضين:

الفرض الأول: أن يكون اقتراح التعديل بين كل أطراف المعاهدة, وفي هذه الحالة يجب أن يتم إخطاره إلى كل الأطراف الذين يحق لكل واحد منهم الاشتراك في القرار الخاص بالأثر الذي يجب إعطاؤه لاقتراح التعديل وكذلك في التفاوض وإبرام أي اتفاق يتعلق بتعديل المعاهدة, ولا يلزم مثل هذا الاتفاق الأطراف التي لم توافق عليه ( في هذه الحالة ينطبق على الأطراف غير الموافقة ما قلناه سلفاً بصدد العلاقة بين المعاهدات المتتالية التي تنصب على ذات الموضوع, وعلى ذلك نصت الفقرة(4) من المادة(40) من اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات, أما الأطراف التي وافقت على التعديل, فهي تصبح أطراف في المعاهدة المعدلة, وكذلك تبقى أطرافاً في المعاهدة بالصورة التي كانت عليها قبل التعديل تجاه كل طرف في المعاهدة لم يرتبط بالاتفاق الذي قرر التعديل. كل ذلك ما لم تنص المعاهدة على خلاف ذلك. ()

الفرض الثاني: أن يكون التعديل بين أطراف المعاهدة فقط: يجوز ذلك إذا نصت المعاهدة نفسها على إمكانية إجراء مثل هذا التعديل أو إذا كان التعديل لم تحظره المعاهدة وبشرط ألا يضر بتمتع الأطراف الأخرى بالحقوق التي يأخذونها من المعاهدة ولا بتنفيذ التزاماتهم, وألا ينصب على نص لا يمكن الخروج عليه دون أن يكون هناك تعارض مع التحقيق الفعلي لموضوع وهدف المعاهدة ككل. أخيراً, وما لم تنص المعاهدة على خلاف ذلك, يجب على الأطراف المعنية إخطار الأطراف الأخرى بنيتهم في تعديل المعاهدة. ()  

           هذا وقد نصت المادة(40) من اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات على أن قواعد تعديل المعاهدة متعددة الأطراف يكون بحسب نصوص المعاهدة نفسها, فإذا ورد في المعاهدة نصوص تبين كيفية وآلية التعديل عندها تكون هذه النصوص هي المرجع في التعديل, وإذا لم يرد نص فيها يبين ذلك يتبع ما يأتي: ()

1- ما لم تنص المعاهدة على خلاف ذلك، تسري على تعديل المعاهدات الجماعية الفقرات التالية.

2- يجب إخطار كل الدول المتعاقدة بأي اقتراح يستهدف تعديل المعاهدة الجماعية فيما بين الأطراف جميعاً، ويكون لكل من هذه الدول أن تشارك فيما يأتي:

(أ) القرار الخاص بالإجراء الواجب اتخاذه بشأن هذا الاقتراح, فإخطار جميع الدول باقتراح التعديل ينبغي أن يكون وجوبياً, بينما مشاركة أياً من الدول الأطراف في الإجراء الواجب اتخاذه يكون جوازياً, فالدولة التي تسكت عن هذه المشاركة يعتبر ذلك السكوت موافقة ضمنية منها على اقتراح الإجراء الواجب اتخاذه من قبل الدول الأخرى المشاركة في الاقتراح.

(ب) المفاوضة وعقد أي اتفاق لتعديل المعاهدة, كذلك هنا يكون المشاركة في إجراءات المفاوضة وعقد اتفاق التعديل يكون جوازياً, فلا يتم إلزام جميع الدول بها, وإنما سكوت دولة ما يعتبر إقراراً منها بالموافقة على ذلك.

3- لكل دولة من حقها أن تصبح طرفاً في المعاهدة أن تصبح طرفاً في المعاهدة بعد تعديلها, فالدولة التي تسمح لها المعاهدة بالانضمام إليها ولم تكن قد انضمت للمعاهدة قبل التعديل, فلا يؤثر التعديل على حرية التحاقها بالمعاهدة بعد التعديل.

