التقسيم في الفكر السياسي الفلسطيني

التقسيم في الفكر السياسي الفلسطيني

د. سامي الأسطل

يتساءل البعض لماذا لم تقبل الحركة الوطنية قرار التقسيم 181؟ وهل كانت على قدر هذا الرفض؟ وهل أخطأت القيادة الفلسطينية عندما رفضت قرار التقسيم؟... أسئلة كثيرة وكلها مشروعة  من أجل قراءة نقدية واقعية هادفة، في هذا السياق يمكن القول أن القيادة الفلسطينية لم تكن فعلا على قدر جملة الرفض التي تم إطلاقها، ولم تستطع تحقيق وحدتها، فضلا عن أن تحافظ على ما تبقى من فلسطين، ولم تستطع تنظيم مشاريعها الوطنية أو حتى وضع إطار ناظم لهذه المشاريع التي تباينت وكأننا نسير بدون خارطة طريق ولا حتى بوصلة، فهناك فوضى في المشروع الوطني، فمثلا إطلاق مشاريع: الدولة على كل فلسطين، حدود 1967م، كامب ديفيد، حدود أوسلو، الخلافة الإسلامية، الدولة الإسلامية، دولة غزة، دولة على ما تبقى من سياسة الأمر الواقع الإسرائيلية، تبادل الأراضي، الكونفدرالية، الإدارة المصرية والأردنية، تسيير الأمور الحياتية...

وحتى نقارب رؤية الرفض الفلسطينية فهناك بعض المرتكزات في الفكر السياسي الفلسطيني ساهمت في رفض التقسيم، من هذه المرتكزات:

-    الاعتراف بالتقسيم أو ما دونه يلغي الرواية التاريخية الوطنية الفلسطينية حول الصراع الفلسطيني الصهيوني ويلغي حق العودة واللاجئين وما ارتكب في حقنا من مجازر ومذابح وإرهاب دولة.

-    يفترض قرار التقسيم ومشاريع التسوية الشاملة مسألة حسن الجوار وإدانة العنف والإرهاب ما يشير ذلك إلى وصم تاريخ العمل الفدائي والمقاومة بالعنف والإرهاب طيلة النضال الفلسطيني.

تبدأ عمليات صياغة النظم الإقليمية والنظام الدولي بين مرحلة وأخرى، فقد حدد المنتصرون في الحرب العالمية الأولى مستقبل فلسطين وتم إعلان وعد بلفور قبل مائة عام في شهر نوفمبر من عام 1917م وما تبعه من تطبيق لهذا الوعد في صك الانتداب أو سياسة الاحتلال، وعقب الحرب العالمية الثانية كان أهم نتائجها التي تخصنا قيام الأمم المتحدة قبل 70 سنة بإصدار قرار التقسيم في مثل هذا اليوم أيضا من شهر نوفمبر عام 1947م.

          لكن لماذا لم تستشر الأمم المتحدة والمؤسسات المنبثقة عنها أهل فلسطين أو تستفتيهم، رغم أنها راعية القانون الدولي وحق تقرير المصير؟ ربما كانت الإجابة عن هذا التساؤل أوضح من الشمس؛ لأنها سلفا تعرف مواقفهم، وقد سبق بيان ذلك من خلال لجنة كنج كرين 1919م التي أوضحت بجلاء رغبة أهل فلسطين في رفض المشروع الصهيوني والمطالبة بالاستقلال.

          لقد كان يعيش على أرض فلسطين مليوني نسمة كانت الأكثرية منها فلسطينية حوالي 1300000 فلسطيني وأقلية يهودية تمثل 30% من السكان رغم أن عرب فلسطين كانوا الأغلبية إلا أن الأم المتحدة قررت تقسيم فلسطين خلافا لرغبات أكثرية السكان.

          قرر قرار التقسيم 181 تخصيص 56% من فلسطين للأقلية اليهودية وهم فعلا لا يملكون سوى 7% من أرض فلسطين وأما الغالبية فقد تم لهم تخصيص 43% وواحد في المائة لقدس وبيت لحم، إذا قسم القرار فلسطين إلى ثلاث كيانات.

في هذا السياق كان الفكر السياسي الفلسطيني تجاه القضية الفلسطينية قد تشكل مبكرا وتم بناؤه عبر تجارب طويلة متراكمة، فمنذ أن تشكلت القطرية الفلسطينية وانتهى الفكر السياسي المؤطر تحت الخلافة العثمانية، وكذلك فكر الانضواء السياسي في حكومة سوريا الكبرى كون فلسطين كانت تسمى سوريا الجنوبية عقب انتهاء حكومة فيصل عام 1920م وخروجه إلى العراق، حيث بدأت الآمال تتجه نحو الدولة الفلسطينية على أرض فلسطين، وتشكلت لأجل ذلك اللجنة التنفيذية عقب المؤتمرات الوطنية منذ عام 1919م حتى 1928م لتشكل 7 مؤتمرات وترأس تلك الفترة موسى كاظم الحسيني.

          منذ تلك الفترة تبلور الفكر السياسي الفلسطيني الرامي إلى إقامة دولة على كامل فلسطين طالما أن أركان الدولة قائمة: الأرض، الشعب ، حق تقرير المصير، كما وأن الفكر السياسي الفلسطيني بني على رفض التجزئة والتقسيم، وقد عبر الفلسطينيون عن ذلك باكرا عبر رفضهم قرارات التقسيم عام 1916م بين فرنسا وبريطانيا فيما يعرف باتفاقية سايكس بيكو، إضافة إلى رفض قرار تقسيم لجنة بيل، ثم تطورت الأحداث حتى تم عرض الموضوع على هيئة الأمم المتحدة في أيار مايو من عام 1947م حيث كانت المفاجأة في هذه الجلسة عندما قام الاتحاد السوفييتي بتأييد حق اليهود في دولة.

          لقد كان الموقف الفلسطيني تجاه هذه اللجنة هو المقاطعة وفي المقابل تعاون الطرف الصهيوني مع اللجنة وساهم في تشكيل فكرة التقرير، لكن القيادة الفلسطينية تمسكت بالحق الفلسطيني وحاول الفلسطينيون إقناع العالم بعدالة قضيتهم وحقهم التاريخي في فلسطين لكنهم لم ينجحوا في ذلك مما فتح باب النكبة على مصرعيه.

          كان موقف الحزب الشيوعي الفلسطيني مختلف عن باقي القوى الفلسطينية ووافق على قرار التقسيم ولأجل ذلك تحمل المسئولية التاريخية ودفع الثمن غاليا من الأنظمة وكذلك جماهيريا.

 


الرد السريع
كاتب المشاركة :
الموضوع :
النص : *