بحث في الاستراتيجية, المفهوم و النظرية

بحث في الاستراتيجية, المفهوم و النظرية

مركز راشيل كوري/ بقلم الباحثين: عبد الحكيم وادي,نصيرة الزهوانى,عبدالله عشاش

تعتبر الإستراتيجية من أقدم المفاهيم التي عرفتها البشرية، حيث ظهرت في بداية الأمر في المجال العسكري ثم انتشر استعمال كلمة إستراتيجية حتى دخلت جميع المجالات والأنشطة الإنسانية. و قد نشأت البذور الأولية للإستراتيجية كمفهوم وكفكر وكوسيلة وكممارسة مع الصراع المسلح منذ كان في أشكاله الأولى فقد عبرت عليها أقوال القادة الصينيين، ومرورا بالعصور القديمة والوسطى. وقد بدأ مفهوم الإستراتيجية يتطور في مطلع عصر النهضة في أوروبا ليصبح جزءا من العلوم الاجتماعية يرتبط بالنظريات الاقتصادية والقانونية والسياسية، وشهد القرن 18 تطورات في الأساليب الإستراتيجية ونشأة النظريات والخيارات الإستراتيجية التي ارتبطت بالعقائد الفلسفية والاجتماعية، وقد كان القرن العشرين عهد التحولات العميقة في هذا المفهوم الذي تكون كعلم من العلوم ساهمت في بلورته كثرة الحروب وتراكم الخبرات والتجارب.
وكإشكالية رئيسة ارتأينا معالجتها والتي تظهر فيما هو مفهوم الإستراتيجية، و ما هي اهم النظريات التي اطرت هذا الحقل المعرفي المتميز و لكنه بطبيعته العامة والشاملة وجب علينا الخوض في جزئياته التي تتجلى في التعريف والنشأة والتطور التاريخي وكذا جوهر الإستراتيجية.
ولمقاربة الموضوع ارتأينا اعتماد المنهج التاريخي والوصفي وكتصميم نعتمد التقسيم التالي:
المبحث الاول : نشأة الاستراتيجية و مفهومها
المطلب الاول: الاستراتيجية: النشأة و التعريف
الفقرة الاولى:نشاة الاستراتيجية 
الفقرة الثانية : تعريف الاستراتيجية 
المطلب الثاني : المبادئ العامة للاستراتيجية و انواعها
الفقرة الاولى:المبادئ العامة للاستراتيجية 
الفقرة الثانية : انواع لاستراتيجية
المبحث الثاني : نظريات الاستراتيجية و تطورها في القرن العشرين 
المطلب الاول : نظريات الاستراتيجية
المطلب الثاني : الإستراتيجية في القرن العشرين.

خاتمة.

المبحث الاول : نشأة الاستراتيجية و مفهومها
تلجأ كل دولة عندما تجد نفسها عاجزة عن تحقيق هدفها السياسي بالوسائط التي تملكها إلي وسائل أخرى أو إلي إستراتيجية أخرى ذات هدف محدود. حيث تبرز الإستراتيجية كإجراء ذو أهمية قصوى سنحاول إبرازها من خلال الحديث عن النشأة والتطور التاريخي وكذلك مختلف التعريفات التي طالت الإستراتيجية نظرا لان مصطلح الإستراتيجية أصبح واسعاً سعة العلوم والحضارة والحياة. وسعة الأرض وما حولها سواء في السلم أو الحرب أو ما بينهما

المطلب الاول: الاستراتيجية: النشأة و التعريف
الفقرة الاولى:نشاة الاستراتيجية 
انبثق مفهوم الاستراتيجية من الفكر العسكري بفعل ارتباطه مدة طويلة بالانتصارات او الأخفاقات
العسكرية البحتة التي تحدث في ساحة المعركة .وبأستمرار التطور الانساني وتنامي القدرات البشرية والمادية تحققت فائدة مهمة من هذا المفهوم في المجال السياسي – الاجتماعي خاصة 
و قد ظهرت كلمة strategema في الربع الثاني من القرن السادس قبل الميلاد، ولكنها ستوجد ولمرة واحد عند Xénophon ،أما تعريفها الحقيقي سيأتي فيما بعد على يد الحكيم المسيحي Clément Alexandrie في القرن الثاني قبل الميلاد. وتقريبا في نفس العصر ستظهر كلمة strategika على يد Demetrois de Phalère. المصطلحان مرادفان لكلمات أخرى، من غير أن يشير المعنى إلى الخداع و الحيلة،ولكن رغم ذلك يبقى المعنى الأكثر تداولا وقتها هو ما يشير إلى الحيلة و الوسيلة والخداع. لكن المصطلحين السابقين لا نجدهما لا عند "هيرودوت" و لا عند " ثوسيدس". ابتداء من مؤرخي القرن الأول قبل الميلاد كلمة strategema ترتبط بفكرة الحيلة والوسيلة والخداع في المعركة، بينما كلمة strategika سيكون معناها مرتبط بوظيفة ومكتب "الجنرال". أما الفعل strategeo سيحصل على معنى أكثر دقة، فعند Onosander سيعني تماما " ناور" من المناورة.
ويقدم المنظرون الإستراتيجيون البيزنطيون،والذين سيبقون ناشطين حتى القرن الخامس بعد الميلاد strategos أو stratège ليكون " الاسم الذي نعطيه لمن يكون في المكان الأول في الجيش،والذي يكون رئيسه". أما الكاتب Syrianos سيعرف أحد فصول دراسته في القرن السادس الميلادي تحت عنوانPeri strategikes أو الإستراتيجية . بعد سيعرف مصطلح الإستراتيجية الكثير من التراجع في العصر الهيليني، وسيصبح الإستراتيجي هو قائد ضمن الإقليم،قبل أن يترك المكان بمعنى آخر وهو " الدوق". مع ذلك مصطلح الإستراتيجية بقي له بعض الاهتمام، حيث مع مصطلح " التكتيك" Taktika سيساعد لعودة بعض الروح للفن العسكري.