4- لا يلزم الاتفاق المعدل أية دولة تكون طرفاً في المعاهـدة ولا تصبح طرفاً في الاتفاق المعدل، وتطبق المادة30 (4) (ب) بالنسبة إلى هذه الدولة. فالدولة لها الحرية في الاختيار بين البقاء طرفاً في المعاهدة بعد التعديل, أو أن تظل طرفاً في الاتفاق القديم, بحيث لا يُلزمها التعديل.   

5- ما لم تعبر عن نية مغايرة، تعتبر أية دولة تصبح طرفاً في المعاهدة بعد دخول الاتفاق المعدل حيز النفاذ:

(أ) طرفاً في المعاهدة كما عدلت, فالدولة إذا لم تعترض على التعديل, ولم يصدر منها ما يبين هذا الاعتراض فإنها تصبح طرفاً في المعاهدة المعدلة.

(ب) طرفاً في المعاهدة غير المعدلة في مواجهة أي طرف في المعاهدة لم يلتزم بالاتفاق المعدل, فالدول التي قبلت التعديل تظل طرفاً في المعاهدة الغير معدلة, وذلك بالنسبة للدول التي لم تقبل التعديل.

           كما ونصت المادة(41) من ذات الاتفاقية على الاتفاقات الخاصة بتعديل المعاهدات الجماعية فيما بين أطرافها فقط حيث نصت بقولها: ()

1- يجوز لطرفين أو أكثر في معاهدة جماعية عقد اتفاق بتعديل المعاهدة فيما بينها فقط وذلك:

(أ) إذا كانت إمكانية هذا التعديل منصوصاً عليها في المعاهدة, فإذا كان هذا التعديل محظوراً ولم يُنص عليه في المعاهدة فلا بجوز إجراء هذا التعديل.

(ب) إذا كان هذا التعديل غير محظور في المعاهدة وكان:

"1" لا يؤثر في تمتع الأطراف الأخرى بحقوقها أو في قيامها بالتزامها بموجب المعاهدة, فإذا كان هذا التعديل مسموح به في المعاهدة, ولكنه يؤثر على حقوق والتزامات الأطراف الأخرى في المعاهدة, فهنا لا يجوز الاتفاق على هذا التعديل, وذلك لأنه يلحق الضرر بالأطراف الأخرى.

"2" لا يتعلق بنص يكون الإخلال به غير متسق مع التنفيذ الفعال لموضوع المعاهدة والغرض منها ككل, فلا يجوز الاتفاق على تعديل أياً من نصوص المعاهدة التي يؤدي تعديلها لإخلال وإعاقة تنفيذ المعاهدة, ولا يتفق تعديلها مع موضوع المعاهدة والغرض منها.

2- ما لم تنص المعاهدة على خلاف ذلك في الحالة التي تخضع لحكم الفقرة 1(أ)، فإن على الأطراف المعنية إخطار الأطراف الأخرى بنيتها في عقد الاتفاق وبالتعديل الذي ينص عليه هذا الاتفاق, فإذا تبين من نص المعاهدة أنها تجيز التعديل, فإن على الأطراف التي تقترح التعديل أن تُخطر الأطراف الأخرى بنيتها في عقد الاتفاق على التعديل, وبالتعديل المقترح إجراءه.

 

 








المطلب الثالث

إنهاء العمل بالمعاهدة

               إن إنهاء العمل بالمعاهدة يعني وضع حد لاستمرار نفاذهـــــــا وتصبح فــــي هذه الحالة غير سارية المفعول, إلا أن هناك اختلاف في نهاية المعاهدة، هذا يرجع بطبيعة الحال لطبيعة المعاهدة من حيث عدد الأطراف المشاركين فيها, فالمعاهــــدة الثنائية عند نقضها أو الانسحاب منهــــــا، يعني زوال المعاهدة بمجملها على عكس المعاهــــدة الجماعيــــة التي لا يؤدي انسحاب دولة طرف منها إلى إنهاء المعاهدة وزوالها. () كمـــا أن هناك أسبابــاً اتفاقيـــة لإنهاء المعاهدات, وأسباب خارجية أي غيـــــر إراديــــة لا تــــرجع لإرادة الدولة أو الدول التي تنوي الانسحـــاب. وهـــذا مـــا سنبينه في هذا المطلب, حيث سنقسم هـــــذا المطلب إلــى ثلاثة فروع:- الفــــرع الأول سنتكلم فيــــــه عـــن الأسبـــاب الاتفاقيــــــة لإنهــــاء المعاهدات, أمــــا الفــــــرع الثاني فسنبحث فيــــه الأسباب الخارجيــــة ( غير الإرادية ) لإنهاء المعاهـــدات, وأخيراً سنخصص الفــــرع الثالث لدراسة موضوع إنهاء المعاهدات الدولية بالإرادة المنفردة كما سيأتي:

الفرع الأول

الأسباب الاتفاقية لإنهاء المعاهدة

               نصت المادة(54) من اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات على أن انقضاء المعاهدة يتم إما وفقاً لأحكام المعاهدة, وإما باتفاق جميع الاطراف, في كل وقت, بعد التشاور مع بقية الدول المتعاقدة كما يلي:

أولاً: انقضاء المعاهدة وفقاً لأحكامها: تتضمـــن المعاهــــدات أحيانــــاً نصوصـــــاً صريحـــــــة تتعلـــق بأسبــــــاب انقضائهــــا, مثـــــل: ()

1 – النص على أجل محدد تنقضي بحلوله, فالمعاهدات عادةً تبرم لآجال محددة, وهذا هو وضع معاهدات التحالف, والتحكيم الإجباري, ومعاهدات القواعد العسكرية, أما المعاهدات المنشئة للمنظمات الدولية فتكون غالباً لفترات غير محددة.

2 – النص على شرط فاسخ. ويقصد بهذا الشرط تعليق انقضاء المعاهدة على تحقق بعض الوقائع أو الأحداث أو الاحتمالات التي سبق للأطراف المتعاقدة أن توقعت إمكان حدوثها.

3 – التخلي عن المعاهدة أو الانسحاب منها. ويتم ذلك بإرادة طرف واحد أو إرادة جميع الأطراف, ويشترط أن تنص المعاهدة صراحةً على ذلك, ويسفر التخلي أو الانسحاب عن وضع حد لكل التزام نابع من أحكام المعاهدة, وقد تشترط المعاهدة على الطرف الراغب في التخلي أو الانسحاب إخطار الأطراف الأخرى بذلك قبل مدة معينة, أو الحصول على موافقة معينة, أو انتظار فترة زمنية معينة.

             وفي حال خلو المعاهدة من أي نص صريح يحدد أسباب الانقضاء فإن قاعدة ( الاتفاق ملزم ) تقضي باستمرار الالتزام بأحكام المعاهدة, وقد قررت المادة(56) من اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات أن المعاهدة التي لا تتضمن أحكاماً خاصة بانقضائها, والتي لا تنص على إمكان إلغائها أو الانسحاب منها, لا يمكن أن تكون موضعاً للإلغاء أو الانسحاب إلا إذا ثبت في نية الأطراف فيها إمكان إنهائها أو الانسحاب منها, أو إذا أمكن استنباط حق الإلغاء أو الانسحاب من طبيعة المعاهدة. فهناك معاهدات لا تقبل فكرة التخلي أو الانسحاب بالإرادة المنفردة في بعض المعاهدات ( كمعاهدات الحدود والصلح مثلاً ) ولكنها تسمح بها في حالات أخرى ( كمعاهدات التحالف ).

4 – تنفيذ أحكام المعاهدة تنفيذاً كاملاً, أي تحقيق الغرض الكامل من إبرامها, وهذا يؤدي إلى انقضائها وانتهاء العمل بها بشكل طبيعي مثل ( إتمام التنازل عن إقليم, أو دفع مبلغ أو دين مطلوب ).

5 – تنازل أحد الأطراف عن حقوقه المقررة في المعاهدة, بشرط ألا تكون المعاهدة قد فرضت عليه التزامات لصالح طرف آخر, ومن الأفضل أن يتم ذلك بموافقة الطرف أو الأطراف الأخرى.

