مراحل إبرام المعاهدات الدولية وتسجيلها...بقلم عبدالعزيز موسي شهاب

رسالة ماجستير-.بقلم عبدالعزيز موسي شهاب

المطلب الثالث

مراحل إبرام المعاهدات الدولية وتسجيلها

            يمر إبرام المعاهدة الدولية بعدة مراحل باعتبارها وسيلة رئيسية من وسائل إدارة العلاقات الدولية المعاصرة، ولهذا أحيط موضوع إبرام المعاهدات بشكليات ورسميات، ولم يتطلب القانون الدولي ولا اتفاقية فيينا شكليات خاصة لإبرام المعاهدات الدولية عدا أن تكون المعاهدة مكتوبة. وتمر المعاهدة بعدة مراحل هي المفاوضات، الصياغة ( كتابة المعاهدة )، التوقيع، التصديق، وسنتناول هذه المراحل في ثلاثة فروع مستقلة, وفي فرع رابع سوف نبين كيفية تسجيل المعاهدات الدولية وإجراءات نشرها كما سيأتي :

الفرع الأول

مرحلة المفاوضات

أولاً: ماهية المفاوضة:

            بعد اتصالات أولية بين أطراف المعاهدة تكشف عن الرغبة في إبرامها, تبدأ مرحلة المفاوضات والتي ليست سوى مناقشة أو مذاكرة لموضوع المعاهدة وبنودها, أو هي تبادل لوجهات النظر حول الموضوع أو الموضوعات التي سيتم التعاهد بشأنها. لذلك يختلف موضوع المفاوضات من معاهدة إلى أخرى, بحسب ما إذا كانت المعاهدة تتعلق بالنواحي السياسية أو الاقتصادية أو الحربية أو الثقافية أو الصحية أو النقل والمواصلات أو النقد والبنوك أو الإنشاء والتعمير .. إلخ. ()

ثانياً: شكل المفاوضة:

             ليس للمفاوضات إطار معين فقد تتم شفاهةً أو في صورة مذكرات مكتوبة تقدم من كل طرف أو في إطار مؤتمر دولي يضم العديد من الدول, أو في إطار وتحت إشراف إحدى المنظمات الدولية, كذلك ليس ثمة ما يمنع أن تتم المفاوضات بالتليفون أو التلكس أو الفاكس أو غيرها من وسائل الاتصال الحديثة, وقد تتم المفاوضات مباشرة بين أطرافها أو بتدخل طرف ثالث. ويتوقف مصير المفاوضات بالضرورة على إرادة أطرافها, ومواقفهم الفعلية والقانونية, ومدى قدرة كل منهم على المناورة واقتراح الحلول للمشاكل المعلقة التي قد تعترض سيرها. ()

ثالثاً: أسلوب المفاوضة:

            يختلف أسلوب المفاوضة تبعاً لما يأتي: ()

1 . إذا كانت المعاهدة ثنائية فإنها تتم بواسطة الدوائر السياسية, أي بين وزير خارجية إحدى الدول وبين الممثل السياسي لدولة أخرى يساعدهما عند الاقتضاء خبراء وفنيون.

2 . أما إذا كنا أمام معاهدة متعددة الأطراف, فإن الأمر يجري عادةً ضمن مؤتمر أو اجتماع سياسي.

رابعاً: السلطة المخولة بإجراء المفاوضة:

            حيث إنه من الأمور الاستثنائية أن يقوم رؤساء الدول بذاتهم في الوقت الحاضر بالمفاوضة, وذلك بسبب عدم مسؤوليتهم دستورياً, على الأقل في الدول التي تمارس النظام البرلماني. والمفاوضة هي من صلاحيات الجهاز التنفيذي, أي الحكومة ورئيس الدولة, ويجري المفاوضات على وجه العموم سياسيون وموظفون تقنيون مزودون بالسلطات والصلاحيات اللازمة لذلك. ()

           هذا وقد ورد في الفقرة(2) من المادة(7) من اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات لعام1969 تعداد لبعض الأشخاص الذين يعدون ممثلين لدولهم بحكم وظائفهم دون تقديم وثائق تفويض حيث نصت بقولها:2- يعتبر الأشخاص التالين ممثلين لدولهم بحكم وظائفهم، ودون حاجة إلى إبراز وثيقة التفويض الكامل وهم: ()

(أ) رؤساء الدول، ورؤساء الحكومات، ووزراء الخارجية، من أجل القيام بجميع الأعمال المتعلقة بعقد المعاهدة.

(ب) رؤساء البعثات الدبلوماسية من أجل اعتماد نص المعاهدة بين الدولة المعتمدة والدولة المعتمدين لديها.

(ج) الممثلون المعتمدون من قبل الدول لدى مؤتمر دولي أو لدى منظمة دولية أو إحدى هيئاتها وذلك من أجل اعتماد نص المعاهدة في ذلك المؤتمر أو المنظمة أو الهيئة.

خامساً: نتائج المفاوضات:   

           على أية حال يمكن أن تؤدي المفاوضات إلى إحدى نتائج ثلاث: إما الاتفاق الكامل لوجهات النظر, أو عدم الاتفاق على أية مسألة ( عدم تلاقي وجهات النظر البتة ), أو الاتفاق الجزئي على بعض الأمور وإرجاء بحث الأمور الأخرى إلى مرحلة تالية حتى يمكن إعطاء الأطراف المعنية الفرصة الكاملة لمراجعة مواقفهم واقتراح الحلول البديلة, معنى ذلك أن نجاح المفاوضات هو الذي يؤدي إلى الانتقال إلى المراحل التالية بخصوص إبرام المعاهدات الدولية. الأمر الذي يعني أن فشل المفاوضات كلياً أو فشلها جزئياً وعدم رغبة الأطراف في هذه الحالة الأخيرة كتابة اتفاقهم الجزئي, يترتب عليه عدم استكمال باقي مراحل إبرام المعاهدة.  ()

الفرع الثاني

مرحلة كتابة المعاهدة وصياغتها

           تعقد المعاهدات عادةً كتابةً, وليس هناك ما يمنع قانوناً من عقدها شفاهةً, غير أن الدول لا تلجأ إلى هذه الطريقة لمـــــا تؤدي إليه مـــــــن استحالة إثبات مــــــا اتفق عليه وتحديده على وجه الدقة, وما يتبع ذلك مــــن خلافات ومنازعات بشأنه لا طائل لها, ويسبق تحرير الصيغة النهائية للمعاهدة بعض إجراءات شكلية أولها تبــادل تفويضات مندوبي الدول المشتركة فيها للتثبت مـــن أن المسائل المزمع الاتفاق بشأنها تدخل في حدود تفويض كــــل منهم,   وذلك حتى لا تكون المعاهدة عرضة لعدم التصديق عليها من إحدى هذه الدول بحجة أن مندوبها قد تعـــدى حدود    توكيله. ()  

