ماهية المعاهدات الدولية...عبدالعزيز موسي شهاب

بقلم -عبدالعزيز موسي شهاب

الفصل الاول

ماهية المعاهدات الدولية

             من المسلم به أن لكافة أشخاص القانون الدولي العام الحق في إبرام ما يشاؤون من اتفاقات, وأن لهذه الاتفاقات من القوة الملزمة ما يجعلها مصدراً للحقوق والالتزامات فيما يتعلق بالعلاقات القائمة بين أطرافها. ولقد كانت الصورة المألوفة للاتفاق بين الدول إلى عهد قريب هي صورة المعاهدة, غـــــير أن صوراً أخرى متعددة قد أخــــذت مكانها في الحياة الدولية -  كاتفاقات الشرفاء أو ( الجنتلمان ) والاتفاقات التنفيذية -, خاصة في السنوات الأخيـــــرة, بحيث لم تـــــعد المعاهدة هي الصورة الوحيدة للاتفاقات الدولــــية وإن كانت الصورة الأهــم لم تـــزل. ()

            والواقع أن الاتفاقيات الدولية على وجه العموم, والمعاهدات على وجه الخصوص, من أهم مصادر القاعدة الدولية. ولا شك لدينا في أنه إذا كان العرف هو أهم مصادر القاعدة القانونية الدولية في مفهومها الصحيح  فإن المعاهدات – خاصة - والاتفاقيات الدولية – عامة – هي المصدر الرئيس للالتزامات الدولية. ()

            من خلال ما تقدم فإننا سنقوم بدراسة الطبيعة القانونية للمعاهدات الدولية في هذا الفصل حيث إننا سنقسم هذا الفصل إلى ثلاثة مباحث, المبحث الأول سنتكلم فيه عن مفهوم المعاهدات الدولية, والمبحث الثاني سنتحدث فيه عن الطبيعة القانونية للمعاهدات, وأخيراً سنخصص المبحث الثالث لدراسة آثار المعاهدات الدولية وإنهاء العمل بها.

المبحث الأول

الأحكام العامة للمعاهدات الدولية

            تعد المعاهدات المصدر المباشر الأول لإنشاء قواعد قانونية دولية. وهي في دائرة النظام الدولي بمثابة التشريع في دائرة النظام الداخلي. فالدول عندما تتراضى فيما بينها على إنشاء معاهدة معينة تقوم بالوظيفة عينها التي يقوم بها المشرع داخل الدولة. ()

            وسنقوم في هذا المبحث بدراسة موضوع المعاهدات الدولية حيث سنقسم هذا المبحث إلى أربعة مطالب, المطلب الأول سنتكلم فيه عن تعريف المعاهدة الدولية وخصائصها, والمطلب الثاني سنتطرق فيه لأنواع المعاهدات الدولية وشروط انعقادها, وسنتحدث في المطلب الثالث عن مراحل إبرام المعاهدات الدولية, وأخيراً سنخصص المطلب الرابع لدراسة موضوع التحفظ على المعاهدات الدولية وتسجيلها.

المطلب الأول

مدلول المعاهدات الدولية وخصائصها

              يمكننا اعتبار أن المجتمع الدولي مجتمعاً يسير نحو التنظيم ويسعى قبل كل شيء إلى تنظيم العلاقات الثنائية والجماعية بين أعضائه, وكما هو الحال في كل مجتمع فإن هناك قواعد ثابتة منها ما يصدر عن إرادة الأطراف المعنية بواسطة الاتفاقيات والمعاهدات, ومنها ما هو تلقائي كالأعراف والمبادئ العامة للقانون, ومنها ما هو صادر عن سلطة خارجية بالنسبة للأطراف, وفي هذا الإطار تدخل القرارات الصادرة عن المنظمات    الدولية. ()

             ومصادر القانون الدولي الرئيسية نصت عليها المادة(38) الفقرة(1) من النظام الأساسي لمحكمة العدل الدولية, حيث نصت على أن المحكمة تفصل في المنازعات التي ترفع إليها وفقاً لأحكام القانون الدولي، وهي تطبق في هذا الشأن: ()

( أ ) الاتفاقات الدولية العامة والخاصة التي تضع قواعد معترفاً بها صراحة من جانب الدول المتنازعة.

( ب) العادات الدولية المرعية المعتبرة بمثابة قانون دل عليه تواتر الاستعمال.

( ج ) مبادئ القانون العامة التي أقرتها الأمم المتمدنة.
( د ) أحكام المحاكم ومذاهب كبار المؤلفين في القانون الدولي العام في مختلف الأمم ويعتبر هذا أو ذاك مصدراً احتياطياً لقواعد القانون وذلك مع مراعاة أحكام المادة(59(.

            بناءً على ما تقدم سنقسم هذا المطلب إلى فرعين مستقلين, سنعرج في الفرع الأول على التعريفات التي ساقها الفقهاء للمعاهدات الدولية, وسنتطرق في الفرع الثاني لأهم الخصائص والمميزات التي تتميز بها المعاهدات الدولية كما سيأتي.