الفقرة الثانية : تعريف الاستراتيجية: 
يعد مصطلح الاستراتيجية من اكثر المصطلحات الشائعة والمتداولة . الا ان الكثير ممن تداولوا هذه الكلمة كانوا يجهلون معناها الحقيقي. فاشتقت كلمة استراتيجية من اصلاا من الكلمة اليونانية (Strategos) ومعناها الحرفي/ قائد، وكانت تعني ايضا فن قيادة القوات وعرفت لمدة طويلة من الزمن على انها فن كبار القادة العسكريين ثم انتقلت معرفتها من جيل الى اخر بحدود ضيقة . وبما ان القائد العسكري كان في الغالب الامبراطور او الملك ، تباين مفهوم الاستراتيجية لدى كل قائد او مفكر تبعا لتباين التكوين الفلسفي والفكري لكل منهم فكان فن قيادة القوات العسكرية هو المعنى الذي انسجم مع مفهوم الاستراتيجية في العصور القديمة ويعود تاريخ الاستراتيجية الى كتابات المفكر الصيني سان تزو -الذي ارشد القادة العسكريين من خلال كتابه فن الحرب الى التخطيط في الحرب من اجل النصر ، وقد صاغ رأيه في الاستراتيجية بعبارة ذات دلالات هي ''تظاهر في الشرق واضرب في الغرب''. وعرف كارل فون كلاوزفيتز الاستراتيجية بأنها استخدام الاشتباك وسيلة للوصول الى هدف الحرب
وقد أصبح من الصعب تقديم تعريف شامل للإستراتيجية لأن الدلالات والمعطيات الظرفية متغيرة حسب المستجدات السياسية والعسكرية والاقتصادية في العالم وما تحكمه ساحة الصراع، ويشير أحد تعاريف الإستراتيجية أنها ((علم وفن توظيف القوى السياسية، والاقتصادية، والنفسية، وكذلك قوات الدولة العسكرية، أو مجموعة الدول لتقديم أقصى دعم للسياسات المتبناة أو المتخذة سواء في السلم أم في الحرب)))[3](ويشير تعريف آخر لها بانها (فن استخدام القوة للوصول إلى أهداف السياسة))[4](. 
وفي ما يلي تعريف الإستراتيجية لمفكرين سياسيين وعسكريين من المدرستين الغربية والشرقية وكذلك لمفكرين عرب .
المدرسة الغربية :
1-
كلاوزفيتز : يعرف الإستراتيجية بأنها فن إستخدام الأشتباك من أجل هدف الحرب .(1)
2-
ليتريه: هي فن إعداد خطة الحرب وتوجيه الجيش في المناطق الحاسمة والتعرف على النقاط التي يجب تحشيد أكبر عدد من القطعات فيها لضمان النجاح في المعارك .(3)
3-
فون درغولتز : هي التدابير الواسعة التي تستخدم في تحريك القوات الى الجهة الحاسمة في أكثر الظروف ملائمة ويمكن أن يسمى علم القيادة .(6)
4-
ليدل هارت: هي فن توزيع واستخدام مختلف الوسائط العسكرية لتحقيق هدف السياسة(8) وسرعان ما أدرك ليدل هارت بأن تعريفه هذا لم يحط بجميع المفاهيم المتزايدة بأستمرار في عددها وحجمها ، لذلك يرى الجنرال بيرغالوا أن ليدل هارت أضاف أخيراً الى تعريفه السابق (أن التعبية هي التطبيق العملي للإستراتيجية في مستوياتها الدنيا ، وإن الإستراتيجية هي التطبيق العملي للإستراتيجية العامة في مستوى أدنى ).(9)
5-
ريمون أرون : هي قيادة وتوجيه مجمل العمليات العسكرية ، أما الدبلوماسية فهي توجيه العلاقات مع الدول الأخرى على أن تكون الإستراتيجية والدبلوماسية تابعتين للسياسة .(10)
6-
أما المفهوم الأمريكي: فقد عرف دليل ضباط أركان القوات المسلحة الأمريكية لعام 1959 الإستراتيجية بأنها (فن وعلم إستخدام القوات المسلحة للدولة لغرض تحقيق أهداف السياسة العامة عن طريق إستخدام القوة أو التهديد بإستخدامها .(14)

وبعد أن إستعرضنا جملة من التعاريف الغربية للإستراتيجية سنتناول الآن تعاريف لمفكرين عن المدرسة الشرقية :
1-
لينين : الإستراتيجية الصحيحة هي التي تتضمن تأخير العمليات الى الوقت الذي يسمح فيه الإنهيار المعنوي للخصم للضربة المميتة بأن تكون سهلة وممكنة.(15)
2-
ماوتسي تونك : هي دراسة قوانين الوضع الكلي للحرب .(16)
3-
كوزلوف : هي عملية خلق الوسائل العسكرية التي تمكن السياسة من الحصول على أهداف .(17)

و من المدرسة العربية نعرض لتعريف كل من :
1-
المدرسة المصرية : تعرف الإستراتيجية على أنها أعلى مجال في فن الحرب وتدرس طبيعة وتخطيط وإعداد وإدارة الصراع المسلح وهي أسلوب علمي نظري وعملي يبحث في مسائل إعداد القوات المسلحة للدولة واستخدامها في الحرب معتمداً على أسس السياسة العسكرية كما انها تشمل نشاط القيادة العسكرية العليا بهدف تحقيق المهام الإستراتيجية للصراع المسلح لهزيمة العدو .(20)
2-
المدرسة العراقية : تعرفها على أنها فن اعداد وتوزيع القوات المسلحة واستخدامها أو التهديد باستخدامها ضمن أطار الإستراتيجية العامة لتحقيق أهداف السياسة .(21)

و من خلال ما سبق يمكن تحديد مفهوم الإستراتيجية المعاصرة في أربعة عناصر :1_ انه يرتبط بأمن الدولة والمجتمع ، 2- ويعني بتعبات موارد المجتمع وتنظيمها وتوجيهها ،3_ وهو متغير ومتطور بتغير الظروف و الموارد والخيارات المتاحة،4_ ويتضمن في ثناياه عدد من الإستراتيجية المتخصصة التي تترابط وتتكامل فيما بينها لتحقق، كلاً في مجالها، أغراض الإستراتيجية العامة، وصولاً إلي الأغراض التي حددتها السياسة .وتميزت الإستراتيجية المعاصرة بتلاؤمها مع تغير طبيعة الحرب في اثر دخول الأسلحة النووية و الصاروخية في ميدان الصراع المسلح، وهو ما أدي إلي ظهور تغيرات جذرية في طرائق الحرب وفي تحديد الأغراض الإستراتيجية .

المطلب الثاني : المبادئ العامة للاستراتيجية و انواعها
الفقرة الاولى:المبادئ العامة للاستراتيجية 
في الواقع،إن مبادئ الإستراتيجية لا يمكن تجاهلها لا على المستوى الاستراتيجي ولا على المستوى التكتيكي في الحرب أو في غيرها. فالمبادئ الإستراتيجية هي قواعد عامة تهدف للوقاية من مفاجآت العدو والتأكد من التفوق عليه في أية خطوة نختارها في التعامل معه. إن التاريخ يبين أن وضع مبادئ للإستراتيجية ثم التقيد فيها في عملية صناعة القرار هي من أكبر الصعوبات التي واجهت عمل الإستراتيجيين في زمن الحرب و السلم. وعمليا هذا ما دفع العديد منهم للقول بأن تطبيق مبادئ محددة للإستراتيجية يختلف كثيرا عن صياغتها أو وضعها،حيث أنه من المستحيل التقيد الصارم بهذه المبادئ. 
إذا، هل يمكن وضع قواعد دائمة يمكنها قيادتنا لاسيما أثناء الحروب؟ إن البحث عن مبادئ إستراتيجية بدأ بشكل عملي منذ بداية تبلور الفكر العسكري الحديث. في بداية القرن السادس عشر كان ميكيافلي قد أعلن ذلك مسبقا :" لا يوجد علم لديه مبادئه العامة التي هي قاعدة لمختلف العمليات أو الممارسات التي نقوم بها".( من كتاب فن الحرب،ميكيافلي،مرجع سابق، الصفحة 188). هذا البحث عن المبادئ طُرح بشكل واضح من قبل المارشال Marmont:" نحن نكتشف مبدأ ثم نبحث فيما بعد عن أفضل وسيلة للوصول إليه أو تطبيقه.المبادئ تكون معروفة، لكن العبقرية في تطبيقها وهنا يكمن فن الحرب" .