          فمن المتصور أن تنتهي المفاوضات حول إبرام المعاهدة بواحدة من حالتين إما بالفشل وإما بالنجاح, وفي حالة نجاح المفاوضات يتم تحرير نص مكتوب للمعاهدة يكون موضوعاً للتوقيع عليه ويتكون هذا النص عادةً من ديباجة (مقدمة) ومنطوق (متن) إضافة للخاتمة كما قد تشتمل أيضاً بعض الملاحق. ()

          وفي العادة تبدأ المعاهدة بديباجة حيث يذكر فيها تعليمات تتسم بالطابع العام وهي عبارة عن بيان بأسماء وتعداد الأطراف المتعاقدة, حيث إن هذا الأسلوب يتفق مع المنطق لأن الدولة هي التي تكون ملزمة بتنفيذ أحكام المعاهدة وبالأسباب الموجبة لعقد المعاهدة, كما ويتم بيان السلطة الحاكمة للأطراف المتعاقدة سواءً كانت باسم فرد كرئيس الدولة في بعض الأنظمة أو ببيان أسماء الحكومات الموقعة ومن النادر جداً أن تعقد المعاهدات باسم الشعوب, نظراً لأن الأفراد لا يعتبرون من أشخاص القانون الدولي. ()

         ويلي ذلك صلب المعاهدة, ويتضمن المسائل التي تم الاتفاق عليها مرتبة في فقرات مرقومة متتابعة في شكل مواد أو نصوص, تليها نصوص أخرى يحدد فيها تاريخ نفاذ المعاهدة ومدة العمل بها والإجراءات التي تتبع لتبادل التصديقات عليها وكيفية الانضمام اللاحق إليها من الدول التي لم تشترك في إبرامها وغير ذلك من المسائل العامة. وتختم المعاهدة بعد ذلك بإمضاءات مندوبي الدول المشتركة في إبرامها. ( )

          ويجري تحرير المعاهدة بلغة الأطراف المشتركة في المفاوضات إذا كانت لغة هؤلاء واحدة, ولكن الغالبية العظمى من المعاهدات يتم إبرامها بين دول تختلف لغاتها, وتتجه الاعتبارات الوطنية للدول لتؤكد دائماً على كتابة المعاهدة بلغتها, وقد جاءت الممارسة الدولية تؤيد هذا الاتجاه مع تحرير المعاهدة للغة ثالثة مشتركة تكون مرجعاً في حالة الخلاف حول تفسير نصوص المعاهدة المكتوبة بلغات أطرافها. ()

الفرع الثالث

التوقيع والتصديق على المعاهدة

أولاً: التوقيع على المعاهدة:

           يعرف التوقيع على أنه: " موافقة المندوبين على نتيجة المفاوضات وتحديد المكان والتاريخ الذي ستبرم فيه المعاهدة ". () حيث تعبر الدولة عن ارتضائها الالتزام بمعاهدة بتوقيع ممثلها عليها إذا نصت المعاهدة على أن يكون للتوقيع هذا الأثر, أو إذا ثبت بطريقة أخرى أن الدولة المتفاوضة كانت قد اتفقت على أن يكون للتوقيع هذا الأثر, أو إذا بدت نية الدولة في إعطاء التوقيع هذا الأثر في وثيقة تفويض ممثلها, أو عبرت عن ذلك أثناء المفاوضات, وكذلك يعتبر التوقيع بالأحرف الأولى على نص المعاهدة من قبيل التوقيع على المعاهدة إذا ثبت أن الدولة المتفاوضة قد اتفقت على ذلك, وأن التوقيع بشرط الرجوع إلى الدولة على معاهدة من جانب ممثل الدولة من قبيل التوقيع الكامل عليها إذا أجازته الدولة بعد ذلك. ()    

           حيث نصت الفقرة(2) من المادة(12) من اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات على ما يأتي: ()

أ - يشكل التوقيع بالأحرف الأولى على نص المعاهدة توقيعاً على المعاهدة إذا ثبت أن الدول المتفاوضة قد اتفقت على ذلك.

ب - يشكل التوقيع بشرط الرجوع إلى الحكومة من قبل ممثل الدولة توقيعاً كاملاً على المعاهدة إذا أجازت      دولته ذلك.

             وإذا كان التوقيع على المعاهدة من جانب رئيس الدولة, أو رئيس حكومتها, أو من جانب وزير خارجيتها فلا يحتاج الأمر عندئذ إلى أوراق تفويض يزودون بها, أما إذا كان التوقيع من جانب رئيس البعثة الدبلوماسية أو من جانب شخص آخر فإنه يجب أن يكون مزوداً بأوراق تفويض تخوله التوقيع على المعاهدة؛ كي ينسب التوقيع إلى عضو يمثل الدول, وقد جاء ذكر ذلك صراحةً في المادة السادسة وفي المادة التاسعة من المشروع النهائي الذي وضعته لجنة القانون الدولي في خصوص قــــانون المعاهدات فـــــي دور انعقادها سنة 1966 ويكـــون التوقيع عادةً بأسماء المندوبين كاملة. ()

            وللتوقيع على المعاهدة أثر قانوني ثابت وهو تسجيل ما تم عليه الاتفاق بين الطرفين وتأهيل كل منهما لمباشرة عملية التصديق, كما أن التوقيع يلزم الأطراف بالتزام حسن النية والامتناع عن إجراء أي تصرف يخالف ما تم الاتفاق عليه إلى أن يتم التصديق على المعاهدة, أو إلى أن تعلن الدولة صراحةً امتناعها عن التصديق, وقــــــد جاء ذكر ذلك في المادة (15) من المشروع النهائي الذي وضعته لجنة القانون الدولي في خصوص قانـــون المعاهدات. ()

            هذا وقد نصت الفقرة الأولى من المادة(12) من اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات على ما يأتي: ()

1- تعبر الدولة عن رضاها الالتزام بالمعاهدة بتوقيعها من قبل ممثلها في إحدى الحالات الآتية:

(أ) إذا نصت المعاهدة على أن يكون للتوقيع هذا الأثر.