الفرع الأول

مفهوم المعاهدة الدولية

            مع اتساع مضامين العلاقات الدولية انطوت العديد من المعاهدات على جوانب سياسية, وأخرى امتدت لتشمل مسائل اقتصادية وثقافية وعلمية وفنية. وقد تعددت اتجاهات الفقهاء في تعريفهم للمعاهدة الدولية. فقيل إن المعاهدة اتفاق أو عقد يبرم بين دولتين أو أكثر, بصفتهما من أشخاص القانون الدولي العام, تنظمه قواعد هذا القانون وترتب عليه آثاره. كما ذهب إلى أن هذا التعريف يخرج العقود التي تبرم بين دولة وفرد , أو بينها وبين شركة, و يخرج به كذلك العقود التي تبرم بين دولة ودولة بصفتها من أشخاص القانون الداخلي كعقود التوريد مثلاً. فجميعها تخضع لقواعد القانون الداخلي, ولا تخضع لقواعد القانون الدولي العام. وقد انتقد جانباً من الفقه المعاصر التعريف السابق مع ما صاحبه من نتائج. إذ اتجه إلى أن المعاهدة قد اتسع مفهومها لتشمل أنواعاً من الاتفاقات كتلك التي تبرم بين الدول والمنظمات الدولية, أو بين المنظمات الدولية مع بعضها البعض. ()

          ومن الملاحظ في تعريف المعاهدة الدولية أنه ينبغي التفريق بين المعنى الواسع والمعنى الضيق للمعاهدات, حيث تعرف المعاهدة بمفهومها الواسع على أنها: " توافق إرادة شخصين أو أكثر من أشخاص القانون الدولي على إحداث آثار قانونية معينة طبقاً لقواعد القانون الدولي ".() أما المعاهدات وفق المفهوم الضيق فهي تعرف بالاستناد إلى الإجراءات الشكلية المتبعة لعقدها وليس إلى مضمونها بالذات, لذلك فإن تسمية المعاهدة تطلق على التعهدات الدولية المعقودة من قبل السلطة صاحبة الاختصاص في عقد المعاهدات, أي في الغالب بواسطة رئيس الدولة. ()

           

          وقد عرَف البعض من الفقهاء المعاهدة الدولية بأنها: " كل اتفاق دولي مكتوب يتم إبرامه وفقاً للإجراءات الشكلية التي رسمتها قواعد القانون الدولي المنظمة للمعاهدات, بحيث لا يكتسب وصف الإلزام إلا بتدخل السلطة التي يعطيها النظام الدستوري لكل من الدول الأطراف سلطة عمل المعاهدات ". ()  

          وقد عرَفها البعض بأنها: " نصوص قانونية ثنائية أو جماعية تعقدها دول أو منظمات دولية وتخضع لأحكام القانون الدولي, فلا بد أن تعبر المعاهدة عن الإرادة من طرفين على الأقل. فالمعاهدة إذاً هي اتفاق دولي مهما كانت التسمية التي تطلق عليه فقد سمي اتفاقية, أو اتفاق, أو ميثاق, أو نظام, أو تصريح, أو تسوية مؤقتة, أو نظام أساسي. فكل هذه المسميات ذات معنى واحد و وبالتالي لا يؤثر في تمتع الاتفاق الدولي بوصف المعاهدة الاسم الذي يطلق عليه من قبل الأطراف المعنية ". ()

          كما وقد عرفتها معاهدة فيينا لقانون المعاهدات لعام1969م  في الفقرة(أ) من المادة الثانية على أنها: " اتفاق دولي يعقد بين دولتين أو أكثر كتابة ويخضع للقانون الدولي سواءً تم في وثيقة واحدة أو أكثر وأياً كانت التسمية التي تطلق عليه ". ()   

          من خلال التعريفات السابقة نرى أن هذه التعريفات تعبر عن مضمون واحد وإن اختلفت صياغتها, بحيث يمكننا إجمال هذه التعريفات في تعريف واحد للمعاهدة الدولية وهي عبارة عن: " اتفاق جماعي أو ثنائي مكتوب يعقد بالتراضي بين أشخاص القانون الدولي العام سواءً كانت الدول أو المنظمات الدولية بقصد ترتيب أثار قانونية معينة وفقاً لقواعد القانون الدولي العام ويتضمن حقوقاً والتزامات تقع على عاتق أطرافه, سواءً تم هذا الاتفاق في وثيقة واحدة أو عدة وثائق وأياً كانت التسمية التي تطلق عليها ".

          وعلى أيـــــة حـــال فقد ازدادت أهمية المعاهــــدات أيــــاً كانت صورتها بشكـــــل واضح فـــــي المرحلة الحالية مـــــن مراحل تطور القانون الدولي والتي يطلق عليها التنظيم الدولي, ويرجع ذلك إلى مجموعة من الأسباب نذكر منهــــا: ()

1 . اهتمام المنظمات الدولية بتدوين القانون الدولي العام.

2 . نشأة المنظمات الدولية بمقتضى معاهدة دولية يطلق عليها ميثاق أو عهد أو دستور المنظمة وتعتبر هذه القواعد في حكم القواعد الأساسية في القانون الدولي.