إن جميع التأكيدات حول عالمية المبادئ تصطدم بمسألة تتعلق بشكل مباشر بهذه المبادئ وهي تنوعها وتحولاتها الدائمة. فالمبادئ في علم الإستراتيجية تتغير من كاتب إلى آخر،وما هو أساسي عند هذا الكاتب ربما يكون هامشيا عند غيره. وهذا ما دفع العديد من المتخصصين للقول وهم يحاولون إيجاد حل لتحولات وتغيرات المبادئ،بأن المهم ليس إيجاد المبادئ ولكن المهم هو البحث عنها
و تلازما مع ذلك فان وضع أسس ثابتة للإستراتيجية يتناقض مع طبيعة الحرب نفسها. فالحرب عمل متبدل ومتطور تتداخل فيه عوامل كثيرة فتغير من طبيعته ومقوماته ونتائجه، وليس ثمة إمكانية للوصول إلى قواعد حسابية ثابتة تحكم تلك العوامل، وتصلح لكل الحالات. 
وعلى الرغم من ذلك حاول المنظرون الإستراتيجيون صياغة أسس وقواعد عامة للإستراتيجية، سميت بمبادئ الإستراتيجية، ويمثل مجموعها مختلف العصور والمدارس والعقليات التي صاغتها، ويمكن دمج هذه المجموعة فيما يلي: التعبئة، المناورة، السرعة، الحركة، تجميع القوى، حرية العمل، مطابقة الهدف مع الإمكانات، عدم إضاعة الهدف، متابعة الجهد، اختيار الموقع الأقل توقعا، استثمار موقع المقاومة الأضعف، إجبار الخصم على التبعثر بالتقرب غير المباشر، المفاجأة، تلاحم الجيش والشعب، الإعداد النفسي والحرب النفسية، الردع، اختيار مكان الضربة الرئيسية في المكان الحاسم، تحقيق تفوق القوى في المكان المحدد، تأمين الاحتياط الاستراتيجي للحفاظ على حرية العمل، الاقتصاد بالقوى الرد التدريجي، الرد المرن، وغيرها.
ويمكن القول إن هذه المبادئ على الرغم من تباينها ، صحيحة بصورة عامة، على أساس أن صحتها نسبية، وتتعلق بموقف معين، أو حالة معينة، ويمكن القول إن كلا من هذه المبادئ ينطبق على نموذج معين أو أكثر من النماذج الإستراتيجية، ولكن لا يجوز أخذها كأسس وقواعد مطلقة. 
الفقرة الثانية : انواع لاستراتيجية
في هذا الاطار و بالنظر لتنوع الاستراتيجيات المختلفة والمتبعة على مستويات عدة سوف نقتصر على نوعين من الإستراتيجية وهي الإستراتيجية المباشرة في فقرة أول والإستراتيجية غير المباشرة في فقرة ثانية.
الإستراتيجية المباشرة:
هي النموذج الحربي الذي يتسم بإرادة القضاء على الخصم بسرعة بواسطة المعركة وبهجوم يستهدف القضاء على ترتيبه الهجومي أو الدفاعي ومن حرب 1870 إلى الحرب الروسية اليابانية، كانت معظم الاستراتيجيات إستراتيجيات مباشرة ولم تكن حاسمة في الكثير منها . وهو ما برز خلال الحرب العالمية الأولى التي أستخدم فيها الهجوم المباشر المدعوم بالمدفعية والتي بينت إمكانية اختراق العدو عند ضعف معنوياته وخرج معظم النقاد العسكريين بدرس قديم وهو أن هدف الحرب الحقيقي هو روح قادة الأعداء لا أجساد جنودهم وهكذا تبين ضعف الإستراتيجية المباشرة أو كلفة الأٌقدام عليها كما تنطوي عليه من مجازفة في ظل غياب معطيات أكيدة مما جعل العديد من القادة العسكريين عبر التاريخ يلجأون إلى الإستراتيجية غير المباشرة لأنها حققت مكاسب مهمة .
الإستراتيجية غير المباشرة:
إن التاريخ القديم والحديث حافل بأمثلة الإستراتيجية غير المباشرة وقد عرفت أنها نموذج يلعب فيه الطموح والصبر دورين أساسيين وأن من الواجب تفتيت الخصم ماديا ومعنويا وإزعاجه وزعزعة توازنه والاقتراب منه من اتجاهات لا يتوقعها قبل الإجهاز عليه إجهازا تاما.
كما حلل " ليدل هارت" في كتابه الإستراتيجية وتاريخها في العالم كل المعارك الحاسمة في التاريخ التي كسبت عبر الإستراتيجية غير المباشرة سواء في الحروب اليونانية أو البيزنطية، ويقسم هارت الهجوم الاستراتيجي إلى نوعين مادي ومعنوي فالأول سيستهدف القوات المعادية والثاني مركز تفكير هذه القوات. ويتمثل في أربعة أمور :
1-
احتلال موضع2- تجاوز الحصون3- الاعتماد على العوامل النفسية أكثر من الإدارية4- خلق ثغرة في نقطة أشبه أن تكون مفصلا حساسا.
ويقال أن الشيوعيين من أكثر الناس تطبيقا لمنهج الإستراتيجية غير المباشرة في ظروف الصراعات الدولية التي يخوضونها ضد خصومهم. 
كما أن المدخل غير المباشر في إدارة الصراعات الدولية يمثل أفضل إستراتيجية للحركات العسكرية أو الثورية التي قد لا تتكافأ في الإمكانيات مع قوة معادية وأن السبب في نجاح الشيوعيين أكثر في غيرهم مرده إلى تصوراتهم الأكثر شمولا عن الصراع ومعرفتهم الوثيقة بالعدو وإلمامهم بالمبدأ الاستراتيجي المتحكم في أنماط تفكير وسلوك العدو. 
إن الإستراتيجية غير المباشرة إستراتيجية بالغة التعقيد ورهيبة الفعالية وتتميز بصفات ماكرة مخادعة لأنها أصلا غير مباشرة.
وتكمن هذه الإستراتيجية في حرية العمل التي تتيحها على حد تعبير الجنرال "أندريه بوفر".
وهكذا تقلص استخدام هامش حرية العمل في العصر الذري ويرتبط بالخوف من الدمار المتبادل ومن الانتحار بطريقة " الهاراكيري" نظرا للعوامل الآتية.
1-
قيمة الردع النووي
2-
ردود الفعل الدولية
3-
الإمكانات المعنوية للخصم واحتمالات خضوعه للضغوط الدولية. 
إن من نماذج الإستراتيجية غير المباشرة هي إبقاء العدو في حالة نشاط متواصل بشكل تهدد فيه أهدافه الحيوية ونقاطه الضعيفة، إذ للقيم المعنوية في كل صراع أهمية أساسية، غير أنه ليس الوحيد لأن العامل المعنوي والمادي مترابطان وهو ما تسميه وجهة النظر الروسية " العامل المعنوي السياسي" عبر تضافر جهود الدولة والشعب وقدرة الدولة على التنظيم المادي والسياسي كي تحافظ على ارتفاع الروح المعنوية للجيش والشعب. 
المبحث الثاني : نظريات الاستراتيجية و تطورها في القرن العشرين 
يمكن أن تكون الإستراتيجية "فن" كما هي علم وذلك أثناء تطبيقها وممارستها عمليا ،وبشكل دقيق ، هناك تمييز مثلا في المجال العسكري بين النظرية العسكرية و العمل العسكري:"كل قطاع،وكل مستوى في الحقل العسكري له هذين الجانبين،النظري والعملي".إن كل نشاط أو فعل يكون مقادا من خلال القوانين،و المبادئ و الطرائق، وهذا الفعل أو النشاط يقام أولا من خلال النظرية. ثم يأتي الفعل والممارسة ليزيد من غنى النظري 
و في اطار هذا المبحث سنحاول التطرق الى مختلف النظريات التي اطرت ميدان الفكر الاستراتيجي قبل ان نتطرق الى تطور الاستراتيجية خلال القرن العشرين