(ب) إذا ثبت بطريقة أخرى أن الدول المتفاوضة كانت قد اتفقت على أن يكون للتوقيع هذا الأثر.

(ج) إذا بدت نية الدولة المعينة في إعطاء التوقيع هذا الأثر من وثيقة التفويض الكامل الصادرة لممثلها أو عبرت الدولة عن مثل هذه النية أثناء المفاوضات.

ثانياً: التصديق على المعاهدة:

            عرَّف الفقه التصديق بأنه: " قبول الالتزام بالمعاهدة رسمياً من السلطة التي تملك عقد المعاهدات عن الدولة، وهو إجراء جوهري بدونه لا تتقيد الدولة بالمعاهدة التي وقعها ممثلوها ". أو هو: " إجراء دبلوماسي يتخذه رئيس الدولة عادةً ليؤكد به توقيع ممثل الدولة على المعاهدة، أو ليقر بأن ذلك التوقيع قد نال موافقته، فهو بتعبير آخر: قبول المعاهدة بصفة رسمية من السلطة التي تملك حق عقد المعاهدات باسم الدولة ". كما أن التصديق اعتبر إلى وقت قريب الوسيلة الضرورية والوحيدة التي من خلالها تعبر الدولة عن ارتضائها الالتزام بالمعاهدة المسبوقة بتوقيع ممثليها، فهو يرقى إلى مستوى القاعدة العرفية. ()

            وقد حظي بنص القانون الدولي الوضعي في المواد(11) و(14) من اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات لعام1969 وحددت المادة(14) فقرة(1) من ذات الاتفاقية الحالات التي يتطلب فيها التصديق لالتزام الدولة بالمعاهدة، وهذه الحالات هي: ()

أ. إذا نصت المعاهدة على أن التعبير عن الرضا يتم بالتصديق.

ب. إذا ثبت بطريقة أخرى أن الدول المتفاوضة كانت قد اتفقت على اشتراط التصديق.

ج. إذا كان ممثل الدولة قد وقع المعاهدة بشرط التصديق.

د. إذا بدت نية الدولة المعنية من وثيقة تفويض ممثلها أن يكون توقيعها مشروطاً بالتصديق على المعاهدة، أو عبرت الدولة عن مثل هذه النية أثناء المفاوضات.

            بالإضافة إلى ذلك، أيد القضاء الدولي هذا الاتجاه، كما أن العرف الدولي المتواتر والعمل الدولي قد جريا على ذلك أيضاً ( التعبير عن ارتضاء الالتزام من خلال التصديق على المعاهدة ), وغالباً ما تتضمن المعاهدة أحكاماً ختامية تشترط التصديق عليها صراحةً وتحدد شروط تبادله أو إيداعه, وفي المعاهدات الجماعية تبين تلك الأحكام عدد التصديقات المتطلبة لنفاذها، ولكن هذا لا يمنع إمكانية التعبير عن ارتضاء الدولة بوسائل أخرى غير التصديق، وذلك في الحالات التي لا تندرج تحت نص المادة(14) المشار إليه آنفاً، مثلما هو الوضع في الاتفاقيات التي تعقد بالشكل المبسط, والأصل أن التصديق لا يخضع لصورة شكلية معينة، فكما يمكن أن يكون صريحاً، يمكن أن يكون ضمنياً، ومثال الحالة الأخيرة: بدء الدولة بتنفيذ المعاهدة التي وقع عليها ممثلوها المفوضون. ولكن جرت العادة على أن يثبت التصديق في وثيقة مكتوبة موقعــة من السلـــطة المختــصة، تتضمن نــص المعاهدة أو الإشارة إليها مع التعهد بتنفيذها. ()

الفرع الرابع

تسجيل المعاهدة ونشرها

            ويقصد بالتسجيل هو إيداع المعاهدة لدى الأمانة العامة للأمم المتحدة وتسجيلها في سجل خاص بالتسجيل وتحريرها باللغات الرسمية الستة للأمم المتحدة مع اسم المعاهدة وأسماء الموقعين عليها وتاريخ التوقيع والتصديق وتبادل التصديقات كذلك, وتاريخ الانضمام إذا كانت هناك دول منضمة لهذه المعاهدة, ثم تاريخ نفاذها ومدة العمل بها وما هي اللغة التي حررت بها. ()

             وقد نظمت المادة(18) من عهد عصبة الأمم (), والمادة(102) من ميثاق الأمم المتحدة (), والتي سبق الإشارة إليها في هذا البحث على تسجيل المعاهدات, كما أوجبت هذا التسجيل حتى يعتد بأية معاهدة أمام أي فرع من فروع الأمم المتحدة أن تكون هذه المعاهدة مسجلة لدى الأمم المتحدة.

             وقد ذهب بعض الفقهاء إلى أن المعاهدة التي لم يتم تسجيلها في الأمانة العامة للأمم المتحدة تعد باطلة, إلا أن الرأي الغالب في هذه المسألة هو اعتبار المعاهدة صحيحة ونافذة تجاه أطرافها وتجاه الغير أيضاً, إلا أن آثار هذه المعاهدة لا تنتج تجاه أي فرع من فروع الأمم المتحدة, وأنه في حالة وقوع أي خلاف فيما بين الدول المتعاقدة والتي لم تسجل معاهدتها أمام أمانة الأمم المتحدة, فلا يمكن الاحتجاج بها أو التمسك بها في مواجهة محكمة العدل الدولية أو أية محكمة تحكيمية أخرى أو أي جهاز من أجهزة الأمم المتحدة, لأنها تقع باطلة في مثل هذه الحالة ما لم يتم تسجيلها. () ولتسجيل المعاهدات أهمية بالغة تكمن في سببين اثنين هما: ()

1 . من حيث تدوين أحكام المعاهدة باللغات المعتمدة لدى الدول المتعاقدة, لكي يسهل الرجوع إليها عند التطبيق أو التفسير وتحول دون أية مشكلة قد تصاحب عملية تنفيذ الاتفاقية.

2 . يكمن السبب الثاني في القضاء على الاتفاقيات السرية التي قد تلجأ إليها بعض الدول للتحالف فيما بينها لتدبير الاعتداءات ضد غيرها من الدول, وخير مثال على ذلك اتفاقية سايكس بيكو عام1916 التي عقدت بين كلاً من فرنسا وبريطانيا وروسيا لتقسيم البلاد العربية فيما بينهم.