3 . تعدد المجالات التي تشملها العلاقات الدولية في الوقت الراهن الأمر الذي أدى إلى زيادة اللجوء إلى إبرام المعاهدات الدولية بصورة لم يسبق لها مثيل.  

 

الفرع الثاني

خصائص المعاهدات الدولية

              إن تعبير المعاهدات الدولية الواردة في المادة(38) من النظام الأساسي لمحكمة العدل الدولية, هو تعبير واسع يشمل ليس المعاهدات فقط بل إنه يشمل الاتفاقيات والاتفاقات الدولية والميثاق والعهد والبروتوكول وأية وثيقة تعقد بين الدول وتضع قواعد عامة لتنظيم العلاقات بين الدول وبغض النظر عن الاسم الذي يطلق على هذه الوثيقة, وعند الرجوع لتعريف المعاهدة الدولية حسب اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات لعام1969 نجد أن المعاهدات الدولية تتميز بما يأتي: ()

أولاً: من حيث الأطراف:

              تبرم المعاهدات الدولية بين أشخاص القانون الدولي. وإذا كان القانون الدولي لا يتضمن حالياً معايير حاسمة لتحديد من يتمتع بالشخصية القانونية الدولية, فإن هذا الوصف ينطبق الآن على الدول والمنظمات الدولية. كذلك يمكن لكائنات أخرى ( كالدويلات أعضاء الاتحاد الفيديرالي, والأشخاص المتمتعين بوصف المحاربين, وحركات التحرير الوطنية التي تحارب من أجل الاستقلال ) أن تبرم اتفاقات يهتم بها القانون الدولي. ()

                ويمكن الإشارة هنا إلى منظمة التحرير الفلسطينية باعتبارها حركة تحرر وطني قد حظيت بالشخصية القانونية الدولية في الجمعية العامة للأمم المتحدة عام1974, وذلك بإعطائها صفة " عضو مراقب " في الأمم المتحدة.

             فإذا كـــــان أحد أطراف المعاهدة مــــن غير الـــدول بالمعنى الواسع فـــــلا يعد الاتفاق المبـــرم بينهما اتــفاقاً دوليــاً وبناءً على ذلك لا تـــعد الاتـــفاقات الآتـــــــية اتفــاقات دولية: ()

1 . الاتفاقات المنعقدة بين القبائل أو الشعوب.

2 . عقود زواج أعضاء الأسر المالكة أو الحاكمة.

3 . الاتفاقات المنعقدة بين الدول والأفراد الأجانب, أو المنعقدة بين الأفراد الأجانب.

4 . الاتفاقات المنعقدة بين المنظمات أو الاتحادات غير الحكومية.

5 . الاتفاقات التي تعقدها الأقاليم التي لا تتمتع بالاستقلال.

6 . الاتفاقات التي تعقدها حركات التحرر والمقاومة والتمرد والعصيان.

7 . الاتفاقات التي تعقدها الدولة مع الشركات الوطنية والأجنبية.

8 . الاتفاقات التي تعقدها الدولة مع الدول الأخرى المتعلقة بالقضايا التجارية كشراء أجهزة ومعدات خاصة. أي العقود التي تعقدها ليس بصفتها كشخص قانوني دولي.

            فالدولة طبقاً لتعريف المعاهدة وحدها بوصفها شخصية قانونية دولية تملك أهلية عقد المعاهدات الدولية. ويؤخذ مفــــهوم الدولة بالمعنى الواسع فيشمل جميع الأشخاص القانونية الدولية. وتــعد الاتــفاقات الآتــــية معقودة بــــين دولتين: ()

1 . الاتفاقات المنعقدة بين رابطة الشعوب البريطانية.

2 . الاتفاقات الدينية المنعقدة بين الكرسي الرسولي البابوي والدول الكاثوليكية فيما يتعلق بالشأن الكنسي.

3 . الاتفاقات المنعقدة بين دولة ومنظمة دولية.

4 . الاتفاقات المنعقدة بين منظمتين دوليتين.

 

ثانياً: من حيث المضمون:

             معنى أن تكون المعاهدات بين دول يترتب عليه أنها تعبر عن إرادة الـــدولة الصريحة, وهـــو أمر يفرض عـــلى الدولة أن تنفذ التـــزاماتها. حيث تعتبر المعاهدة اتفاقاً بكل ما في هذه الكلمة من معان, بل إن الاتفاق يعتبر جوهر المعاهدة وأساس وجودها, على أساس أنها تستند – بصفة أصلية – إلى مبدأ التراضي بين أطرافها. ويختلف مضمون الاتفاق من معاهدة إلى أخرى بحسب طبيعتها وموضوعها ونية أطرافها. ()

ثالثاً: من حيث القانون واجب التطبيق:

           يجب أن يكون القانون الواجب التطبيق هو القانون الدولي كي يعتبر الاتفاق معاهدة دولية. فالحقوق والالتزامات المتبادلة التي يستهدفها الاتفاق يجب ألا تخالف أحكام القانون الدولي ومبادئه. فمثلاً لا يمكن اعتبار عقد شراء قطعة أرض وفقاً للقانون المدني لبناء السفارة عليها في دولة أجنبية معاهدة دولية.()