المطلب الاول : نظريات الاستراتيجية
و في اطار هذا المبحث سنحاول التعرض لمختلف النظريات التي عرفها ميدان الاستراتيجية بدءا من نظرية المباريات و نظرية الردع قبل ان نتطرق لنظرية الاحتواء فنظرية الانتقام الشامل.

1- نظرية المباريات :Game Theory

تعتبر نظرية المباريات من الناحية التحليلية شكلا من أشكال نظرية اتخاذ القرار لأنها تقوم بدراسة و تحليل تصرفات صناع القرار من حالات الصراع المختلفة أو بعبارة أخرى تصف الكيفية التي يتصرف بها الناس العقلانيون .rational people لانتهاج الخيارات الرشيدة عن المواقف الصراعية و التي تحقق لهم اكبر قدر ممكن من القيم او المكاسب و تجنبهم الخسائر بقدر الامكان او على الأقل تقليص إلى اقل حد ممكن 19 بمعنى اخر فهي تركز على التعامل مع صراعات المصالح كما لو كانت مباريات في الاستراتيجية و كانت هذه النظرية قد عرفت في 1944 م من طرف اوسكار مور و جوننورمان في كيتابيهما نظرية المباريات و السلوك الاقتصادي إلا إنها بعد ذلك اثبتت صلاحيتها في المجال السياسي خاصة فيما يتعلق بالاستراتيجية و التخطيط للدفاعية و اتخاذ القرارات السياسية الخارجية .(20) و قد جاء بعد ذلك عدد من المفكرين أمثال هنري كاهن برنارد برودي هنري كسنجر رونالد برييان حيث طوعوا هذه النظرية للاستخدام في الصراعات السياسية بصفة عامة و في مشكلات الحرب و السلام بصفة خاصة .(21)و نظرية المباريات في ابسط معانيها دراسة الاستراتيجيات التي يتبناها الأطراف في مواقف النزاع و قد عرفها مارتن شوبيك طريقة لدراسة صناعة القرار في حالة الصراع و تقوم فكرتها العامة على أن 
الصراعات تنقسم الى فئتين :
*
صراعات تنافسية compétitive صراعات غير تنافسية non compétitive 
بالنسبة للحالة الأولى فإن الصراعات التي تكون مصالح أطرافها متعارضة أو غير قابلة للتوفيق ( التنافسية ) يمثل الكسب لاحديهما و في نفس الوقت خسارة للطرف الآخر بالمقياس نفسه كما ان النصر المحقق الذي يعقبه خسارة تكون محصلته 0 و يطلق على هذا الموقف الصراعيzero-sum game
أما الصراعات غير التنافسية فان مصالح أطرافها لا تكون متعارضة بنفس الصورة السابقة و انما تتداخل الى حد يسمح بالمساومة و تقديم تنازلات المتبادلة للوصول في النهاية الى نقطة اتفاق وسط مما يساعد على التحول من وضع الصراع إلى وضع التعاون
كما ان مصلحة هذه المساومات لا تكون صفرا و يطلق عليها Non Zéro Sum Game
و طبق لمنطق نظرية المباريات يكون كل طرف في الصراع حرا في اختيار السلوك الذي يتصور انه قادر على ان يصل به الى الانتصار (22)

2- نظرية الردع (توازن الرعب النووي) :Restraint Theiry
الردع بمفهومه العام هو توافر القدرة التي تتيح إرغام الخصم من القيام بأعمال عدوانية و يعني إحباط الأهداف التي يتوخاها من ورائه تحت التهديد بإلحاق أضرار جسيمة به تفوق المزايا المتوقعة من وراء الأقدام على مثل هذه التصرفات ، و الردع في نظر الكثير من الباحثين يعتبر بمثابة المحصلة النهائية للتفاعل في العديد من العوامل و المتغيرات العسكرية و السياسية و الدعائية التي تضع الخصم في حالة نفسية يحجم معها عن تقبل المخاطرة و من ثمة فإن الردع الفعال هو المتعدد العناصر و الاشكال .
و هناك ثلاث عناصر رئيسية تشكل في مجموعها ما يمكن ان يعطي للردع فعالية و قابلية للتصديق و بالتالي تدعيمه