           وقبل إنشاء عصبة الأمم عام1919 لم يكن شرط تسجيل المعاهدة ونشرها معمولاً به, بل إن الكثير من المعاهدات كانت تعقد بشكل سري, وهذا ما أدى إلى وقوف عصبة الأمم ضد هذه الاتفاقيات, حيث جاء في المادة(18) من عهد عصبة الأمم بأن: " كل معاهدة أو اتفاق دولي يعقد بين أعضاء عصبة الأمم يجب تسجيله في سكرتارية العصبة وإعلانه في أقرب فرصة ممكنة ولا تكون أمثال هذه المعاهدات والاتفاقيات ملزمة إلا بعد هذا التسجيل ". ()      

             ونص المادة كما هو ظاهر تغلب عليه صفة العمومية. فما يجب تسجيله هو المعاهدات والاتفاقيات الدولية بمعناها الواسع, فهي تشمل الاتفاقية والمعاهدة والتصريح وتبادل الخطابات, والبروتوكول... إلخ. ولكن يلاحظ في  شأن التسجيل ما يأتي: ()

1 . إنَ وظيفة السكرتارية في التسجيل توثيقية فقط, بمعنى أن التسجيل ليس مفاده الموافقة أو عدم الموافقة على أحكام الاتفاق الدولي المسجل.

2 . إنَ الذي يقوم بتسجيل الاتفاق الدولي هــي الدول الأطراف جميعاً أو إحداها فقــط, أو السكرتير العـــام للعصبة فقط .

3 . إنَ الالتزام بالتسجيل مقصور على الدول الأعضاء في العصبة, غير أن كثيراً من الدول غير الأعضاء فيها قد قامت بهذا الإجراء.

4 . إنَ التسجيل ينصب على الاتفاقات الدولية اللاحقة لإنشاء عصبة الأمم, وقد عمدت كثير من الدول إلى تسجيل الاتفاقات التي عقدتها قبل ذلك.

5 . إنَ الجزاء على عدم القيام بالتسجيل ليس واضحاً. فقد ذكر النص أن المعاهدة لا تكون ملزمة إذا لم يتم تسجيلها. وقد تفرق الرأي في تفسير هذه العبارة, فذهب البعض إلى أن المعاهدة تعد نافذة بين أطرافها, وإنما لا يجوز التمسك بها أمام العصبة أو أمام هيئاتها, وذهب البعض الآخر إلى أنه لا يجوز التمسك بأحكامها أمام الغير, ولا يجوز إلزام الدولة الطرف فيها بأداء ما تضمنته من التزامات وقرر فريق من العلماء أن التسجيل إجراء يسري عليه ما يسري على تبادل التصديقات من أحكام, غير أن الرأي مجمع على أن المعاهدة غير المسجلة لا تعد معاهدة باطلة بحال من الأحوال.  

           وقد تلافى ميثاق الأمـــم المتحدة هــــذا اللبس المتعلق بالجزاء فقــــد نصت المــــــادة(102) مــــن الميثاق على أن: ()

1 . كل معاهدة وكل اتفاق دولي يعقده أي عضو من أعضاء الأمم المتحدة بعد العمل بهذا الاتفاق يجب أن يسجل في أمانة الهيئة وأن تقوم بنشره بأسرع ما يمكن.

2 . ليس لأي طرف في معاهدة أو اتفاق دولي لم يسجل وفقاً للفقرة الأولى من هذه المادة أن يتمسك بتلك المعاهدة أو ذلك الاتفاق أمام أي فرع من فروع الأمم المتحدة.

             وتجدر الإشارة هنا إلى أنه بعد التصديق على المعاهدة من قبل الدولة فإنه يتم نشر المعاهدة في الجريدة الرسمية داخل الدولة, وذلك حتى يتسنى للرأي العام الداخلي أن يطلع عليها, والمحاكم الفرنسية لا تطبق إلا المعاهدات التي تم نشرها, وبعد تسجيل المعاهدة لدى الأمانة العامة للأمم المتحدة, تتكلف الأمانة العامة بنشر نص المعاهدة نشراً ثانياً, وذلك حتى يتسنى للرأي العام العالمي الاطلاع عليها. ()



المطلب الرابع

التحفظ على المعاهدات وتفسيرها

           سنقوم في هذا المطلب بتسليط الضوء على موضوع التحفظ على المعاهدات وتفسيرها مقسمين هذا المطلب إلى فرعين مستقلين, الفرع الأول سنخصصه لموضوع التحفظات الواردة على المعاهدات, والفرع الثاني نتطرق فيه لكيفية تفسير المعاهدات الدولية كما سيأتي:

الفرع الأول

التحفظات

أولاً: تعريف التحفظ:     

         عرفت اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات لعام1969 التحفظ في الفقرة(د) من الفقرة(1) من المادة(2) بقولها: " يقصد بالتحفظ إعلان من جانب واحد، أيا كانت صيغته أو تسميته، تصدره دولة ما عند توقيعها أو تصديقها أو قبولها أو إقرارها أو انضمامها إلى معاهدة، مستهدفة به استبعاد أو تغيير الأثر القانوني لبعض أحكام المعاهدة من حيث سريانها على تلك الدولة ". ()

         يتبين لنا من التعريف السابق أن التحفظ يتمثل في الإعلان الذي تبديه الدولة وتهدف من خلاله إلى بيان اعتراضها على بعض النصوص التي جاءت في المعاهدة الدولية رغبةً منها في تعديلها أو استبعاد الأحكام التي جاءت بها. ()

        وقد اختلف الفقه في موضوع التحفظات بين مؤيد ومعارض, وقد أجازت اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات التحفظ بحسب ما تقتضيه المعاهدة, فهناك بعض المعاهدات منعت التحفظ, وبعضها أجازته وأخرى أجازته على نصوص دون أخرى. ()

 

ثانياً: الحالات التي لا يجوز فيها التحفظ:  

          إنَ اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات قد نصت على بعض الحالات التي لا يجوز فيها التحفظ وهذه الحالات وردت في المادة(19) من الاتفاقية حيث نصت بقولها: () : " للدولة، لدى توقيع معاهدة ما أو التصديق عليها أو قبولها أو إقرارها أو الانضمام إليها، أن تبدي تحفظاً، إلا إذا: ()

(أ) حظرت المعاهدة هذا التحفظ.