          تبعاً لذلك فإن الذي يبرم الاتفاق يجب أن يكون مخولاً حق إبرام المعاهدات, ومن ثم فإن اتفاق قرض مثلاً لا يعتبر معاهدة – بلا خلاف – إذا تفاوض عليه البنك المركزي مثلاً من ميزانيته الخاصة. على أن بعض المعاهدات تتضمن أحياناً نصوص تحيل إلى تطبيق القانون الداخلي. وهنا يجب أن تفهم أن تطبيق القانون الداخلي بطريق الإحالة يجعل منه في الحقيقة نوعاً من القانون الدولي بالنسبة للملتزمين بالمعاهدة. ومن ثم فلا يؤثر على الطبيعة القانونية للمعاهدة ما دام أن هذه الحالة جاءت جزئية ولم يقصد بها أن تنتهي إلى إخضاع المعاهدة كلية للقانون الداخلي. ()

          ومن ناحية أخرى تساهم المعاهدات الدولية في تطوير قواعد القانون الدولي, لأنها تستجيب لتنظيم الحالات الجديدة التي لم تنظمها المصادر الأخرى. كما أن المعاهدات المتعددة الأطراف تساهم في وضع قواعد قانونية دولية عامة, تعمل على توحيد قواعد القانون الدولي وجعلها عالمية.  ()



رابعاً: أن تكون المعاهدة مكتوبة:

            نصت على هذا الشرط الفقرة(أ) من المادة(2) من اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات لعام1969 بقولها إن المعاهدة تعني " اتفاق دولي يعقد بين دولتين أو أكثر كتابة ويخضع للقانون الدولي سواءً تم في وثيقة واحدة أو أكثر, وأياً كانت التسمية التي تطلق عليه ". ومع ذلك يتعين إدراك أن اشتراط الكتابة ليس إلا وسيلة لتجنب ما تقع فيه الاتفاقات الشفوية من غموض وتباين في التفسير وتأسيساً على ذلك فإن هذا النص لا يؤثر على ما قد يعقد بين الدول من اتفاقات شفوية. () فإن كانت اتفاقية فيينا قد اشترطت الشكل الكتابي فقط, فإن القانون الدولي العام لم يشترط شكل معين يجب أن تأخذه المعاهدة, وهذا ما يعرف في القانون الدولي بمبدأ حرية شكل المعاهدة الدولية. ولا يعني ذلك أن الاتفاقيات الدولية الملزمة هي فقط المعاهدات المكتوبة, فقد استقرت آراء وأحكام المحكمة الدائمة للعدل الدولي على الاعتراف للاتفاق الشفوي بذات القوة الملزمة للاتفاق المكتوب, فالكتابة شرط لسريان اتفاقية فيينا, أما الاتفاقيات التي لا تأخذ شكلاً مكتوباً فلن تتأثر قوتها القانونية الملزمة ولا يمنع تطبيق أي من قواعد فيينا على هذه الاتفاقيات. ()  

           ويرى البعض بضرورة وجوب كتابة المعاهدة حيث إنه لا يعتد بالاتفاقات الشفوية بين الدول. وبغض النظر عن كون الاتفاق الخطي بوثيقة واحدة أو أكثر من الاتفاقات المترابطة. وأياً كانت تسميتها, سواءً أطلق عليها معاهدة أو اتفاق أو اتفاقية أو ميثاق أو عهد أو أية تسمية أخرى. فلا فرق بين هذه التسميات, وتخضع جميعها إلى قواعد قانونية واحدة, وإن اختلفت الموضوعات التي تتناولها. ويعتقد البعض أن اشتراط أن تكون المعاهدة مكتوبة لا فائدة منه, ذلك أن إجراءات عقد المعاهدة الواردة في قانون المعاهدات توجب صياغة المعاهدة عن طريق الكتابة. واشتراط أن تكون المعاهدات الدولية مكتوبة يجعلها أكثر وضوحاً وأيسر منالاً من مصادر القانون الدولي الأخرى. لأنها تتضمن أحكاماً واضحة وضعتها الدول لتنظيم العلاقات بينها, وسهولة الرجوع إليها. ()  

خامساً: أولوية المعاهدة:

         إن المعاهدات الدولية تلغي وتعدل أي مصدر من مصادر القانون الدولي الأخرى كالعرف ومبادئ القانون العامة بشرط ألا تخالف قاعدة آمرة من قواعد القانون الدولي العام. ()

سادساً: تسجيل المعاهدة:

             يجب حتى يعتد بأية معاهدة أمام أي فرع من فروع الأمم المتحدة أن تكون هذه المعاهدة مسجلة لدى الأمم المتحدة, وقد نصت المادة(102) من الميثاق بأن: ()

1-  كل معاهدة وكل اتفاق دولي يعقده أي عضو من أعضاء الأمم المتحدة بعد العمل بهذا الاتفاق، يجب أن يسجل في أمانة الهيئة وأن يقوم بنشره بأسرع ما يمكن.