ثانياً: انقضاء المعاهدة باتفاق لاحق:

              انقضاء المعاهدة يمكن أن يتم بموجب اتفاق لاحق بين الأطراف على إلغائها, والاتفاق قد يرمي إلى الاكتفاء بإلغاء المعاهدة الراهنة, وهنا يكون الإلغاء صريح, وقد يطمح إلى إبرام معاهدة جديدة تتضمن إلغاء القديمة, وإذا أبرمت معاهدة جديدة تتضمن أحكاماً مخالفة لأحكام المعاهدة السابقة استنتجنا ضمناً أن هناك رغبة في إلغاء هذه الأخيرة, عملاً بالقاعـــدة القائلة بـــأن ( اللاحق ينسخ السابق ), وهذا ما يمكن أن نسميه الإلغاء الضمني, غير أن المادة(54) السابق ذكرها اشترطت لتحقيق الإلغاء اتفاق جميع الأطراف على ذلك صراحةً, لأن إنهاء أية معاهدة دولية يؤدي إلى حرمان جميع أطرافها من بعض الحقوق التي وفرتها لهم, ومن هنا ضرورة موافقة كل منهم على انقضاء المعاهدة أو استبدالها بغيرها. ()

              كما ويجوز للأطراف إنهاء المعاهدة يجوز لطرفين أو أكثر, وفقاً للمادة(58) من اتفاقية فيينا, إبرام اتفاق يهدف بصورة مؤقتة وفيما بينهم فقط إلى إيقاف العمل بأحكام المعاهدة. والفرق هنا بين الإنهاء والإيقاف أن الأول لا يتم إلا بموافقة الجميع, في حين أن الثاني يمكن أن يتم بين بعض الأطراف فقط, والسماح بالاتفاق على الإيقاف يتم في حالتين وهما: ()

أ . إذا نصت المعاهدة على إمكان الإيقاف.

ب . إذا لم تمنع المعاهدة مثل هذا الإيقاف, وبشرط ألا يعود بالضرر على حق الأطراف الأخرى بالتمتع بالحقوق التي توفرها لهم المعاهدة, ولا على تنفيذ التزاماتهم, وبشرط ألا يتناقض مع غرض المعاهدة كذلك, كما وفرضت المادة(58) على جميع الأطراف في المعاهدة إبلاغ الاطراف الأخرى بعزمهم على إبرام الاتفاق وتحديد أحكام المعاهدة التي ينوون تعليق تطبيقها.     

الفرع الثاني

الأسباب الخارجية (غير الإرادية) لإنهاء المعاهدة

           هذه الأسباب لا تستند إلى إرادة الأطراف في المعاهدة, وإنما إلى أحداث طارئة, أشهرها: الإخلال بأحكام المعاهدة, وتغير الظروف, واندلاع الحرب, وظهور قواعد دولية آمرة, وسندرسها تباعاً كما سيأتي:  

أولاً: الإخلال بأحكام المعاهدة:

             عندما يخل أحد أطراف المعاهدة بالتزاماته المقررة فيها, عندها يحق للطرف الآخر أن يعتبر المعاهدة مفسوخة وأن يعلن الطرف المخل بذلك, إنما يلاحظ أنه لا يجوز أن يتخذ الإخلال ذريعة لإنهاء المعاهدة إلا إذا كان يتناول التزاماً أساسياً فيها وبعد إثبات حدوثه حقاً, ويلاحظ كذلك أن فسخ المعاهدة بحجة الإخلال بها يجب أن يتم أو يطالب به على أثر حدوث الإخلال, فإن تباطأت الدولة التي حصل الإخلال إضراراً بها في الفسخ أو سكتت عن الإخلال وقتاً من الزمن استمرت فيه بالرغم منه بالقيام بتعهداتها, عد ذلك بمثابة تسامح منها ولا يجوز لها أن تعود فيما بعد إلى المطالبة في الفسخ استناداً إلى الإخلال السابق, ما لم يستمر هذا الإخلال أو يتكرر. ولا يقوم الاحتجاج على الإخلال وقت حدوثه مقام طلب الفسخ, لأن مجرد الاحتجاج لا يعني الرغبة في إنهاء المعاهدة, إن لم يكن يحمل معنى الرغبة في التمسك بتنفيذها تنفيذاً صحيحاً. () وقد نصت الفقرة الأولى من المادة(60) من اتفاقية فيينا على ذلك بقولها: " الإخلال الجوهري بالمعاهدة الثنائية من قبل أحد أطرافها يخول الطرف الآخر الاحتجاج به كسبب لانقضائها أو لإيقاف العمل بها كلياً أو جزئياً ", كما وحددت المادة نفسها في فقرتها الثالثة معنى الإخلال الجوهري حيث نصت على أنه: " التنصل من المعاهدة بما لا تجيزه هذه الاتفاقية، أو مخالفة نص أساسي لتحقيق موضوع المعاهدة والغرض منها ". كما وضعت هذه المادة في الفقرة الثانية أكثر من حل للإخلال بالمعاهدات الجماعية ونصت على أن الإخلال الجوهري بها من جانب أحد الأطراف: ()