(ب) نصت المعاهدة على أنه لا يجوز أن توضع إلا تحفظات محددة ليس من بينها التحفظ المعني.

(ج) أن يكون التحفظ، في غير الحالات التي تنص عليها الفقرتان الفرعيتان(أ) و(ب)، منافياً لموضوع المعاهدة وغرضها.

ثالثاً: قبول التحفظ:  

            كما أن اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات قد نصت على قبول التحفظ في المادة(20) من الاتفاقية حيث نصت بقولها: ()

1 . لا يتطلب التحفظ الذي تجيزه المعاهدة صراحة أي قبول لاحق من الدول المتعاقدة الأخرى ما لم تنص المعاهدة على ذلك. فإذا لم تنص المعاهدة على حظر تحفظ معين عُد ذلك التحفظ قانونياً وينتج أثره بالنسبة للدولة المتحفظة دون اشتراط قبول هذا التحفظ من الدول الأطراف.

2 . حين يتبين من كون الدول المتفاوضة محدودة العدد ومن موضوع المعاهدة وهدفها أن تطبيق المعاهدة بكاملها بين جميع الأطراف شرط أساسي لموافقة كل منهم على الالتزام بالمعاهدة، يتطلب التحفظ قبول جميع الأطراف. وهذا يكون في المعاهدات التي يتسم أطرافها بوحدة الموضوع والهدف, ولولا أن نواياهم توافقت على جعل الالتزام بكامل المعاهدة أمراً محتوماً لما أقدم الأطراف على توقيعها.  

3 . حين تكون المعاهدة وثيقة منشئة لمنظمة دولية، يتطلب التحفظ، ما لم تنص المعاهدة على حكم مخالف، قبول الجهاز المختص في تلك المنظمة. وهذا شرط إجرائي يتعلق بالنظام الذي تسير عليه تلك المنظمات وبوجوب موافقة الجهاز المختص لديها.

رابعاً: الاعتراض على التحفظ:

           إذا تحفظت دولة على نصوص في معاهدة, ولم تنص المعاهدة على آثار هذا التحفظ, ينبغي مراعاة ما يأتي: ()

1 . قبول التحفظ من دولة متعاقدة أخرى يجعل من الدولة المتحفظة طرفاً في المعاهدة بالنسبة إلى تلك الدولة الأخرى إذا كانت المعاهدة نافذة بين هاتين الدولتين أو متى بدأ نفاذها بينهما, فالأمر هنا يتعلق بقبول      التحفظ من قبل الطرف القابل له, حيث ينتج هذا التحفظ أثره في مواجهة الطرف الذي قبله نظراً لارتضائه    بهذا التحفظ.

2 . اعتراض دولة متعاقدة أخرى على تحفظ ما لا يمنع بدء نفاذ المعاهدة بين الدولة المعترضة والدولة المتحفظة إلا إذا عبرت الدولة المعترضة بصورة قاطعة عن نقيض هذا القصد. حيث إنَ اعتراض الدولة المعترضة لا يمنع من الاستمرار في تنفيذ المعاهدة إلا إذا بدت نية الدولة المعترضة بوقف تنفيذ المعاهدة صراحةً.

3 . أي عمل يعبر عن موافقة دولة ما على الالتزام بالمعاهدة ويتضمن تحفظاً، يسري مفعوله فور قبول التحفظ من واحدة على الأقل من الدول المتعاقدة الأخرى. فالتحفظ ينتج أثره عند أول قبول يلقاه من إحدى الدول الأطراف, فبذلك لا يمكن لأي من الأطراف الاحتجاج على الدولة المتحفظة بعدم قانونية التحفظ.  

4 . ما لم تنص المعاهدة على حكم مخالف، يعتبر التحفظ مقبولاً من دولة ما إذا لم تكن قد أثارت أي اعتراض عليه قبل انقضاء فترة اثني عشر شهراً على إشعارها به أو في تاريخ تعبيرها عن موافقتها على الالتزام بالمعاهدة، ويؤخذ بالتاريخ اللاحق لأي من هذين التاريخين. فإذا عبرت الدولة عن موافقتها للتحفظ الصادر من إحدى الدول الأعضاء أو سكتت عن حقها في الاعتراض خلال المدة المحددة باثني عشر شهراً عُد ذلك التحفظ مقبولاً في حقها.

خامساً: الآثار القانونية للتحفظ:

          نظمت اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات الآثار القانونية للتحفظ فقد أوردت هذه الآثار في المادة(21) من الاتفاقية حيث نصت بقولها: ()  

1- يكون للتحفظ المبدى في مواجهة طرف آخر وفقاً للمواد(19)، و(20)، و(23) الآثار الآتية:

(أ) يعدل بالنسبة للدولة المتحفظة في علاقاتها بالطرف الآخر نصوص المعاهدة التي يتعلق بها التحفظ إلى الحد الذي ينص عليه. أي أن المعاهدة تصبح متماشية مع الطرف الذي أبدى التحفظ, وتعدل طبقاً لما أبدته الدولة المتحفظة, وذلك بالنسبة لها ولعلاقتها بالأطراف الأخرى.

(ب) يعدل نفس النصوص بالقدر نفسه بالنسبة لذلك الطرف في علاقاته بالدولة المتحفظة. وهذه نتيجة لما سبق حيث أن الدول الأطراف الأخرى يسري بحقهم تعديل نفس النصوص في مواجهة الطرف المتحفظ وذلك في حدود ما أبداه الطرف المتحفظ فقط.

2- لا يعدل التحفظ نصوص المعاهدة بالنسبة للأطراف الأخرى في علاقاتها ببعضها البعض. فالأطراف الأخرى غير المتحفظة تظل علاقاتها قائمة فيما بينها وكأن التحفظ لم يبدَ.

3- إذا لم تمانع الدولة المعترضة على التحفظ في دخول المعاهدة حيز التنفيذ بينها وبين الدولة المتحفظة، فلا تسري بـين الدولتين النصوص التي يتعلق بها التحفظ إلى الحد الذي ينص عليه. وهذه النتيجة منطقية, فالدولة المعترضة عندما تسمح بسريان المعاهدة فهي توافق على تنفيذها مع اعتراضها على التحفظ, بالتالي فهي لا تطبق تلك النصوص التي اعترضت على التحفظ بشأنها.