2 -  ليس لأي طرف في معاهدة أو اتفاق دولي لم يسجل وفقاً للفقرة الأولى من هذه المادة أن يتمسك بتلك المعاهدة أو ذلك الاتفاق أمام أي فرع من فروع الأمم المتحدة.

ومفاد هذا النص أن عدم التسجيل لا يحول دون قيام المعاهدة بكل ما يترتب عليها من حقوق وواجبات، وأنها تكون ملزمة لأطرافها وقابلة للتنفيذ بينهم وأنه يمكن التمسك بها في مواجهة الدول الأخرى, ولكن ليس لذلك الطرف أن يحتج بهذه المعاهدة لدى الأمم المتحدة.

               وقد سبق أن نصت المادة(18) من عهد العصبة على أن: " كل معاهدة أو ارتباط دولي تعقده دولة عضو في عصبة الأمم من الآن فصاعداً يجب تسجيله لدى الأمانة العامة ونشره في أقرب وقت ممكن ولن تكون أية معاهدة كما لن يكون أي ارتباط دولي ملزم ما لم يسجل ". () ولقد كان السبب في وضع هذا النص هو الرغبة في تفادي النتائج السيئة التي كانت تنتج عن عقد المعاهدات والتحالفات السرية التي قد تلجأ إليها بعض الدول لتدبير الاعتداءات ضد غيرها من الدول, ولحمل الدول على اتباع خطة الدبلوماسية العلنية.

    





المطلب الثاني

أنواع المعاهدات الدولية وشروط انعقادها

           سنتطرق في هذا المطلب لأهم التقسيمات والمعايير التي وضعها فقهاء القانون الدولي العام لأنواع المعاهدات الدولية, ومن ثم نبين الشروط الواجب توافرها لصحة انعقاد المعاهدات مقسمين هذا المطلب إلى فرعين مستقلين كالآتي:

الفرع الأول

أنواع المعاهدات الدولية

           يذهب الشراح في تقسيم المعاهدات وتصنيفها مذاهب شتى, منها تقسيمها تبعاً لعدد الدول المساهمة فيها إلى معاهدات ثنائية أو خاصة ومعاهدات جماعية أو عامة, ومنها تقسيمها تبعاً لمدتها إلى معاهدات محددة المدة أو مؤقتة ومعاهدات غير محددة المدة أو مستديمة, ومنها تقسيمها تبعاً لطبيعتها إلى معاهدات شارعة ومعاهدات عقدية, ومنها تقسيمها تبعاً لموضوعها إلى معاهدات سياسية ومعاهدات اجتماعية أو اقتصادية, إلى غير ذلك من التقسيمات التي لا يتسع المجال هنا لتعدادها جميعاً. ولا شك أن قيمة هذه التقسيمات المختلفة فقهية قبل كل شيء ولا أثر لها في القانون الوضعي ولا تتبعها نتائج عملية خاصة. ()  

         وفي الحقيقة فإن ثمة تصنيفين فقط يتميزان بطابع فقهي وهما التقسيم من حيث عدد الدول المساهمة في المعاهدة وهي معاهدة ثنائية أو معاهدة متعددة الأطراف, والتقسيم من حيث طبيعة المعاهدة إلى معاهدة تعاقدية ومعاهدة شارعة. () وفي هذا الفرع سنتطرق لأهم هذه التقسيمات كما هو آت:

أولاً:  من حيث عدد الدول المساهمة فيها:

            يستفاد من الحكم الوارد بالبند(أ) من الفقرة الأولى من المادة(38) من النظام الأساسي لمحكمة العدل الدولية أن المعاهدات نوعان هما معاهدات متعددة الأطراف وهي المعاهدات التي يشترك فيها أكثر من دولتين ومعاهدات ثنائية وهي التي تنعقد بين دولتين فقط. ()

          والقوة الإلزامية للمعاهدة في الحالتين مقصورة على الدول الأطراف فيها, ولا تتعداهم إلى الغير(), بالنظر إلى طبيعة السيادة التي تتمتع بها الدولة الحديثة, غير أنه ينص عادةً في المعاهدات متعددة الأطراف على إباحة انضمام الدول غير الأطراف فيها إليها, وذلك لتيسير امتداد دائرة تطبيق أحكامها في الحالات التي تدعو إلى ذلك, كما ينص فيها على حق انسحاب الدول الأطراف فيها عن المعاهدة متعددة الأطراف بإرادتها الفردية. وبهذا تستطيع الدول – إذا تحققت شروط معينة واتبعت إجراءات معينة – أن تكون طرفاً في المعاهدة متعددة الأطراف أو أن تنهي ارتباطها بأحكامها. أما المعاهدات الثنائية فلا تتضمن مثل هذه الأحكام عادةً لأنه قد لوحظ في إبرامها أن أحكامها لا تقوم إلا بين دولتين فقط. وكذلك الأمر في كل ما يتعلق بما يرد فيها من أحكام. ()

ثانياً: من حيث طبيعة المعاهدة:

            يميز الفقه بين نوعين من المعاهدات من حيث طبيعتها وهما المعاهدات الشارعة ومعاهدات العقود, ويبدو أن أساس التمييز يكمن في أن النوع الثاني وهي معاهدات العقود تبرم بين عدد قليل نسبياً من الأطراف, وتنشئ بالتالي قواعد قانونية خاصة تطبق على الأطراف الموقعين على المعاهدة, بينما المعاهدات التي يتعدد الموقعون عليها تعتبر قانوناً من حيث الجوهر ومع ذلك فإن كافة المعاهدات الدولية تتضمن التزامات تعاقدية تقع على أطرافها, وبالتالي تعتبر قانوناً بالنسبة لكافة الأطراف التي وافقت على شروط المعاهدة, وبعبارة أخرى, فإن المعاهدات الثنائية لا تنشئ أحكاماً قانونية أقل قيمة من تلك الواردة في المعاهدات متعددة الأطراف. والنوع الأخير يتسع نطاق ومدى تطبيقه وعليه يعتبر بمثابة التشريع. ولا يرجع ذلك إلى كثرة الموقعين على المعاهدة فحسب, ولكن إلى أن الحكم الذي تتضمنه المعاهدة المتعددة الأطراف يعتبر في ذات الوقت قاعدة قانونية عرفية دولية. ()

            فالمعاهدات الشارعة تنشئ قواعد دولية جديدة أو تقرر قواعد استقر عليها العرف الدولي من قبل, ويلاحظ أنه يوجد بها عادةً نص خاص يبيح الانضمام إليها من جانب الدول غير الموقعة عليها, كما أنه من المعتاد أن تسير كافة الدول فعلاً على مقتضى القواعد الواردة بالمعاهدات الشارعة, أو أن تعترف بوجود هذه القواعد ومن هنا شبهت بالتشريعات, ويلاحظ أن المعاهدات الشارعة كانت قليلة في الماضي, فكان المصدر الأساسي للقاعدة الدولية العرف. ولقد تغيرت الأوضاع منذ القرن العشرين فتعاقبت تلك المعاهدات الواحدة بعد الأخرى. ()

ثالثاً: من حيث الموضوع: حيث تصنف المعاهدات من حيث موضوعاتها إلي:  

1 . معاهدات سياسية: وهى تضم اتفاقات الأحلاف العسكرية والتعاون المشترك والعلاقات الدبلوماسية.

2 . معاهدات اقتصادية: وهى تشمل الاتفاقات الاقتصادية في مجال الزراعة والصناعة والمواصلات وغيرها.

3 . معاهدات خاصة: وهى تشمل معاهدات في مجال التعاون الثقافي والاجتماعي والاتفاقات القانونية مثل، اتفاقيات مكافحة الجريمة وتقنين القواعد القانونية.

الفرع الثاني

شروط انعقاد المعاهدات الدولية

             تعتبر المعاهدة كغيرها من التصرفات القانونية لا تنتج آثارها القانونية إذا لم تنعقد صحيحة, كما وتعتبر باطلة أو قابلة للإبطال إذا لم تستوفِ الشروط اللازمة لصحة التعاقد وقت عقدها. ومن الملاحظ أيضاً أن شروط صحة انعقاد المعاهدات الدولية تختلف عن شروط صحة العقد في النظم القانونية الداخلية, وذلك بسبب الاختلاف في الطبيعة بين المعاهدة وكلاً منهما, فضلاً عن الاختلاف في طبيعة كل من النظام الدولي والنظام الداخلي. وفي هذا الفرع سنتناول شروط صحة انعقاد المعاهدات وهي الأهلية والرضا والمحل كما سيأتي:

أولاً: الأهــلــية:

          إبرام المعاهدات مظهر من مظاهر سيادة الدولة, وعلى ذلك يكون للدولة تامة السيادة كامل الأهلية لعقد المعاهدات أياً كان نوعها. أما الدول ناقصة السيادة فأهليتها لإبرام المعاهدات ناقصة أو منعدمة وفقاً لما تتركه لها علاقة التبعية من الحقوق, لذا يجب دائماً الرجوع إلى الوثيقة التي تحدد هذه العلاقة لمعرفة ما إذا كانت الدولة ناقصة السيادة تملك أو لا تملك إبرام معاهدة معينة. غير أنه إذا حدث وأبرمت دولة ناقصة السيادة معاهدة ليست أهلاً لإبرامها, لا تعتبر هذه المعاهدة باطلة بطلاناً مطلقاً, وإنما تكون فقط قابلة للبطلان بناءً على طلب الدولة صاحبة الولاية على الشؤون الخارجية للدولة التي أبرمت المعاهدة, فلها إن شاءت إبطالها وإن شاءت أقرتها. ()

            كذلك لا يجوز للدول الموضوعة تحت حياد دائم أن تبرم من المعاهدات ما يتنافى مع حالة الحياد, كمعاهدات التحالف أو الضمان المتبادل. أما دول الاتحاد بأنواعه فيرجع بالنسبة لها إلى ميثاق أو دستور الاتحاد لمعرفة ما إذا كانت تملك كل منها أو لا تملك إبرام المعاهدات على انفراد. وأما أي السلطات في الدولة تملك إبرام المعاهدات فهذا ما يحدده القانون الأساسي لكل دولة. وتختص السلطة التنفيذية دائماً بالمفاوضة في شأن المعاهدات المزمع إبرامها, وتنفرد بعقدها أو ترجع في ذلك إلى السلطة التشريعية تبعاً لما يقضي به دستور الدولة ذاتها. ( )