(ب) الطرف المتأثر من هذا الإخلال بصورة خاصة يجوز له الاحتجاج به كسبب لإيقاف العمل بالمعاهدة كلياً أو جزئياً في العلاقات بينه وبين الدولة المخلة, وبناءً على ذلك يجوز للدولة المتأثرة بشكل مباشر من الإخلال الجوهري بأحكام المعاهدة أن تتخذ هذا الإخلال ذريعة لتبرير انسحابها من المعاهدة أو إيقاف العمل بأحكامها كلياً أو جزئياً, وذلك بينها وبين الدولة التي ارتكبت هذا الإخلال.

(ج) أي طرف آخر عدا الدولة المخلة يجوز له الاحتجاج بالإخلال كسبب لإيقاف العمل بالمعاهدة كلياً أو جزئياً بالنسبة له إذا كان من مقتضى طبيعة المعاهدة أن يغير الإخلال الجوهري بنصوصها من قبل أحد أطرافها تغييراً جذرياً في مركز كل طرف فيها فيما يتعلق بتنفيذ التزاماته في ظل المعاهدة. فيجوز هنا للأطراف الأخرى التي أثر عليها الإخلال بشكل غير مباشر أن تحتج أيضاً بالإخلال لتبرر انسحابها من المعاهدة, ويشترط لذلك أن يكون هذا الإخلال قد أثر تأثير جذري على مركزها القانوني والتزاماتها وواجباتها المقررة لها بنصوص المعاهدة.     

           كما وقررت المادة أيضاً في فقرتها الأخيرة أن هناك أحكاماً لا يمكن التحلل منها أو التهرب من تطبيقها إذا أخل بها أحد الأطراف أو بعضهم, وهي الأحكام الخاصة بحماية الإنسان, الواردة في معاهدات ذات طابع إنساني, وخصوصاً الأحكام المتعلقة بحظر أي شكل من أشكال الأعمال الانتقامية ضد الأشخاص الذين يتمتعون بحماية هذه المعاهدات. () فهذه المعاهدات لا تقبل فكرة التخلي عنها والانسحاب منها بناءً على إخلال أحد أطرافها بأحكامها, وذلك نظراً لتعلقها بحقوق الإنسان وحرياته التي كفلتها العهود والمواثيق الدولية والأديان السماوية.  

ثانياً: تغير الظروف:

               إن المعاهدات الدولية قد تبرم في ظل ظروف واقعية معينة قد تتغير أثناء تنفيذ المعاهدة نفسها، ووفقاً لأحد مبادئ القانون الدولي تبقى المعاهدة ملزمة ما بقيت الظروف الواقعية التي أبرمت في ظلها على حالها، فالمعاهدات تعقد تحت شرط ضمني مفاده بقاء الأمور على حالها, فإذا حصل تغير جوهري في الأحوال كان للدولة المعنية أن تطالب مطالبة مشروعة بإبطال المعاهدة أو تعديلها, فلا يمكن للطرف المتضرر الاستمرار في تنفيذ أحكام المعاهدة والالتزام بمضمونها إذا ما حدث تغير في ظروف إبرامها، وخاصة إذا كان هذا التغير في الظروف أساسياً وهو ما يجعل من الصعب الاتفاق على حصوله. ()