4- إذا لم تمانع الدولة المعترضة على التحفظ في دخول المعاهدة حيز التنفيذ بينها وبين الدولة المتحفظة يكون للتحفظ الآثار المنصوص عنها في الفقرتين(1) و(2).

سادساً: سحب التحفظات والاعتراض عليها:

             كما وعالجت اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات موضوع سحب التحفظات والاعتراض عليها فقد نصت في المادة(22) من الاتفاقية على ذلك بقولها: ()

1- ما لم تنص المعاهدة على خلاف ذلك، يجوز سحب التحفظ في أي وقت كان ولا يشترط من أجل ذلك رضا الدولة التي كانت قد قبلت التحفظ. فسحب التحفظ يعني أن يعود الحال كما كان قبل التحفظ, ولا يشترط وقت معين لسحب التحفظ, فمن الممكن سحبه في أي وقت, كما أنه لا يتطلب ذلك توافر رضا الدول التي قبلت التحفظ من عدمه.

2- ما لم تنص المعاهدة على خلاف ذلك، يجوز سحب الاعتراض على التحفظ في أي وقت كان. فمن حق الدولة المعترضة على التحفظ أن تبقي الاعتراض, أو أن تسحبه متى شاءت, وبسحبها تعتبر قد قبلت هذا التحفظ ووافقت عليه.

3- ما لم تنص المعاهدة أو يتفق على خلاف ذلك:

(أ) لا يصبح سحب التحفظ سارياً بالنسبة لدولة متعاقدة أخرى ما لم تتلق الدولة إشعاراً بذلك, أي أنه يشترط للاعتراف بسحب التحفظ من قبل الدول المتعاقدة الأخرى والتعامل على أساس أن الدولة المتحفظة قد سحبت تحفظها أن تتلقى هذه الدول من الدولة المتحفظة إشعاراً بسحبها للتحفظ, والسبب في ذلك هو استقرار العلاقات الدولية على درجة من الدقة والوضوح.

(ب) لا يصبح سحب الاعتراض على التحفظ سارياً ما لم تتلق الدولة المتحفظة إشعارا بذلك, وهذا إجراء مقابل لما ذكرناه في الفقرة السابقة, فيجب هنا حتى يصبح سحب الاعتراض قانونياً وصحيحاً أن تشعر الدولة الساحبة للاعتراض الدولة المتحفظة أنها سحبت اعتراضها على التحفظ, وذلك كي تستقر العلاقات وتتضح الالتزامات والحقوق لكل دولة من الدول.

سابعاً: الإجراءات الخاصة بالتحفظات:

              وأخيراً فقد تضمنت اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات إجراءات خاصة بالتحفظات يجب اتباعها وعدم مخالفتها, فقد نصت في المادة(23) من الاتفاقية على ذلك بقولها: ()

1- يجب أن يبدى التحفظ، والقبول الصريح به والاعتراض عليه كتابة وأن يوجه إلى الدول المتعاقدة والدول الأخرى المخولة بأن تصبح أطرافاً في المعاهدة, فهذا الإجراء الشكلي ضروري كي تكون الدول المعنية سواءً الأطراف أو غير الأطراف على علم تام بموضوع التحفظ, وحتى تبنى العلاقات بين الدول على الوضوح والتحديد النافيان للجهالة.

2- إذا أبدى التحفظ وقت التوقيع على المعاهدة الخاضعة للتصديق أو القبول أو الموافقة فيجب أن تثبته الدولة المتحفظة رسمياً لدى التعبير عن رضاها الالتزام بالمعاهدة وفي مثل هذه الحالة يعتبر التحفظ قد تم من تاريخ تثبيته. فهنا ينبغي للدولة المتحفظة أن تعبر عن رضاها الالتزام بالمعاهدة مصحوباً بالتحفظ الصريح المكتوب, ويعتبر التحفظ قائماً منذ تاريخ التوقيع المصحوب بالتحفظ.

3- القبول الصريح للتحفظ أو الاعتراض عليه المبديان قبل تثبيته لا يحتاجان إلى تثبيت, فإذا تم هذا التحفظ قبل التوقيع على المعاهدة وتم قبوله صراحةً أو الاعتراض عليه, فهنا لا يحتاج هذا التحفظ وقبوله أو الاعتراض عليه للتثبيت.

4- يجب أن يبدى سحب التحفظ أو الاعتراض على التحفظ كتابة, وهذا الإجراء الشكلي ضروري, فكما أن التحفظ وقبوله يكون بالكتابة, فإن سحبه أو الاعتراض عليه أيضاً يكون بنفس الطريقة.

الفرع الثاني

تفسير المعاهدات الدولية

          يعتبر موضوع تفسير المعاهدة كثيراً ما يطرح مشاكل بشأن تحديد المعنى المقصود بمصطلح أو تعبير أو نص مادة من مواد المعاهدة  وما يتطلبه من وضوح أو تفسير أو تعليق, وذلك لقصور عبارة النص عن الدلالة على ما قصدته منه بالفعل الدول المتعاقدة أو لغموضه أو لتناقضه الظاهر مع نص آخر, فتكون مسألة تفسير المعاهدة بإزالة هذا اللبس والإبهام وذلك عن طريق الهيئة المختصة بتفسير المعاهدة, وتتم هذه الدراسة استناداً لطرق ومبادئ تفسير المعاهدات.

           وعند دراسة تفسير المعاهدات الدولية لا بد أن نتعرض لتفسير المعاهدات على الصعيد المحلي ثم تفسيرها على الصعيد الدولي ثم نتعرض لقواعد التفسير على النحو التالي:

أولاً: تفسير المعاهدات على الصعيد المحلي:

            يثور تفسير المعاهدات الدولية على الصعيد المحلي أمام سلطات الدولة المختلفة, فهناك تفسير سياسي يصدر عن السلطة السياسية التنفيذية في الدولة وعادةً ما يكون عن طريق وزارة الخارجية, وهناك تفسير تشريعي يصدر عن طريق السلطة التشريعية, كما أن هناك تفسير قضائي يصدر عن السلطة القضائية, وواقع الأمر أن تفسير المعاهدات يعد أمراً ضرورياً لتطبيقها وتنفيذ الالتزامات الواردة بها وترتيب الحقوق التي يجب ترتيبها عليها. وفي ما يأتي أنواع التفسيرات التي ذكرناها بشيء من التفصيل:

1 – التفسير السياسي: فالتفسير السياسي للمعاهدات يتم عن طريق السلطة التي أبرمت الاتفاق وهي عادةً السلطة التنفيذية عن طريق وزارة الخارجية عادةً أو عن طريق أي جهاز متخصص آخر, وعادةً يكون التفسير السياسي للمعاهدة عبارة عن إشارة من السلطة السياسية في الدولة إلى السلطات الأخرى بما قصدته الدولة من الحكم, أو النص المراد تفسيره وكيفية تطبيقه في الحالة أو الحالات موضوع النزاع, ويتم اللجوء عادةً إلى التفسير السياسي في الحالات التي يمكن أن تتضمن إحراجاً للدولة أو تدخلاً في ممارسة الشؤون الخارجية أو العلاقات الدولية للدولة. وقد جرت المحاكم والسلطات الأخرى في عدد كبير من الدول على اعتبار هذا التفسير ملزماً لهم عند تطبيقهم للمعاهدات الصادر بصددها هذا التفسير وذلك تفادياً لإحراج الدولة في مجال علاقاتها بالدول الأخرى ورغبةً في عدم الإضرار بالشؤون الخارجية للدولة. ()

2 – التفسير التشريعي: فالتفسير التشريعي يتمثل في قيام السلطة التشريعية بعمل تفسير تشريعي لبعض المعاهدات التي قد تصدر في شكل قانون والمعاهدات التي تتطلب إصدار قوانين داخلية أو وطنية لتفسيرها, وكذلك المعاهدات التي ترتب على الدولة حقوقاً مالية أو تحمل خزانة الدولة بأعباء مالية تتطلب موافقة السلطة التشريعية. وإذا أخذ التفسير التشريعي شكل القانون فإنه يكون عادةً ملزماً لسلطات الدولة كالقانون. غير أنه في بعض الأحيان لا يقر القضاء التفسير التشريعي أو يهمله وفي الأحيان الأخرى يحكم بعدم دستوريته. ()

3 – التفسير القضائي: أما بالنسبة للتفسير القضائي فإنه يتم عن طريق المحاكم في الدولة التي تصدر تفسيرها بصدد المنازعات أو القضايا التي تنظر أمامها كما في المعاهدات التي تتضمن وضع الأجانب وحقوقهم وامتيازاتهم والتزاماتهم وغيرها من المعاهدات المماثلة, وفي الدول التي تأخذ بنظام وحدة القانون فإن القضاء لا يجد صعوبة في تأسيس سلطته في تفسير المعاهدات باعتبارها قوانين داخلية أما الدول التي تأخذ بثنائية القانون فإن القضاء لا يطبق المعاهدات إلا إذا صدرت في شكل قانون داخلي أما إذا لم تصدر في شكل قانون فإن القضاء في هذه الدول لا يختص عادةً بتفسيرها. ()   

ثانياً: تفسير المعاهدات على الصعيد الدولي:

            ينصب تفسير المعاهدات الدولية على الصعيد الدولي عادةً على الكلمات التي تتنوع وتختلف في معانيها بالشرح أو التحليل أو باقتراح معان محددة للوقائع والألفاظ مستهدفاً الوصول إلى نتائج سليمة, وتترجم تلك المهمة الشاقة التي يتحملها المفسرون – غالباً – من خلال عمل القضاء الدولي إذ يتولى مهمة التفسير محاولاً الوصول إلى معاني الكلمات باستنباط نوايا أطراف معاهدة ما. وهو يستخدم في ذلك كافة السبل والدلالات المتاحة بحثاً عن النوايا الحقيقية لأطراف المعاهدة. ولا يخفى أن المشقة التي يتحملها القاضي الدولي عند التفسير ترجع – بالضرورة – إلى عدم وجود قواعد ثابتة ومحددة سلفاً للتفسير, تولت وضعها سلطة عليا في المجتمع الدولي ويلتزم القاضي الدولي بها أي تكون مهمته – آنذاك – سهلة تخلص في التطبيق فقط. وفي هذه الحالة يكتسب هذا التفسير نفس القوة الملزمة التي تتمتع بها المعاهدة نفسها. ()

ثالثاً: قواعد تفسير المعاهدات الدولية:

            جاءت اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات لعام1969 في المواد(31 - 32 – 33) لتبيان الآليات أو القواعد الواجبة الإتباع في تفسير المعاهدات الدولية كي يتم تفسيرها وفق أليات دولية يتبعها المختصين في التفسير سواءً كانوا قضاة أو محكمين بقصد تفسيرها بعيداً عن الميول الشخصية. وهذه القواعد هي:

1 . القاعدة العامة في التفسير: حيث نصت المادة(31) من اتفاقية فيينا على أن: ()

1- تفسر المعاهدة بحسن نية ووفقاً للمعنى الذي يعطى لألفاظها ضمن السياق الخاص بموضوعها والغرض منها. فالتفسير يجب أن يكون بعيداً عن النوايا السيئة, وأن يكون متفقاً مع غرض المعاهدة وموضوعها والهدف منها.

2- بالإضـــافة إلى نــص المـــعاهدة، بما في ذلك الديبـــاجة والملاحق، يشتمل ســياق المعاهـــدة من أجــــل التــــفسير على ما يأتي:

(أ) أي اتفاق يتعلق بالمعاهدة ويكون قد تم بين الأطراف جميعاً بمناسبة عقدها, فالمعاهدة وكل ما سبقها وما يلحقها من اتفاقات حضرها جميع الأطراف ووافقوا عليها تعتبر كتلة واحدة لا تتجزأ, ويتم الرجوع إليها لأجل التفسير عند الحاجة لذلك.

(ب) أي وثيقة صدرت عن طرف أو أكثر، بمناسبـــة المعــــــاهدة، وقبلتها الأطراف الأخرى كوثيقة لها صلة بالمعاهدة. فكل ما صدر من الدول الأطراف من وثائق وبيانات ولاقت قبولاً من الأطراف الأخرى, وتعلقت بموضوع المعاهدة بتوافق الأطراف على ذلك يعتبر جزءاً من المعاهدة يتم الرجوع إليه عند التفسير.

3- يؤخذ في الاعتبار، إلى جانب سياق المعاهدة، ما يأتي:

(أ) أي اتفاق لاحق بين الأطراف بشأن تفسير المعاهدة أو سريان نصوصها, فكل اتفاق يلحق بالمعاهدة ينظم موضوع تفسير المعاهدة وكيفية سريان نصوصها يعتبر جزءاً من المعاهدة, ومرجعاً عند الحاجة للتفسير.