1 – توافر المقدرة على الثأر : من خلال الدعاية لهذه المقدرة لتأكيد فعاليتها للطرف الأخر كما يستطيع الكشف عن تفاصيل هذه القوة أو كشف النقاب عن أمور معينة تفيد الطرف الأخر بشكل مباشر أو غير مباشر في بناء تصور عنه ولان الردع لا يجوز أن يبقى سرا فهو يحتاج لنقل بعض المعلومات للطرف الآخر شريطة أن لا تخدم الخصم .
2 –
التصميم على استعمال هذه القدرة الثأرية في ظروف معينة بعيدا عن أي استعداد للمساومة أو التخاذل أو التراجع ذلك انه إذا أحس الطرف الثاني باستعداد الطرف الرادع للتراجع أو المساومة فانه يعتمد إلى ممارسة بعض الضغوطات و التصرفات التي لن تكون في مصلحة الرادع و من هنا يكون تأثير الردع ضعيف .
و هناك من الدول من تمتلك القدرة الثأرية لكنها تفتقر إلى التصميم في استخدامها نتيجة إيمانها بان الاذعان و التراجع للخصم اقل خسارة من المخاطرة في حرب انتحارية، إضافة إلى ضغط الحركات و التجمعات الوطنية المنادية لعدم استخدام الأسلحة النووية و عدم حل الصراعات بوسيلة الحرب المسلحة ( المواجهة المباشرة ) و هذا العنصر يمكن تطبيقه على علاقات الإتحاد السوفياتي و الولايات المتحدة الأمريكية خاص من جانب USSR الذي لجأ إلى المساومة للحصول على اتفاقيات الحد من التسلح .
قوة المقدرة الثأرية بحيث يكون باستطاعتها إلحاق الضرر بالخصم بدرجة تفوق ما قد يتوقعه من مزايا نتيجة لمبادلته بالضربة الأولى حيث أن رد الفعل هذا سيكون ساحقا بدرجة غير محتملة و هذا ما يسمى بالقدرة على التدمير بالضربة الثانية.(25) أن الردع لم يصل إلى مستوى استخدام القوة و إنما يركز على أساس حشد عناصر القوة و التلويح أو التهديد بها لذلك هناك من يرى ان الردع هو تهديد جدير بالتصديق في تنفيذه .(26) و قد اخذ الردع أهميته في إطار وجود السلاح النووي و هو ما يعرف الردع النووي أو توازن الرعب النووي balance of nuclear teror في ظل التطور الملحوظ كما و كيفا مع استبدال القنبلة الذرية إلى القنبلة النووية ، القاذفات الاستراتيجية و الصواريخ العابرة للقارات و الغواصات النووية .(27) ظهور هذه الاستراتيجية و تطبيقها كان مرتبط بتطوير الأسلحة النووية و وفقا لوجهة نظر الإستراتيجيين السياسيين الغربيين ، كان الموقف في نهاية الحرب العالمية الثانية جديد فالمفهوم الذي تبناه الشيوعيون ( المعسكر الشرقي ) شكل هام من أشكال التحدي و في ذلك الوقت كانت التقنية(التكنولوجية) العسكرية قد دخلت في الوقت ذاته المرحلة النووية و لم تكن واضحة مما أكدت الحاجة على إيجاد إستراتيجية للغرب و لم يلبث أن ظهرت إستراتيجية الردع restraint stratigy .(28)
لقد احتلت هذه الاستراتيجية مكانها البارزة و تعرضت منذ ظهورها في نهاية الحرب العالمية الثانية و حتى هذا التاريخ إلى تغيرات جذرية نظرا للتحولات السياسية و العسكرية التي طرأت على علاقات الدول خاصة الولايات المتحدة الأمريكية و الاتحاد السوفيتي .