ثانياً: الرضا:

          المعاهدة الدولية اتفاق يبرمه أشخاص القانون الدولي, ومن ثم ثار في الفقه الدولي أهمية موضوع سلامة رضاء أطراف المعاهدة وإلا كانت هذه المعاهدة باطلة. ()

         حيث إنه من المسلم به أنه يشترط لصحة إبرام المعاهدات أن يتوافر الرضا التام لدى أطرافها والرغبة في الالتزام بأحكامها وأن يكون الرضا غير مشوب بأي عيب من عيوب الرضا مثل الغلط أو الغش (التدليس) أو إفساد ممثل الدولة أو الإكراه. ويذكر أن القسم الثاني من الباب الخامس من اتفاقية فيينا لعام1969, المتعلق ببطلان المعاهدات نص على عيوب الإرادة. () ويمكن هنا أن نقسم عيوب الرضا إلى عيوب تجيز بطلان المعاهدات, وعيوب توجب البطلان وتقرر انعدام الأثر القانوني للمعاهدات, وهي كالتالي:

1 – العيوب التي تجيز البطلان وهي:

أ . الغلط:

             يعرف الغلط على أنه: " وهم يقوم في ذهن الشخص فيصور له الأمر على غير حقيقته ويكون هو الدافع إلى التعاقد، فهو تصور كاذب للواقع يؤدي بالشخص إلى إبرام تصرف ما كان ليبرمه لو تبين حقيقته، فهو يصيب الإرادة عند إبرام التصرف ". () ويترتب على الغلط أثر هام في عقود القانون الخاص, لكن أهميته في المعاهدات الدولية محدودة لأن وقوع الدولة في الغلط نادراً ما يحصل والسبب في ذلك أن إبرام المعاهدة يمر بعدة مراحل, وبالتالي لا تبرم بصفة نهائية إلا بعد الدراسة الدقيقة والتمحيص, ومعنى ذلك يمكن اكتشاف الغلط قبل المرحلة النهائية التي تصبح بعدها المعاهدة ملزمة. ولكن يرى بعض الفقهاء وعلى رأسهم " أوبنهايم " و" فوشي " أنه إذا حدث أن الغلط لم يكتشف إلا بعد إبرام المعاهدة بشكل نهائي, كان للدولة التي وقعت في الغلط أن تطالب بإبطال المعاهدة. ويذكر أن الغلط الذي يترتب عليه إبطال المعاهدة يجب أن يكون غلطاً جوهرياً أو على الأقل غلطاً جسيماً, فالغلط البسيط لا يترتب عليه إبطال المعاهدة. ()

         وفيما يتعلق بالغلط فقد نصت اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات لعام1969 في المادة(48) على أنه: ()      

1 .  يجوز للدولة الاحتجاج بالغلط في المعاهدة كسبب لإبطال رضاها الالتزام بها إذا تعلق الغلط بواقعة أو حالة اعتقدت هذه الدولة بوجودها عند عقد المعاهدة وكانت سبباً أساسياً في رضاها الالتزام بها.

2 .  لا تنطبق الفقرة(1) إذا كانت الدولة المعنية قد أسهمت بسلوكها في الغلط أو كانت الظروف قد جعلت هذه الدولة على علم باحتمال وقوعه.

3 .  لا يؤثر الغلط المتعلق فقط بألفاظ المعاهدة، على صحتها. وتطبق في هذه الحالة أحكام المادة79.

         ومن خلال دراسة هذه المادة, نرى بأنه يجب لتوافر الغلط وجود شرطين هما: ()

أ . أن يكون الغلط منصباً على الوقائع.

ب . أن يكون كسبب أساسي لحالة توهمت هذه الدولة وجودها عند إبرام المعاهدة, ولولا هذه الحالة لما ارتضت الدولة الالتزام بالمعاهدة, فيترتب على هذه الشروط جواز المطالبة بإبطال المعاهدة.

           يلاحظ هنا أن الفقرة الثالثة من نفس المادة تؤكد على أنه إذا كان الغلط في صياغة نص المعاهدة فقط فلا يؤثر ذلك في صحتها.  

ب . الغش ( التدليس ):

          الغش أو التدليس هو من الأسباب المفسدة للرضا التي تدعو إلي إلغاء المعاهدة, فالغش أو التدليس يفترض وجود سلوك تدليسي بقصد حمل أحد الأطراف في المعاهدة علي فهم أمر معين علي غير حقيقته، ومن ثم يكون قبوله للمعاهدة بناء علي هذا الفهم الخاطئ، أي نتيجة لهذا السلوك التدليسي المعتمد أساساً علي نية مبيتة قائمة علي التحايل. وإذا كان القضاء الدولي قد أخذ بالتدليس أو الغش كسبب من أسباب بطلان المعاهدات، فإن ذلك كان محدوداً.