(ب) أي تعامل لاحق في مجال تطبيق المعاهدة يتضمن اتفاق الأطراف على تفسيرها, فكل تعامل تم بين الأطراف بإرادتهم وقصدهم أثناء تطبيق المعاهدة يُستدل منه على اتفاقهم عليه, فالعمل يفسر ما تم كتابته وصياغته.

(ج) أي قاعدة ملائمة من قواعد القانون الدولي قابلة للتطبيق على العلاقات بين الأطراف. فلا يمكن استبعاد تطبيق قواعد القانون الدولي على الأطراف, أو الاتفاق على ما يخالفها, فهي تطبق على الأطراف بما يتفق مع موضوع المعاهدة دون ضرورة النص على ذلك.

4- يعطى معنى خاص للفظ معين إذا ثبت أن نية الأطراف قد اتجهت إلى ذلك, فالأصل هنا هو توافق إرادة الأطراف على استخدام اللفظ للمعنى المراد, فإذا ثبت أن نية الأطراف قد اتجهت لإطلاق هذا اللفظ على المعنى المقصود لديهم, أُعطي هذا اللفظ لذلك المعنى.                                                              

2 . الوسائل التكميلية في التفسير: فإلى جانب القاعدة العامة للتفسير يوجد أيضاً وسائل تكميلية يعتمد عليها في حالات معينة, حيث نصت على هذه الوسائل المادة(32) من اتفاقية فيينا بقولها: ()

                يمكن اللجوء إلى وسائـل تكميلية في التفسير، بما في ذلك الأعمال التحضيرية للمعاهدة وملابسات عقدها، وذلك لتأكيد المعنى الناتج عن تطبيق المادة(31) أو لتحديد معنى النص حين يكون من شأن التفسير وفقاً لتلك المادة:

(أ) أن يترك المعنى غامضاً أو غير واضح. فإذا كان المعنى كذلك فإنه يتم الرجوع للأعمال التحضيرية والمؤتمرات التي سبقت إبرام المعاهدة, والملابسات والظروف التي صاحبت إبرام تلك المعاهدة.

(ب) أن يؤدي إلى نتيجة غير منطقية أو غير مقبولة. فإذا أدى التفسير لهذه النتيجة فإنه يتم الاستعانة بما صاحب المعاهدة قبيل إبرامها من لقاءات ومؤتمرات وتبادل الخطابات, وكذلك الظروف والملابسات التي أدت لإبرامها.  

 

3 . تفسير المعاهدات الموثقة بلغتين أو أكثر: حيث نصت المادة(33) من اتفاقية فيينا بقولها: ()

1- إذا وثقت المعاهدة بلغتين أو أكثر يكون لنصها بأي من هذه اللغات نفس القوة ما لم تنص المعاهدة أو يتفق الأطراف على أنه عند الاختلاف يسود نص معين. فالأصل أن نص المعاهدة بأيٍ من اللغات يتساوى من حيث القوة, إلا إذا نصت المعاهدة على خلاف ذلك, أو إذا اتفق الأطراف على الإحالة إلى لغة معينة لاعتماد النص بها في حالة حدوث خلاف.    

2- لا يعتبر نص المعاهدة الذي يصاغ بلغة غير اللغات التي وثقت بها المعاهدة رسمياً إلا إذا نصت المعاهدة أو اتفق الأطراف على ذلك. فلا يُعتد بتوثيق النص بلغة غير اللغات التي اعتمدها الاطراف ووثقوا بها نصوص المعاهدة, إلا إذا تم الاتفاق بين الأطراف على ذلك التوثيق, أو سمحت المعاهدة بذلك.  

3- يفترض أن الألفاظ لها نفس المعنى في كل نص رسمي, ومعنى ذلك أن الألفاظ في النصوص الرسمية تعتبر كقاعدة عامة تحمل نفس المعنى وإن اختلفت من لغة لأخرى.  

4- فيما عدا الحالات التي يسود فيها نص معين وفقاً لأحكام الفقرة الأولى، إذا أظهرت مقارنة النصوص الرسمية اختلافاً في المعنى لم يزله تطبيق المادتين31 و32، يؤخذ بالمعنى الذي يوفق بقدر الإمكان بين النصوص المختلفة مع أخذ موضوع المعاهدة والغرض منها بعين الاعتبار.

              فإذا حدث خلاف في المعنى أثناء المقارنة بين ألفاظ يفترض أن تكون متوافقة, ولم يتم إزالة اللبس والغموض حسب المواد السابقة, فعندها يؤخذ بالمعنى الأقرب لمجموع النصوص, والذي يتسق وموضوع المعاهدة, ويوفق إلى حد كبير بين النصوص المختلفة.  














المبحث الثاني

الطبيعة القانونية للمعاهدات الدولية

             سبق لنا أن بينا أن المعاهدات الدولية تنقسم من حيث طبيعتها القانونية ومن حيث قدرتها على إنشاء قواعد قانونية دولية إلي معاهدات شارعة وهي التي تضع قواعد عامة مجردة وموضوعية, ومعاهدات عقدية خاصة أي أن موضوعها يتناول تنظيم المصالح الفردية لأطرافها فقط ولا تتعدى آثارها لغيرهم من الدول الغير أطراف في المعاهدة, ولا تتسم قواعدها بالعمومية والتجريد, والنتيجة القانونية المترتبة علي هذا التقسيم هي أن المعاهدات الشارعة هي فقط مصدر للقانون الدولي أما العقدية فلا تكون إلا مصدراً للالتزام الدولي بين أطرافها.

             بناءً على ذلك سنقوم في هذا المبحث بدراسة موضوع الطبيعة القانونية للمعاهدات الدولية بشيء من التفصيل, مقسمين هذا المبحث إلى أربعة مطالب, في المطلب الأول نتحدث عن مذهب التفرقة بين المعاهدات العقدية والمعاهدات الشارعة, وفي المطلب الثاني سنبين آراء المذهب القائل بالطبيعة الشارعة للمعاهدات, وفي المطلب الثالث نبين آراء المذهب القائل بالطبيعة العقدية للمعاهدات, وأخيراً سنقوم ببيان القوة الإلزامية للمعاهدات الدولية في المطلب الرابع, كما سيأتي:

 

 


الرد السريع
كاتب المشاركة :
الموضوع :
النص : *