قرار ترامب وسقوط أوهام التسوية.. إسماعيل مهرة

يبدو أنه بات من المؤكد - بحسب الأخبار والمعلومات المتداولة - ان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب سيلعن، اليوم الأربعاء الساعة الثامنة مساءً في خطابه الذي ينوي إلقاءه، قراره بالاعتراف رسميًا بمدينة القدس كعاصمة لدولة إسرائيل، ويؤكد التزامه بنقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس، وهو الأمر الذي يعتبر انقلابًا على المواقف الأمريكية والدولية الخاصة بمكانة القدس، والتي ظلت تعتبرها مدينة محتلة أو متنازعًا عليها وأن مكانتها النهائية الرسمية ستقرر عبر المفاوضات بين الفلسطينيين والإسرائيليين، انقلاب يحمل مؤشرات ودلالات خطيرة جدًا للأهمية الكبيرة والثقل الهام للموقف الأمريكي وما يمثله من وزن وتأثير على المستوى الدولي، ولما يمثله من انتصار للموقف الإسرائيلي، وصفعة كبيرة للموقف العربي والفلسطيني وتنكر لكل الاتفاقيات والتفاهمات الالتزامات، الاعتراف الأمريكي بالقدس عاصمة لإسرائيل سيتلوه اعترافات أخرى من دول أخرى، وسنرى مستقبلًا العديد من الدول التي ستنقل سفاراتها في إسرائيل إلى مدينة القدس.

بهذا القرار فإن ترامب يقدم أكبر هدية لنتنياهو ولليمين الإسرائيلي، فإسرائيل نتنياهو تفوز هنا بالجائزة الكبرى دون أي خصومات، جائزة على مواقفها المتشددة والمتنكرة لأدنى حقوق الشعب الفلسطيني، ممّا سيعزز نهجها المتشدد ويشجعها على استمرار غلوها ونهبها للأرض. حتى لو جاء القرار في سياق صفقة تقوم بموجبها دولة فلسطينية، فإن إسرائيل ستكون سعيدة بنصيبها بالقدس، مقارنة بالموقف الأمريكي في "كامب ديفيد 2"، فما بالنا وهي هدية مجانية غير مرتبطة بأية سياقات أو استحقاقات.

اليمين الإسرائيلي يرى في القرار الأمريكي عدالة تاريخية وانصافًا يستحق الاحتفال به، وهي بالنسبة لهم مثابة بشرى في "عيد الأنوار" اليهودي الذي سيحتفل به بعد أيام، نير بركات رئيس بلدية القدس أعلن ان البلدية ستنظم احتفالية كبيرة، وعبّر عن سعادته الغامرة رغم انه انتقد التحذير الأمريكي للرعايا الأمريكان، الذي يحذرهم من السفر إلى القدس، ورأى في ذلك مسًا بالسيادة والأمن الإسرائيلي في المدينة. أما وزير الاستخبارات يسرائيل كاتس ووزير الأمن ليبرمان، فقد اعتبرا القرار رفعًا للظلم وتحقيقًا للعدل وإنصافًا للرواية اليهودية، ومن جهته أضاف ليبرمان مطمئنًا الإسرائيليين والأمريكان ان الجيش وقوات قمعه قادرة على ان تتعامل مع أي اضطرابات أو ردود فعل فلسطينية، بمعنى القدرة على الاحتواء.

على الجانب الآخر في إسرائيل، هناك من يتناول الأمر بحذر أكبر ويخشى من مخاطر الثمن الذي قد تدفعه إسرائيل ولا يكون مكافئًا للجائزة، المخاطر التي ينظر إليها هؤلاء تتمثل في احتمالات تدهور العلاقة مع الدول العربية، وفقدان أمريكا لقدرتها على رعاية التسوية واحتواء التداعيات المستقبلية، وتراجع مكانة أمريكا ونفوذها في المنطقة، وهو الذي كان كثيرًا ما يشكل مساعدة كبيرة لإسرائيل. عوزي أراد، رئيس مجلس المن القومي ومستشار أمني لنتنياهو سابقًا، حذر من خطورة القرار الأمريكي على العلاقة العربية - الإسرائيلية التي اعتبرها أحد الإنجازات الهامة للدبلوماسية الإسرائيلية، فهو ينتقد الظروف والتوقيت، ويخشى مع آخرين ان يكون الرئيس ترامب اهتم بتعزيز مكانته في أمريكا دون ان يهتم بتداعيات القرار على المنطقة، بمعنى ان ترامب سيحصل على هدفه وإسرائيل ستدفع الثمن.

جانب آخر من التخوفات عبّر عنه الكاتب أودي سيغل، المراسل السياسي للقناة الثانية، حيث تخوف من ان تكون خطوة ترامب عبارة عن سلفة لنتنياهو ليأتي بعدها الثمن، بمعنى ان الخطوة التي منحها ترامب لإسرائيل بهدف ان يجبي منها بعد ذلك ثمنًا باهظًا (مثلًا برنامج سياسي). ويلمح سيغل إلى أنه في الأسبوع الأخير نشرت في وسائل إعلامية متعددة مصرية وأمريكية وسعودية وغيرها الكثير من التلميحات بشأن برنامج سياسي اختراقي. ويضيف سيغل: ربما ترامب يقول للعرب "أعطيهم القدس وأخرجها من المفاوضات، لكني أعطيكم فلسطين، وفلسطين من دون التجمعات الاستيطانية مع الاعتراف الأمريكي. إذا لم يستطع نتنياهو القبول بذلك فسيصبح هو الرافض، ونتنياهو لا يستطيع أن يرفض لي طلبًا، أعطيه القدس ويعطيني موافقته على الدولة الفلسطينية". أي ان هناك من يتخوف من الثمن السياسي الذي قد يأتي لاحقًا، والذي لن يستطيع نتنياهو رفضه، وهو تخوف يعبّر عن مدى الطمع والجشع الإسرائيلي والاستهتار بالمطالب والمواقف العربية والفلسطينية.

بدون أي تذاكٍ في التقليل من شأن خطورة القرار الأمريكي، فأن القرار خطير بكل المقاييس، وهو نقطة في نهاية فقرة تجمل حساب عقود طويلة من العبث والتخريب السياسي، وتجبرنا على فتح صفحة جديدة، سيكتب فيها أحد أمرين: عظم الله أجركم وشكر سعيكم أو قبولنا بتحدٍ كبير، المواجهة الشاملة بعد سقوط الأوهام، مواجهة لا تقوم فقط على الفلسطيني الأعزل اليتيم؛ بل مواجهة عربية فلسطينية إسلامية شاملة، يتصدرها الأردن بما يمتلك من قوة جغرافيا وديموغرافيا وحساسية جيوسياسية.


الرد السريع
كاتب المشاركة :
الموضوع :
النص : *