3- نظرية الاحتواء : theory of containment 1945 – 1953

تعد هذه النظرية من النظريات الأولى لإستراتيجية الأمريكية في عالم ما بعد الحرب العالمية الثانية و قد أسسها و بلورها جورج كنان الدبلوماسي الأمريكي المتخصص في الشؤون السوفيتية و نفذتها حكومة الرئيس هاري ترومان .(29) و تعني في نظر صاحبها التعهد الشامل لمقاومة الشيوعية انى وجدت و يراها العالم الاشتراكي مخططا لسيطرة العالمية أعدته الامبريالية الأمريكية و تفويضا من النظام الذي انبثق عن الحرب العالمية الثانية الذي يقوم على توازن في العالمية الرأسمالي و الاشتراكي و نبذهما للحرب و تأكيدهما على مبادئ التعايش السلمي و جاء تعبير الاحتواء لأول مرة في مقالة كتبها جورج كيان في مقالة نشرت في مجلة الشؤون الخارجية forign afairs لسنة 1947 و جاءت في وقت حل التوتر عن العلاقات الأمريكية / السوفيتية محل التحالف فكانت الحاجة لإعادة تقويم السياسية التي يجب على الولايات المتحدة الأمريكية إتباعها إزاء الاتحاد السوفيتي سابقا .
كما ارتبطت سياسة الاحتواء بالتطورات الجذرية التي حدثت في موازين القوى الدولية نتيجة الهزيمة التي ألحقت بالنازيين و حدة مزاج السياسي في أوروبا و هو ما سمح للتنظيمات النوعية بالتواجد بين مختلف دول المجتمع الدولي و فرض روسيا الشمالية سيطرتها المباشرة على تلك الدول بوسائل القوة المسلحة من شرق أوروبا كما دفعت هذه المخاوف الكثيرة من دول أوروبا إلى الاعتماد على الولايات المتحدة الأمريكية التي تمتعت باحتكار الأسلحة النووية آنذاك و محاربة المخططات التوسعية الجديدة للاتحاد السوفيتي في القارة الأوروبية .(30)
و تمثل الإطار النظري لسياسة الاحتواء على اجراء تحليل شامل للأهداف الاستراتيجية السوفيتية و تحليل الطرق التي من خلالها ينظر الإتحاد السوفيتي للغرب الذين يعتبرونه العائق الرئيسي في وجه الشيوعية حيث يقول كنان : ان الاستراتيجية السوفيتية كانت في حالة جس النبض دائم و في مختلف الاتجاهات للحلقات الضعيفة مركز الغرب أو تلك التي كانت تشكل نزاعات قوى يمكن النفاذ منها و استخدامها كنقطة وثوب نحو إحداث التغيرات تتواءم و الأهداف البعيدة المدى لهذه الاستراتيجية و يضيف أن هذه الاستراتيجة كانت مرنة و لم تكن مقيدة بوقت محدد لبلوغ أهدافها و لم يكن لها تقييد في الوسائل التي يجب استعمالها لتحقيق الاهداف. (31)
و قد عزى كينان أسباب عداء الإتحاد السوفيتي للغرب عامة و للولايات المتحدة الأمريكية خاصة على الأخص إلى ما كان يراود زعماء الكرملين من حسن دفين و متأصل بافتقار الأمن على وطنهم من العالم الخارجي الذي نشأ من افتقاد الحواجز الجغرافية المنيعة التي تصون سلامة الروس الإقليمية فضلا عن الغزوات المتكررة التي مرت بها بلادهم مما جعل هدفهم الحقيقي عن رأيه توسيع النفوذ السوفيتي وراء الحدود .
لذلك استنتج أن نزعه السوفيت أسهل معالجة مما كانت عليه مطامع نابليون أو هتلر لأن هذه النزعة لا ترتبط بتوقيت معين أو برامج منظمة لذلك أكد على احتواء هذه النزعة بسياسة طويلة الأمد بقوله إن الضغوط السوفيتية على المؤسسات الغربية الحرب هي ظاهرة يمكن احتوائها بإيجاد قوة معاكسة في سلسلة من المواقع الجغرافية و المواطن السياسية تتحول و تنتقل باستمرار تبعا لمتغيرات السياسية السوفيتية و مناورتها .
و اعتبروا أن الاحتواء الإتحاد السوفييتي كان من الممكن أن يضيف أمرين : 
1 –
مقاومة التوسع السوفيتي و الحيلولة دون امتداده ليستقطب دول جديدة .
2 –
تحت الضغط الغربي سيضطر الشيوعيون التخلي عن استراتيجياتهم التوسعية .
و يضيف الرئيس ترومان عنصرا آخر إلى سياسة الاحتواء هو التبرير الإيديولوجي فيما ركز كنان على فعالية القوة بالقوة.
و اعتبر ترومان أن هذه السياسة ضرورة أساسية للدفاع عن الحرية و الديمقراطية ضد محاولات التسلل الشيوعي الذي لا يهدد امن الولايات المتحدة الأمريكية فقط و إنما يتعداها إلى كل القيم الأساسية التي تدين بها .(32)
و قد اعتمدت سياسة الاحتواء عن تحقيق أهدافها التدميرية لإتحاد السوفيتي أربع افتراضات و استراتيجيات :
أ- الحرب الشاملة في حال هجوم على الولايات المتحدة أو أوروبا الغربية
ب- التفوق الجوي و مقدرته التدميرية تفوق تنفيذ أي استراتيجيه هجومية للاتحاد السوفيتي
ج – افتراض عدم المخاطرة باستعمال القوة .
د – الاقتصار من جانب الاعتماد على فرع واحد من فروع القوات المسلحة. (33)
وبقيت فكرة استخدام القوة مرتبطة في أذهان الولايات المتحدة الأمريكية بالحرب الشاملة سواء للدفاع عن أوروبا الهجوم الشيوعي و للدفاع عن الولايات المتحدة الأمريكية من الهجوم المباشر و قد اتخذ التطبيق الفعلي لسياسة الاحتواء الكثير من الأحلاف و القواعد العسكرية في كل مكان و خلق الحلف الأطلسي الذي يعتبر القوة الضاربة و الرادعة للاتحاد السوفيتي أما في آسيا بدأ تطبيق سياسة الاحتواء بعد سلسلة من مواثيق التحالف و ترتيبات الأمن الإقليمي و قد ظهر ذلك جليا بعد الحصار الذي فرضته الاتحاد السوفيتي على برلين و الانقلاب الشيوعي في تشيكوسلوفاكيا و الغزو الشيوعي لكوريا علما أن الولايات المتحدة الأمريكية سبق لها و أن أقامت ميثاق تبادل مع اليابان و كوريا الشمالية في 1953 و تعهدوا بالدفاع عن أي هجوم يقع من طرف الشيوعية و قام حلف جنوب شرق آسيا 1959 و حلف بغداد في الشرق الأوسط
و عموما تعتبر هذه الأحلاف بمثابة تطويق و احتواء للمد الشيوعي إضافة إلى أن مشروع مارشال كان في إطار سياسة الاحتواء ، وما المشاريع السوفييتية إلا كردود أفعال لهذه السياسة
*
مشروع مارشال ← منظمة الكوميكون
*
حلف الأطلسي ← حلف وارسو (34)
نقد نظرية الاحتواء :
من اكثر الانتقادات التي تعرضت لها نظرية كنان كانت نتيجة إلى
-
قصورها بعد إفلاح صنع القنبلة النووية الذرية 1949 و الهدروجينية 1953 و مما انشأ في العالم وضع جديد من التوازن أصبح ينتفي معه إمكان وقوع حرب نووية تدمر الجميع على السواء و هي بذلك لم تعد كافية لمعالجة الموقف الجديد .
نظرية لم توضح ما إذا كانت جذور السلوك السوفييتي إيديولوجية أو قومية و لم تفرق بين مبادئ الشيوعية الدولية و النزعات التوسعية السوفيتية ذلك أن الجيش الأحمر و ليس إيديولوجية ماركس هي التي مكنت روسيا من التوسع وراء حدودها و قد اعتبرت عنصرا في تكوين الخلفية السياسية السوفيتية .
-
قضت على إمكانية تسوية الخلافات بين العملاقين عن طريق المفاوضة .
-
تعتبر المسؤولة عن انقسام إلى معسكرين و ألمانيا إلى دولتين و إنشاء أحلاف متخاصمة و حلول الحرب الباردة محل التعاون .
-
سوء تفسيرها من طرف السياسيين و صناع القرار أدى إلى تورط الولايات المتحدة في حرب الفيتنام حيث افقدها هذا العمل المصداقية في تصرفاتها على اعتبار أنها حاملة لواء الأمن و السلم الدولي .(35)
يبدوا ان سياسة الاحتواء قد فقدت معظم مصوغاتها الأساسية خاصة مطلع التسعينيات من القرن العشرين بعد التطورات المهمة التي حدثت في أوروبا الشرقية و في الاتحاد السوفيتي و توحيد ألمانيا و انفراط عقد حلف وارسو وتغيير معظم هذه الدول موقفها من الإيديولوجية الشيوعية و السوفييتية و تفكك الاتحاد السوفيتي و غياب قوته .
على هذا الوضع دفع الإدارة الأمريكية إلى إعادة النظر في أسس و مفاهيم استراتيجياتهم المعتمدة و هي إستراتيجية الرد الشامل أو الانتقام الشامل .