            وقد نصت المادة(49) من اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات لعام1969على أنه:" يجوز للدولة التي عقدت المعاهدة بسلوك تدليسي لدولة متفاوضة أخرى أن تحتج بالتدليس كسبب لإبطال رضاها الالتزام        بالمعاهدة ". ()

ج . إفساد ممثل الدولة:

             جاء النص على إفساد ممثل الدولة من خلال المادة(50) من اتفاقية فيينا حيث نصت بقولهــــا: " إذا تم التوصل إلى تعبير الدولة عن رضاها الالتزام بالمعاهدة عن طريق إفساد ممثلها بطريقة مباشرة أو غيـــــر مباشرة مـــن قبل دولة متفاوضة أخرى فإنـــه يجوز لتلك الدولــــــة أن تحتج بالإفساد كسبب لإبطــــــال رضاها الالتزام بالمعاهدة " .()

              فإفساد ممثل الدولة كعيب من عيوب الإرادة لم يكن معروفاً من قبل وإنما استحدثته اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات لعام1969 فلو قامت دولة ما برشوة ممثل الدولة الأخرى لإغرائه على إبرام المعاهدة فان هذا يعتبر فساد لإرادة هذا الممثل يتيح للدولة المعنية المطالبة بإبطال المعاهدة أما أعمال المجاملات فلا تعني إفسادا لإرادة ممثل الدولة .

2 - العيوب التي توجب البطلان وهي:

أ . الإكراه:

           أما بالنسبة للإكراه فقد قررت اتفاقية فيينا في المادة(51) أنه إذا كان الإكراه مادياً ووقع على شخص عضو الدولة الممثل لها فإن الرضا الذي يعبر عنه مثل هذا العضو الممثل للدولة لا يترتب عليه أي أثر قانوني, بمعنى أن رضاه في هذه الحالة يعد معيباً وباطلاً بطلاناً مطلقاً. وأكدت الاتفاقية أيضاً في المادة(52) أنه إذا كان الإكراه موجهاً وواقعاً على الدولة ذاتها في صورة استعمال القوة تجاهها أو التهديد باستعمالها في ظروف تعد خرقاً لأحكام ميثاق الأمم المتحدة فإن المعاهدة التي تنعقد نتيجة هذا الإكراه تعد باطلة بطلاناً مطلقاً ولا يترتب عليها أي أثر قانوني. أما في غير هذه الحالات فإن الإكراه لا يفسد الرضا. وتجدر الإشارة هنا أن الوضع في العمل يختلف عن الوضع النظري اختلافاً جوهرياً, وذلك لأنه كثيراً ما تعقد المعاهدات بوسيلة الإكراه والعمل يجري على اعتبار هذه المعاهدات صحيحة نافذة , والسبب في ذلك يرجع إلى كفالة استقرار المعاهدات الدولية كمعاهدات الصلح والسلام التي تعقد بين الدول المنتصرة والدول المهزومة. ()

 

 

ثالثاً: المحل:

              يشترط لصحة انعقاد المعاهدة أن يكون محلها ممكناً مشروعاً وهذا الشرط يعتبر شرط نظري قلما يخالف في العمل, وذلك لأن الدول لا تتعاقد على محل غير ممكن التنفيذ كأن تتعاقد دولتان على أن تتنازل الأولى للثانية عن إقليم لا تملكه, أو عن مستعمرة ليس لها عليها أي حق, كما أنه من المستبعد أن تبرم الدول معاهدات يكون محلها غير مشروع أو منافياً للآداب العامة, وعلى الأخص في العصر الحديث, كأن تتعاقد دولتان فيما بينهما على تيسير الإتجار بالرقيق الأبيض أو الأسود أو المخدرات. ومع أنه لا توجد أمثلة عملية على معاهدات أبرمت وكان محلها مستحيل التنفيذ أو غير مشروع, فإن الفقه يتطلب استيفاء هذا الشرط في المعاهدة ليكون انعقادها صحيحاً من حيث الموضوع. وقد جاء في حكم أصدرته المحكمة الدائمة للعدل الدولي في12 ديسمبر سنة1934 ما يلي: " إن المحكمة لا يمكن أن تطبق معاهدة أو اتفاقية يكون محلها منافياً للآداب العامة. ()

              وقد كان الفقهاء يؤكدون أن الأمثلة على عقد اتفاقيات يكون محلها غير مشروع هي أمثلة افتراضية بحتة, إلا أنه يمكن القول أن مثلاً حديثاً يعد المثل الحي على الاتفاق ذي المحل غير المشروع والمخالف للآداب الدولية العامة, وهو الاتفاق الفرنسي الإسرائيلي السري بالاعتداء على مصر في29 أكتوبر سنة1956, وذلك الاعتداء الذي شاركت فيه بريطانيا, كما يعد الإنذار الفرنسي – البريطاني إلى مصر في30 أكتوبر سنة1956 مثلاً آخر للاتفاقات المنافية للآداب العامة. ()     

 







 


الرد السريع
كاتب المشاركة :
الموضوع :
النص : *