            وهذا الاستثناء على مبدأ القوة الإلزامية للمعاهدة وعلى وجوب تنفيذ المعاهدات الدولية بحسن نية هو مبدأ مقبول عموماً من الفقه منذ زمن طويل، فمعظم فقهاء القانون الدولي يقبلون بهذه النظرية، ولكن بعضهم لا يحبذونها ويرون أن فيها مصدراً رئيسياً لتقويض القوة الإلزامية للمعاهدة، خاصة في ظل عدم وجود نص يلزم بإتباع سبيل القضاء إلزامياً، وقد يستخدم المبدأ لتبرير الانسحاب من المعاهدات على أسس واهية. () ويذهب فريق لا يستهان به من فقهاء القانون الدولي العام إلى أن كافة المعاهدات غير محددة المدة تشتمل على شرط ضمني يجيز لأي من الأطراف فسخها في حالة تغير الظروف تغيراً جوهرياً, ويرى الدكتور محمد سامي عبدالحميد أن الرأي الراجح في فقه القانون الدولي العام يرى أن كل ما يترتب على تغير الظروف هو التزام كل من أطراف المعاهدة بقبول التفاوض مع الطرف الآخر – إذا ما طلب إليه ذلك – من أجل محاولة الوصول إلى اتفاق حول تعديل المعاهدة على نحو يتمشى مع الظروف الجديدة, أما القول بوجود شرط ضمني في المعاهدات غير محددة المدة يجيز لأي طرف من الأطراف فسخها في حالة تغير الظروف فهذا القول لا يستند إلى أساس سليم, إذ إنَه افتراض لا يوجد ما يثبته, ومن شأن الأخذ به فتح الباب أمام الدول للتخلص بإرادتها المنفردة من التزاماتها التعاقدية كلما راق لها ذلك بدعوى أن الظروف قد تغيرت , الأمر الذي يخل بالثقة والطمأنينة ويفقد العلاقات الدولية ثباتها واستقرارها. () ولقد قال عدلي أندراوس عن هذه النظرية ( نظرية الشرط الضمني ) بأنها ستجعل الدول القوية متحكمة في مدى تحقق الظروف, ومن جهة أخرى فإن الاعتراف بهذا الشرط يؤدي إلى القضاء على مبدأ ( العقد شريعة المتعاقدين ) وزوال القوة الملزمة للمعاهدات. ()   

              هذا وقد نصت المادة(62) من اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات لعام1969 على أثر تغير الظروف على المعاهدات, حيث نصت بقولها: ()

1- لا يجوز الاحتجاج  بالتغيير الجوهري غير المتوقع في الظروف التي كانت سائدة عند عقد المعاهدة كأساس لانقضائها أو الانسحاب منها إلا بتحقق الشرطين الآتيين:

(أ) أن يكون وجود هذه الظروف مثل سبباً رئيسياً لرضا الأطراف الالتزام بالمعاهدة, أي أن يكون وجود الظروف التي كانت سائدة زمن إبرام المعاهدة قد شكل سبباً رئيسياً لإقدام الأطراف على إبرام المعاهدة, فإذا تغيرت هذه الظروف تغيراً جوهرياً, فإن الاستمرار في تنفيذ الاتفاقية يؤثر بشكل كبير على مراكز الأطراف فيها.  

(ب) أن يكون من شأن التغيير أن يبدل بصورة جذرية في مدى الالتزامات التي ما زال من الواجب القيام بها بموجب المعاهدة, أي أن يصبح الالتزام بتنفيذ المعاهدة بعد حدوث التغير الجوهري في الظروف مرهقاً وشاقاً على الأطراف المتأثرة من حدوث هذه الظروف, بحيث أثرت الظروف المستجدة جذرياً في مدى الالتزامات الملقاة على عاتقها.  