4- نظرية الانتقام الشامل : Massive Retaliation

هي نظرية بلورها جون فوستر دلاس ووزير خارجية الولايات المتحدة المريكية في الخمسينات و التي اعتقد أنها ستكون بمثابة التصحيح لكل الأخطاء و نقاط الضعف التي أسفر عنها تطبيق سياسة الاحتواء ضد الإتحاد السوفييتي في مرحلة التالية على انتهاء الحرب المباشرة .
و تقوم هذه النظرية على أن الطريقة الوحيدة لردع أي معتد هي أن يقنعه مقدما بان أعماله العدوانية ستجلب عليه انتقاما مروعا يجعله يخسر أكثر مما يكسب و من ثمة فان الهدف من تطبيق إستراتيجية الانتقام الشامل لن تقتصر على مجرد محاصرة الكتلة الشيوعية و تطويقها ( كما كان الهدف من سياسة الاحتواء ) و إنما كان يتجاوز ذلك إلى العمل على تحرير هذه الكتلة و تدميرها ، و هدفها هو حمل الخصم على الاستسلام و فرض إرادة النصر عليه .
و قد اخذت الاهتمام من طرف الرأي العام الأمريكي الذي رفض مبدأ الحرب المحدودة في مقابل تأكيد المبدأ الأمريكي الامتناع عن حرب أو الدخول في حرب شاملة و كان ذلك ناتجا من تجربة الحرب الكورية ( 1950 – 1953 ) الفاشلة (36)
و قد قامت هذه النظرية على ثلاث مقومات:
1 –
تخفيض للقوات البرية الأمريكية و تقليص حجم الانفاق العسكري
2 –
بناء جدار عازل للكتلة الشرقية عن طريق الأحلاف – حلف بغداد وحلف جنوب شرق آسيا
3 –
أي محاولة لانتهاك الشيوعيين( الإتحاد السوفييتي) لخط التقسيم الفاصل بين الكتلتين يشكل مبررا كافيا لدخول الولايات المتحدة في حرب شاملة ضدها .(37)
لقد تعرضت نظرية الانتقام الشامل لأول اختبار عنيف لها أثناء حرب الهند الصينية 1954 و هو الاختبار الذي ثبت بعده أن التهديدات الأمريكية باللجوء إلى شن حرب شاملة بالأسلحة النووية لم تكن إلا من قبيل التهويش لذا فقدت قابليتها للتصديق كما أنها برهنت عدم قابليتها للحركة و التصرف في مواجهة الحروب المحدودة و النزاعات المحلية و أنها بالتجائها إلى التهديد بالحرب أذعرت حلفاء أمريكا حين أخفقت في إرهاب أعدائها و انتهت إلى حالة يرثى لها .(38)
كما لم يحظ بالنجاح نتيجة إطلاق السوفيت لأول صاروخ 1357 يحمل قمرا اصطناعيا ( سبوتنيك ) إلى مدار حول الأرض مما اعتبرته القيادة الأمريكية قدرة السوفيت على استخدام هذه الصواريخ الحاملة للرؤوس النووية إلى أي مكان و هو ما يعني تفوق القوة الاستراتيجية السوفيتية العابرة للقارات و قدرتها على توجيه الضربة الأولى دون عقاب مما أدى الى ظهورالحرب الشاملة حيث تعني الضربات المتبادلة بين الولايات المتحدة الأمريكية و روسيا فيما أصبحت الحرب المحدودة هي أعمال العسكرية التقليدية .(39)

5- نظرية الرد المرن : Flexible Résponse

ساهم في وضعها كل من داويت ايزنهاور و رئيس الأركان ماكسويل تايلور شاع استعمال هذا المصطلح خلال فترة الحرب الباردة و قد إتخذ إسم الاستجابة المرنة، الرد تحت السيطرة ،نظرية التدرج في الهجوم الانتقامي .
وبالمعنى الاستراتيجي نشأ الرد المرن من الحاجة الى التخلي عن الرد الانتقامي الشامل و استبداله بشيء مرن و أكثر عرضة للسيطرة و ذلك انه لا يجب الرد على العدوان بحرب عنيفة تستخدم فيها كل الوسائل حتى الذرية و إنما يجب الرد بطريقة مرنة و بقدرات تتناسب مع ما حدث من عدوان(40) ، حيث أقنعت أزمة برلين الثانية و الوضع في الفيتنام الإدارة الأمريكية أن أمريكا بحاجة إلى توسيع قدراتها التقليدية لمواجهة المزيد من الأوضاع الطارئة .
و قد إقتنع كندي و دافع عنها لأنها نظرية مرنة في الوقت و هي توفر المقدرة على التصرف إزاء أي نوع من أنواع الحرب سواء كانت عالمية ،محدودة،نووية، تقليدية،كبيرة أو صغيرة و لان الرد المرن ليس الرد المماثل فقد يكون الرد على الهجوم دفاعا نوويا تكتيكيا أو عملا نوويا محدود خشية تحول النزاع من محدود إلى شامل و أن يحافظ الردع على مصداقيته .(41)
و بهذا اتضح بان الأساس في إستراتيجية الرد المرن هو وجود خيارات متعددة يمكن اعتماد احدها و أن الرد على الهجوم الشيوعي يجب أن يتلاءم مع الخيار الاستراتيجي المعتمد . انتقدت لأن من غير الممكن أن تكتفي دولة ما بانتقام مماثل للهجوم الذي تعرضت له و إنما ترد بقسوة(42) ، أما فيما يخص إستراتيجية الرد المتدرج تضمنت بعض خصائص الرد المرن و بعض خصائص الرد الشامل و تقضي هذه الاستراتيجية بدأ الأعمال القتالية و تنفيذها من الأصغر إلى الأكبر و من البسيط إلى المعقد وفق ثلاث مراحل :
1 –
الدفاع المباشر : في حال وقوع هجوم سوفيتي تقليدي ( الضربة الأولى ) حيث ستكون الجهود الأولية وقف السوفيت إذا ما حاولوا الهجوم على الغرب باستخدام NATO .
2 –
التصعيد المتعمد : كانت تقليدية عندما دخلت قوات الشمال الأطلسي مما أدى إلى الاستسلام الإتحاد السوفييتي و تدخل NATO و استخدامه للأسلحة النووية .
3 –
الرد بالعمل النووي : و هي المرحلة الاخيرة و هي اكثر سيناريو للتدمير المتبادل و تعني مجموع الهجوم على العالم الشيوعي إذا لم يفعل السوفيت ذلك . (43)

6- نظرية الدومينو:
تقوم على افتراض وقوع دولة ما في يد قوة كبيرة سوف يؤدي إلى التوالي سقوط الدول المجاورة و كأنه بناء أقيم رأسيا ، فإذا أزيح جزء منه انهار باقي البناء على التوالي .(44)
المطلب الثاني : الإستراتيجية في القرن العشرين.
بدأ في عام 1914 نقاش حاد حول التغيرات الجذرية للفن العسكري،مع هيمنة مسبقة للجانب العملي على النظري. والعديد من الملفات عن هذه الفترة تشهد بالأفكار التي فرضتها الأحداث ،خاصة أن معظم العسكريين لم يكن لديهم الوقت للكتابة،فإما كانوا على الجبهات أو في قيادة الأركان الخاصة بالعمليات العسكرية. وهذا عمليا ما يفسر الغياب شبه الكلي للمنشورات و المطبوعات العسكرية في تلك الفترة. ومع بدء الحرب العالمية الأولى كانت العلوم الإستراتيجية قد أصبحت طيّ النسيان،ولكن هل يعني أنها اختفت تماما ؟ 
في الواقع، الكثير من المفكرين والكتاب تحدثوا عن العلوم الإستراتيجية ولكن ليس في كتب أو مراجع،بل في مقالات صحفية ظهرت هنا وهناك،وفي بعض الكتب غير العسكرية أو غير المتخصصة. من بين هؤلاء كان البريطاني Charles الذي كتب في صحيفة Times وقد قدم فكرا إستراتيجيا حقيقيا في بريطانيا والولايات المتحدة. أيضا Spenser Wilkinson الذي ترك العمل الصحفي في عام 1909 ليصبح أستاذ "التاريخ العسكري" في جامعة أكسفورد،وقد كتب أثناء الحرب "First lessons in War 1914"، ثم " Gouvernment and the War 1918".
في ألمانيا، قام Lucia Frost بإدخال بعض التعليقات حول أعمال Clausewitz في مرجع يهتم بالأدب بشكل عام. وفي فرنسا، يمكننا متابعة دراسات عسكرية منتظمة في المرجع " La Revue des deux-mondes، La Revue de Paris ، La Revue universelle… . في سويسرا، كتب العقيد Ferdinand Feyler مجموعة من التعليقات حول الحرب العالمية الأولى منها ( مدخل إستراتيجي عام 1915؛ و مشاكل إستراتيجية مستفادة من الحرب الأوربية عام 1918). ولا بد من الإشارة هنا إلى "المرجع العسكري السويسري" الذي بقي له تأثير مهم، كما هي مجموعة "المراجع العسكرية الأمريكية".

مع انتهاء عام 1918،كانت المفاهيم الإستراتيجية النظرية قد أعيد بناؤها. فكل القناعات و التأكيدات السابقة تعرضت للانهيار مع نهاية الحرب الأولى. أما سيتركز من هذا التاريخ بين الذين يأخذون بالمذهب العسكري الجديد حول الجبهة المستمرة وتفوق العمل الدفاعي ،و المجددين الذي يريدون استثمار الإمكانيات الجديدة المفتوحة بواسطة الأسلحة الجديدة التي استخدمت أثناء الحرب،وأهمها الدبابة والطائرة .
و قد أحدثت الحرب العالمية الثانية التي اندلعت في سبتمبر 1939 انقلابات جذرية في المذاهب الإستراتيجية التي كانت سائدة بين الحربين. فالخطط الإستراتيجية لم تعد على مستوى حرب صغيرة أو كبيرة بل أصبحت على مستوى العالم ككل،ومن أهم أسباب هذا التغير هو التطور الحاصل في جميع صنوف الأسلحة المستخدمة. إذا أصبحت الأسلحة تفرض قوانينها ،أما الإستراتيجيات فتجرب جميعها في ميادين المعارك. مع ذلك،التفكير و التنظير الإستراتيجي لم يختف من البلدان الأوربية،حيث استمرت العديد من المراجع والمطبوعات الإستراتيجية النظرية بالظهور خلال الحرب. 
إن الحدث الأهم الذي عرفته الحرب الثانية هو الصعود القوي للولايات المتحدة الأمريكية.وهذا ما ترافق أيضا في ميدان التفكير الإستراتيجي النظري. ومن المعروف أن هذا البلد لم يكن بعد قد أنتج تلك المراجع الكبرى في العلوم الإستراتيجية،طبعا إذا استثنينا Mahan. خروج الولايات المتحدة منتصرة في الحرب الثانية جعلها تهتم كثيرا بالميدان النظري للعلوم الإستراتيجية ولاقى هذه الاهتمام اتساعا كبيرا على المستوى العالمي. فقد بدأت الجامعات الأمريكية بوضع البرامج البحثية التي تقرأ وتحلل الفكر الإستراتيجي الأوربي: مثلا Edward Mead Earle أطلق دراساته حول كبار الإستراتيجيين الأوربيين في كتاب له تحت عنوان " Makers of Strategy" صدر في عام 1943،وترجم للفرنسية في عام 1982،وقد استمر هذا المرجع نصف قرن من الزمان كأحد أهم المراجع في هذا المضمار.
أيضا Stephen Possony أدار برنامجا ضخما للترجمة لجميع الإستراتيجيات الكلاسيكية. والعددي من المحللين درسوا تحولات وتغيرات الحروب البرية و البحرية. ومن هنا بدأت تظهر ملامح تيار جديد في العلوم الإستراتيجية،هذا التيار سيؤسس لما سنسميه فيما بعد بالجيوإستراتيجية. ويمكن القول هنا،إن القوة العالمية للولايات المتحدة ليست فقط وليدة ظروف معينة،بل هي أيضا ناتجة عن برنامج ناضج من التفكير والبحث قبل أن يوضع في التنفيذ. حيث بالنسبة لهم النظرية توجه وتغني التطبيق العملي.

خاتمة :

يلاحظ مما تقدم ان الاستراتيجية هي العملية التى تمتد من الهدف الى تحقيقة مرورا بالتطبيق العام ككل تاركة للتكتيك عملية المعالجة الجزئية فى التطبيق,ولكنها تحدد للتكتيك نظريتة وتقودة ككل,كما تتلقى فعله الراجع. من هنا فان الحديث عن الاستراتيجية يتطلب تحديد الهدف الذي تعمل لتحقيقة والمجال الذي تعمل ضمنة/الزمان والمكان والظروف وموازين القوي.مع ضرورة تحديد الخطوط العريضة للاستراتيجية الانسب ضمن وضع الحرب المعطاة,اى المفاهيم الاستراتيجية,والقوانين الاساسية لتلك الاستراتيجية.وايض وضع خطة استراتيجية عامة بناءا على التقويم السليم ووضع خطط ادنى تناسب التكتيك والاستراتيجية.وضرورة مراعاة التنفيذ المباشر,,حيث بدون قيادات تنفيذية كفوءة وكوادر على المستوى التكتيكى يصبح من الصعب الحديث عن انجاح اية استراتيجية او اى تخطيط او كسب اى حرب مهما كانت الامكانيات المادية والتقنية المتوفرة للتفوق على العدو.اى لابد من التوفر على قيادات ذات مهارة عالية لتحقق الانتصار لان التقويم للاستراتيجية يجب الا يقتصر على القوات العسكرية اوعلى الاسلحة المتوفرة فى اللحظة المعطاة فقط,لان هذه لن تستطيع ان تحقق النصر الا فى حرب سريعة,ولكن فى حرب طويلة الامد مثل الحرب الاهلية الامريكية او الحربين العالمية الاولى والثانية او حروب التحرير,وعلية يجب على التقويم الاستراتيجي ان يركز على كل ما يمكن توفيرة مستقبلا فى مراعاة حالة الحرب التقليدية بين دول من الطراز الامبريالى,التى يكون فيها الوضع سياسيى واقتصادي ومدنى الخ وهذه مسالة قد اشار لها بتوسع المفكر كلازوقيتش.
و يبقى ان نشير الى ان العديد من العلوم المتعلقة بالإنسان لديها فرضية أو "مسلّمة" وهي ادعاء الفهم و الإدراك لظاهرة ما أكثر من هؤلاء الذين يعيشونها. و الإستراتيجية هي إحدى هذه العلوم الإنسانية التي تؤمن بهذه الفرضية. إنها تحاول أن تكون علما شاملا يقود جميع أنواع الصراعات،ولكن مهما كان تعريفها أو اختلفنا فيه مع الآخرين فهي عمل "نبيل" لا يمارسه إلا نخبة من الناس لهم مستوى عال من المسؤولية و أهمها العلمية و المعرفية

وشكرا

بقلم الباحثين:

عبد الحكيم وادي

نصيرة الزهوانى

عبدالله عشاش