2- لا يجوز الاحتجاج  بالتغيير الجوهري في الظروف كأساس لانقضاء المعاهدة أو الانسحاب منها في إحدى الحالتين الآتيتين:

(أ) إذا كانت المعاهدة تنشئ حدوداً, ففي مثل هذه المعاهدات لا يجوز الاحتجاج بتغير الظروف لتبرير الانسحاب من الاتفاقية, والسبب في ذلك هو أن معاهدات الحدود تعمل على استقرار وثبات العلاقات الدولية, وترتب حقوقاً راسخة بين الدول يصعب التحلل منها وتغييرها.

(ب) إذا كان التغيير الجوهري في الظروف نـاتجاً عن إخلال الطرف الذي يتمسك به إما بالتزام يقع عليه في ظل المعاهدة أو بأي التزام دولي آخر مستحق لطرف آخر في المعاهدة, ففي هذه الحالة لا يجوز الاحتجاج بالانسحاب من المعاهدة بناءً على التغير في الظروف, وذلك لأن الدولة المحتجة تقوم بالإخلال بأحكام المعاهدة قاصدةً بذلك خلق تلك الظروف للتهرب من التزاماتها المترتبة عليها في المعاهدة.   

3- إذا كان للطرف، طبقاً للفقـرات السابقة، أن يتمسك بالتغيير الجوهري في الظروف كأساس لانقضاء المعاهدة أو الانسحـاب منها فيجوز له أيضاً التمسك بالتغيير كأساس لإيقاف العمل بالمعاهدة, فكما أن الأحكام السابقة تنطبق على الاحتجاج بالتغير في الظروف للانسحاب من المعاهدة, فإنها كذلك تنطبق على الاحتجاج بالتغير في الظروف لوقف العمل بالمعاهدة, فالدول قد تتعرض لظروف طارئة واستثنائية, تجبرها على إيقاف التزامها بالمعاهدة لفترة مؤقتة, وتعود لاستئناف العمل بالمعاهدة بعد زوال هذه الظروف.    

ثالثاً: أثر الحرب على المعاهدات:

                   من المتفق عليه - بصفة عامة – أن قيام الحرب يترتب عليه في ذاته انقضاء كافة المعاهدات القائمة بين الدول المتحاربة, ولكن إذا كانت هذه هي القاعدة العامة, فثمة استثناءات أربعة ترد عليها وهي: ()

( أ ) لا يترتب على قيام الحرب – باتفاق – انقضاء المعاهدات المنظمة للحرب نفسها, مثل المعاهدات التي تحظر استخدام أسلحة معينة, وتلك المنظمة لكيفية معاملة أسرى الحرب, فهذه المعاهدات وضعت خصيصاً لمعالجة أوضاع الحرب, كما أن هذه المعاهدات تمثل قواعد دولية آمرة لا يجوز مخالفتها أو الاتفاق على استبعاد تطبيقها.

( ب ) لا يترتب على قيام الحرب انقضاء المعاهدات المنصوص فيها صراحةً على أن قيام الحرب لا يؤدي إلى انقضائها, وذلك لأن القاعدة القائلة بأن من شأن قيام الحرب إنهاء المبرم بين الدول المتحاربة من اتفاقيات دولية ليست بالقاعدة الآمرة, ولكنها قاعدة مقررة يجوز الاتفاق على خلافها. فإذا اتفق الأطراف على أن المعاهدة المبرمة بينهم لا تنتهي بقيام الحرب بينهم, ففي هذه الحالة لا تؤثر الحرب عند قيامها على استمرار تلك المعاهدات.

( ج ) لا يترتب على قيام الحرب – في الرأي الراجح – انقضاء المعاهدات المنشئة لمراكز موضوعية دائمة مثل المعاهدات المبينة للحدود الدولية, وتلك التي تم بمقتضاها التنازل عن إقليم معين, وتبرير ذلك يرجع كما بينا سابقاً إلى أن هذه المعاهدات توضع لترسخ مراكز قانونية ثابتة ودائمة, كما وتعمل على استقرار وثبات العلاقات الدولية.

( د ) لا يترتب على قيام الحرب بين البعض فقط من الدول الأطراف في معاهدة جماعية انقضاء هذه المعاهدة, بل تظل سارية بين الدول الغير متحاربة, وبينها وبين كل من الدول المتحاربة. ولا يترتب على قيام الحرب – في مثل هذه الحالة – سوى وقف العمل بالمعاهدة الجماعية فيما يتعلق بالعلاقات فيما بين الدول المتحاربة, وذلك إلى أن تنتهي حالة الحرب بإبرام معاهدة للصلح بين الدول المتحاربة, فالعلاقة في المعاهدات الجماعية تبقى قائمة بين الدول المحايدة فيما بينها, وبين الدول المتحاربة والدول المحايدة, ولا يتأثر تطبيق المعاهدة بينهم, وإنما يتم وقف تطبيق المعاهدة بين الدول المتحاربة فيما بينها, فلا تؤدي الحرب في هذه الحالة لإنهاء المعاهدة, وإنما يتوقف تنفيذها بين الدول المتحاربة فقط إلى حين انتهاء الحرب وإبرام معاهدات الصلح بينهم.

              هذا ومن المتفق عليه أن قطع العلاقات الدبلوماسية فيما بين الدول المتعاقدة لا يترتب عليه انقضاء المعاهدة, ولا وقف العمل بأحكامها, بل تظل سارية ونافذة بين أطرافها دون أن يؤثر عليها قطع العلاقات الدبلوماسية بأي وجه من الوجوه, وقد تبنت اتفاقية فيينا هذه القاعدة المسلم بها في المادة الثالثة والستين التي تنص على أنه " لا يؤثر قطع العلاقات الدبلوماسية أو القنصلية بين أطراف المعاهدة على العلاقات القانونية القائمة بينهم بموجب المعاهدة, إلا إذا كان قيام العلاقات الدبلوماسية أو القنصلية ضرورياً لتطبيق المعاهدة ". ()        

رابعاً: ظهور قواعد دولية آمرة:

              فقد نصت المادة(53) من اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات على أنه: " تكون المعاهدة باطلة إذا كانت وقت عقدها تتعارض مع قاعدة آمرة من القواعد العامة للقانون الدولي. لأغراض هذه الاتفاقية يقصد بالقاعدة الآمرة من القواعد العامة للقانون الدولـــي القاعــــــدة المقبولــــة والمعترف بهـــــا مــــن قبــــل المجتمع الدولي ككل على أنهــــا القاعـدة التـــــي لا يجوز الإخلال بها والتي لا يمكن تعديلها إلا بقاعدة لاحقة من القواعد العامة للقانون الدولي لهــــــا ذات الطابع ". ()

              ولكن عند تحليل النص السابق الذكر نجد أنه يتكلم عن شرط من شروط صحة المعاهدة وهو شرط المشروعية, ويتحدث عن القواعد الآمرة الموضوعة قبل قيام المعاهدة أي في الزمن السابق على المعاهدة, ولكن المادة(64) من اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات قد استحدثت حكمًا جديدًا خاصًا بانتهاء العمل بالمعاهدة الدولية إذا ما أصبح العمل بها لا يتفق مع القواعد الآمرة الجديدة في القانون الدولي, أي التي وضعت بعد إبرام المعاهدة؛ لذلك فالاتفاق المبرم مخالفاً لها يعد عملاً باطلاً بطلانًا مطلقاً. فعلى سبيل المثال، إذا كانت هناك اتفاقية لتنظيم المتاجرة بالرقيق ثم ظهرت قاعدة دولية آمرة تحرم المتاجرة بالرقيق، عندها تعتبـــــر تلك الاتفاقية باطلة ومنقضية. () وهذا ما أشارت إليه المادة(20) من عهد عصبة الأمم والمادة(103) من ميثاق الأمم المتحدة التي نصت على أنه: " إذا تعارضت الالتزامات التي يرتبط بها أعضاء الأمم المتحدة, وفقاً لأحكام هذا الميثاق مع أي التزام آخر يرتبطون به فالعبرة بالتزاماتهم المترتبة وهذا الميثاق ". ()           


الرد السريع
كاتب المشاركة :
الموضوع :
النص : *